تواصل معنا

تم النشر قبل

في

د. محمد مكرم بلعاوي ..

أعادت المواجهة العسكرية الأخيرة بين الهند وباكستان، كشمير إلى واجهة الأحداث، ولفهم ما يدور اليوم من أحداث على الأرض، سنحاول تسليط الضوء على الخلفية التاريخية للصراع، ومكامن أهمية المنطقة وأثره على الصراع بين الطرفين ومحاولين التنبؤ بمآلات هذه المواجهة وتأثيرها على القضية الكشميرية.

خلفية تاريخية

يمتد الصراع بين الهند وباكستان على كشمير إلى فترة انفصال البلدين وذلك عام 1947م، حيث كانت منطقة كشمير” الاستراتيجية والتي يشترك اليوم فيها ثلاثة بلدان الهند (وعندها الحصة الأكبر) وباكستان ثم الصين في جزء صغير. من أجل كل هذه الاعتبارات، جعلتها موضع تنازع بين الطرفين، كما ذكرنا في بداية حالة الانفصال كان يفترض أن تنضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة إلى باكستان الوليدة، والولايات التي غالبيتها من الهندوس تنضم إلى الهند.

برزت بعض الحالات الإشكالية أثناء التقسيم، ففي بعض الحالات حدث أن يكون الحاكم مسلم والغالبية من الهندوس أو العكس، الولاية يرأسها هندوسي والأغلبية من المسلمين، في حالة كشمير كانت الغالبية من المسلمين والحاكم هندوسي، فحصل خلاف نتيجة لذلك إلى أي البلدين تنضم.

وبمبادرة ذاتية من حاكم الولاية حينها، قام بتوقيع اتفاقية مع حكومة الهند ينضم بموجبه الإقليم إلى الهند دون أخذ موافقة السكان على ذلك، فبادرت الهند ووضعت يدها بالقوة العسكرية على كشمير، كما فعلت في ولايات أخرى مشابهة، فنشأت حرب بين الهند وباكستان، كان من نتائجها ذهاب ثلث الولاية تقريباً مع باكستان، وتطلق عليها اليوم بالمصطلح الباكستاني “آزاد كشمير” وتعني كشمير الحرة، وأمّا القسم المتبقي مع الهند فيطلق عليه في باكستان “مقبوضة كشمير” وتعني كشمير المحتلة، وبالمقابل ففي الهند، تُعد المنطقة التي مع باكستان محتلة والمنطقة التي مع الهند حرة، سبّب هذا الوضع حساسية كبيرة جداً بين الطرفين.

كشمير هي المنطقة الجغرافية التي في أقصى شمال شبه القارة الهندية. كان مصطلح “كشمير” حتى منتصف القرن التاسع عشر، يشير فقط إلى وادي كشمير بين جبال الهيمالايا الكبرى وسلسلة جبال بير بانجال، واليوم، تشير إلى منطقة أكبر تشمل إقليم جامو وكشمير الخاضع لإدارة الهند (والذي يضم مقاطعات جامو ووادي كشمير ولدّاخ) والأراضي الباكستانية آزاد كشمير وجيلجيت بالتستان والأراضي التي تديرها الصين، من أكساي تشين و وممر عبر-كوراكورام (Trans-Karakoram Tract) .

أصبحت منطقة كشمير في النصف الأول من الألفية الأولى، مركزًا هامًا للهندوسية ولاحقاً للبوذية، وفي وقت لاحق، ولدت في كشمير ديانة شيفا في القرن التاسع والتي انتشرت في أنحاء الهند حتى قدوم الفتح الإسلامي. في عام 1339، أصبح شاه مير (شمس الدين شاه مير 1339-1342م) أول حاكم مسلم لكشمير، مؤسساً سلالة شاه مير الحاكمة والتي بقيت في الحكم حتى عام 1561م، حتى انتهت تحت ضربات المغول المسلمين والذين سيطروا على شمال الهند بأسره.

أصحبت كشمير جزءاً من الإمبراطورية المغولية منذ عام 1586 إلى 1751م، ثم خضعت لحكم إمبراطورية دوراني الأفغانية حتى عام 1820م. في ذلك العام، ضمّ السيخ، تحت حكم رانجيت سينغ، كشمير. بعد هزيمة السيخ في الحرب الأنجلو- سيخية الأولى في عام 1846، اشترى أصبح حاكم جامو، غولاب سينغ، المنطقة من البريطانيين بموجب معاهدة أمريتسار، وصار الحاكم الجديد لكشمير، واستمر الحكم في أحفاده، تحت سلطة التاج البريطاني، حتى تقسيم الهند في عام 1947، عندما ادعت كل من باكستان والهند تبعية الولاية لها.

دخلت منطقة جامو وكشمير الكبرى في نزاع إقليمي بين الهند وباكستان والصين منذ عام 1947، حيث تسيطر الهند على حوالي 43٪ من مساحة الأراضي في المنطقة و70٪ من سكانها، وتسيطر باكستان على 37٪ تقريبًا من الأرض، في حين تسيطر الصين على 20٪ المتبقية. وتعتبر كشمير أكثر المناطق عسكرة في العالم، حيث شهدت المنطقة ثلاث حروب كبيرة بين الهند وباكستان، وحرباً محدودة أخرى بين الهند والصين، ومناوشات عديدة على الحدود، وحرباً في أعالي الجبال، وتمرداً مستمراً، ونزوحاً هندوسياً، واضطرابات مدنية داخلية.[1]

أهمية كشمير الاستراتيجية

ربما كان أهم أسباب استعصاء مشكلة كشمير على الحل نابعة بالأساس من أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للبلدان المحيطة بها، فهي:

أولاً: تطل كشمير على كل من الهند وباكستان نتيجة لعلو موقعها، ولذا فإنّها تُعطي أفضلية استراتيجية لمن يحكمها، وتجعل قدرته على مواجهة الطرف الآخر أكثر فعالية.

ثانياً: تعتبر كشمير المصدر الأساس للمياه في المنطقة، إذ ينبع منها غالبية أنهار باكستان وجزء مهم من أنهار الهند، وسيكون من المستحيل بالنسبة لباكستان الاستمرار إذا انقطعت مياه كشمير عنها، وستواجه الهند أزمة حقيقية إن تأثر إمداد المياه القادم إليها من كشمير.

في هذا المجال، تم توقيع معاهدة مياه نهر السند (IWT) في عام 1960م، وخصّصت الأنهار الثلاثة الشرقية – رافي وبياس وسوتليج – من حوض نهر السند للهند، في حين تم تخصيص 80٪ من الأحواض الغربية الثلاثة – إندوس وجيلوم وتشيناب – لباكستان، وتقول الهند إنّها لم تستغل سوى نسبة 20٪ من المياه الممنوحة لها في الأنهار الغربية الثلاثة، بينما تشكك باكستان في هذا.

ثالثاً: تزخر بالكثير من الثروات الطبيعية، مثل الغابات والمعادن، وهي تُعد كنزاً حقيقياً في هذا المجال.

رابعاً: أنها في موقع يتحكم بتقاطع طرقات في بقعة حساسة من آسيا، إذ أنّ هذه المنطقة الاستراتيجية التي كانت جزءاً أساسياً من طريق الحرير، الذي يمتد من كاشغر في شمال غرب الصين إلى كشمير ومنها إلى باقي آسيا.

خامساً: تعد كشمير من أجمل بقاع الأرض ويطلق عليها لقب “جنة الله في الأرض”، وهي تستقطب عدداً كبيراً من السياح في كل عام وتُعد مصدراً هاماً للاقتصاد من هذا الجانب.

مواقف الشعب الكشميري من النزاع على الإقليم

كانت هناك دائماً ثلاثة مواقف للشعب الكشميري من قضيتهم، غالبية الشعب يريد أن يقرّر مصيره بنفسه، سواء بالاستقلال بشكل تام أو بالانضمام إلى باكستان أو الهند، وهو الأمر الذي منحته له قرارات الأمم المتحدة، لكن دون أن يجد طريقه إلى التطبيق حتى اليوم، وجزء من المتنفذين والسياسيين يرى مصلحته مع الهند فيود البقاء معها، وجزء آخر من السكان يعتقد أن الوضع الطبيعي يكمن بانضمام كشمير إلى باكستان.

حلّت المعاناة نتيجة للتنازع على الإقليم بالشعب الكشميري، إذ أصبح اليوم شعباً مجزّأ ما بين باكستان والهند، فانقطعت أواصر القربى والتبادل الثقافي والتجاري بين أبناء الشعب الواحد، ما أوجد مأساة حقيقة مستمرة لهذا الشعب، بالإضافة الى أنّ الخلاف على كشمير أدى إلى قطيعة بين البلدين وهو ما أثّر سلباً، بالمقام الأول، على المسلمين فيهما وهم بالأساس شعب واحد، فقاد أدى إلى انقطاع أواصر القربى بين الباكستانيين المسلمين والهنود المسلمين، وصعّب كذلك التبادل التجاري بين البلدين الكبيرين المتجاورين وعطّل عملياً الممرات البرية، الأمر الذي له أسوء الأثر على النمو الاقتصادي والتجارة في منطقة جنوب آسيا.

الصراع وسباق التسلح وأضراره على البلدين

تدرك الهند من طرفها، أنّ غالبية الشعب الكشميري لو خُيّر فإنه سيختار، على الأرجح، الانضمام إلى باكستان، وهذا سيشكل ضرراً كبير جداً بالنسبة للهند من الناحية الاستراتيجية، كما أنّه يمكن أن يشجّع أقليات هندية أخرى على الاستقلال ما يعني أنّ عقد دولة الهند سينفرط تدريجياً وهو أمر لا يمكن أن تقبل به الهند، لذلك تفضّل أن تُبقي الوضع على ما هو عليه، مدعية أن قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1949م والذي منح الشعب الكشميري حق تقرير المصير قد صار لاغياً عقب اتفاقية شيملا الموقعة بين الهند وباكستان عام 1974م، على أمل أن تغري الكشميريين بالبقاء في الهند الموحّدة من خلال تحسين الوضع المعيشي في كشمير أو ايجاد حكومة محلية موالية للهند، أو حتى التغيير التدريجي للبنية الديمغرافية للولاية كما حدث في الجزء المنخفض من الولاية في منطقة جمّو.

وتبين على مدى السنوات الطويلة التي تمتد لأكثر من نصف قرن، أنّ قضية كشمير أصبحت قضية استنزاف لكلا البلدين وسبباً أساسياً من أسباب سباق التسلح في المنطقة، وهذا بدوره أدى إلى استنزاف الطاقات والأموال التي كان من المفترض أن تذهب إلى تنمية البلدين وترقية مستوى الشعبين، وخصوصاً في باكستان، لأنّ الهند كما هو معروف، مساحتها وعدد سكانها أضعاف باكستان.

فكرّست باكستان جزءاً أكبر من ثرواتها ومقدراتها لبناء قوة عسكرية تستطيع الوقوف في وجه الدولة الأكبر في المنطقة وهي الهند، وبذلك تحوّلت باكستان إلى دولة شبه عسكرية، وتعتبر من أكبر الدول التي تنفق على التسلح والأمور العسكرية، ولديها جيش متطور يتم توجيه غالبية مواهب ونخب الشعب الباكستاني نحوه، ولذلك نستطيع أن نفهم مهنيّة وقوة هذا الجيش، رغم أنّه أصغر حجماً من الجيش الهندي.

في المقابل، فإنّ سباق التسلح قد قاد الهند إلى تكريس أموال طائلة جداً للجهد العسكري، للحفاظ على كشمير، إذ تعتبر منطقة كشمير من أكثر المناطق التي فيها قوة مسلحة على مستوى العالم، حيث يقال أنّ فيها حوالي مليون جندي هندي، وهذا أمر مكلف للغاية.

بالإضافة إلى أنّ هذا الوضع أدىّ إلى تقارب بين الصين وباكستان على قاعدة العداء المشترك مع الهند، والصين من الناحية الاستراتيجية هي أكبر تهديد للهند من باكستان، لأنّها أقوى وتشترك معها بحدود أطول من باكستان وغالبيتها حدود جبلية مطلة على الهند، كما أنّ الحروب التي خاضتها باكستان مع الهند غالباً ما كانت نتائجها ضد مصلحة باكستان، أمّا الحروب التي خاضتها الهند مع الصين فكانت نتائجها في صالح الصين في أغلب الأحيان، وهذا هذا الوضع أدى إلى جعل الهند بين فكيّ كماشة، وهو أمر خطير للغاية على للهند.

حادثة بوولواما الانتحارية: تسلسل الأحداث

14 فبراير: سيارة مفخخة يقودها انتحاري ترتطم بحافلة تقل جنوداً هنود في كشمير الهندية، وتوقع أكثر من أربعين قتيلاً، وهو الهجوم الأكبر من نوعه منذ عقود، ورئيس الوزراء الهندي يتوعد الإرهابيين ومن يقف خلفهم.

15 فبراير: تنظيم جيش محمد يعلن مسؤوليته عن العملية، وباكستان تدين العنف في كشمير وترفض اتهامات الهند بإيوائها تنظيم جيش محمد وتنأى بنفسها عن العملية.

16 فبراير: وزير المالية الهندي يعلن سحب الهند لميزة البلد الأكثر أفضلية من باكستان، ما أدى إلى ارتفاع الجمارك بين البلدين إلى 200%.

18 فبراير: مقتل 9 أشخاص من بينهم 4 جنود وشرطي في مواجهات مسلحة في كشمير الهندية.

19 فبراير: رئيس وزراء باكستان يعرض على الهند المساعدة في التحقيقات، ويحذر من أن بلاده سترد على أي اعتداء هندي، والهند ترفض.

20 فبراير: الهند توقف المواصلات بين شقي كشمير، الهندي والباكستاني.

23-24 فبراير: تقوم الهند بحملات اعتقالات واسعة طالت من وصفتهم بالانفصاليين الكشميريين.

26 فبراير: أعلنت الهند عن ضربات جوية نفذتها ضد معسكرات تنظيم جيش محمد في منطقة بالاكوت الباكستانية، وأعلنت عن مقتل عدد كبير من الإرهابيين، وباكستان تعلن أن العدوان الهندي تهديد للسلام الإقليمي، وأنّها سترد في المكان والزمان المناسبين.

27 فبراير: رئيس وزراء باكستان يلتقي بالسلطة الوطنية للقيادة وهي الجهة المسؤولة عن السلاح النووي الباكستاني، وباكستان تعلن أنّ سلاح الجو الباكستاني قد ضرب أهدافاً عبر خط التحكم، بهدف إظهار قوتها للهند، وباكستان تعلن إسقاط مقاتلتين هنديتين عبرتا الحدود الباكستانية، وأسر أحد الطيارين، بالمقابل تعلن الهند عن تسليم باكستان ملف فيه أدلة على تورط تنظيم جيش محمد ووجوده في باكستان، ورئيس وزراء باكستان يدعو للحوار بين الطرفين.

28 فبراير: رئيس وزراء باكستان يعلن أنّ باكستان ستطلق سراح الطيار الهندي في اليوم التالي كإشارة حسن نية، قادة الجيش الهندي يرحبون بهذه الإشارة.

01 مارس: باكستان تفرج عن الطيار الهندي عن طريق الحدود البرية في ولاية البنجاب مع الهند.

ارتدادات الحادثة

أدت حادثة بوولواما إلى تدهور الأمور بين الجارين، على سبيل المثال أدى ذلك الى سحب الهند ميزة أعطتها لباكستان من أجل الارتقاء بالتجارة بصفة البلد الأكثر تفضيلاً الى درجة أن باكستان ذهبت إلى منع مشاهدة وبث الأفلام الهندية في باكستان، وهو ما يعني الأمر أدى إلى نوع من أنواع القطيعة الاقتصادية والثقافية بين البلدين، خاصة أن ما حدث شكّل صفعة للكرامة الهندية، وجاء في فترة حسّاسة جداً وهي فترة انتخاباتها العامة.

وتأتي الانتخابات العامة في الهند هذه المرة، وقد أصبح وضع الحزب الحاكم متأرجحاً وحسّاساً نتيجة عدم قدرته على اقناع كثير من الناخبين على تنفيذ وعوده بالتنمية والنهوض بالبلد، وتحوّلت غالبية الوعود التي قطعها لهم في الدورة السابقة إلى حبر على ورق، وسط سياسات دينية يمينية متطرفة ألّبت عليه الأقليات واليسار وقطاعات واسعة من الهنود التي تتبنى أفكار غاندي المبنية على التعايش السلمي.

ورغم أنّ عملية بوولواما كانت مضرة بالكرامة الوطنية وشكلت صفعة للتفوق الهندي، فإنّ كثيراً من المحللين يرون في هذه العملية فرصة للحزب الحاكم ذي الخلفية اليمينية، كي يرفع مستوى الدعم الشعبي له عبر تأجيج المشاعر الوطنية ضد باكستان، والأحزاب اليمينة معروفة عموماً، تبني خطابها دائماً ثنائيّة الأمل بالتفوق والتخويف من التهديدات.

وفي الدورة الماضية اعتمد الحزب الحاكم بالمقام الأول على الأمل بمستقبل أفضل، من خلال التركيز على طرح المشاريع الكبرى وتصوير أن الهند في طور نيل العظمة العالمية التي تستحقها، ولكن يبدو أنّ ما حققه من انجازات لم يرتق إلى طموح الناخب الهندي، بالإضافة الى أنّ السلوك المجتمعي والسياسي المتطرف للحزب الحاكم، أثار حفيظة كثير من القطاعات التي سبق ذكرها، وهي ممثلة في أحزاب كانت سابقاً في الحكم، أو أحزاب جديدة، وأحزاب تمثّل أقليات، وأصبح اليوم لديها القدرة على التوحد لتشكيل جبهة مضادة للحزب الحاكم، وبالتالي أصبح أمر اسقاطه ممكناً.

لذلك لجأ الحزب الحاكم كما يقول ناقدوه، إلى عملية التخويف من باكستان، واستنهاض الكرامة الوطنية وحشد الناس خلف الحكومة من خلال بناء رأي عام مضاد لباكستان، ونستطيع أن نرى ذلك من خلال المظاهرات في الشوارع والإعلام المؤيد للحكومة، الى درجة أنّه نجح هذه المرة خلافاً للمرات السابقة، بجرّ الاحزاب المعارضة، والتي دائما ما كانت تشكّك بموقف الحكومة من أحداث من هذا النوع وطريقة استغلالها لها، إلى الاصطفاف خلف الحكومة تأييد موقفها، وتريد هذه الأحزاب بذلك حرمان الحكومة من الاستفادة من هذا الحدث وتحويله إلى سلاح للتشكيك بوطنية المعارضة.

الموقف الهندي الرسمي

يحاول الموقف الرسمي للحكومة الهندية التأكيد على شيئين، وهما أنّ الهند ليست هي المبادرة بالعدوان على باكستان بل هي ضحية للإرهاب المنطلق من باكستان، والمخطط والمدعوم من باكستان، وأنّ باكستان دولة تشجع الإرهاب، ولذا فإنّ الهند لا خيار لها إذا أرادت إيقاف الإرهاب ضدها سوى أن تضرب الإرهاب في مواطنه، وأنّها غير معنية بحرب مع باكستان، وهي تدعو إلى تسوية الأمور من خلال الحوار وهذا عبرت عنه وزيرة الخارجية الهندية سوشما سوراج في لقائها مع كل من وزير الخارجية الروسي والصيني، في الصين.

الموقف الباكستاني الرسمي

على الجانب الآخر فإنّ الجانب الباكستاني يعلن أنّ باكستان لا تريد الحرب وتتهم الهند بإطلاق التهم جُزافاً دون دليل، وأن لا علاقة لباكستان بهذه الأعمال الإرهابية، وأنّ هذه العملية هي من تدبير وتنفيذ الكشميريين أنفسهم، كونهم شعب مظلوم وينشد الحرية من الاحتلال الهندي لأرضه، ويطلب حق تقرير مصيره، وأنّ باكستان عانت من الارهاب أكثر مما عانت منه الهند، إذ سقط لها سبعين ألف قتيل نتيجة الاحداث الارهابية، فهي مشكلة مزمنة بالنسبة لها ولا يمكن مطالبتها بحلها وحدها، كما تتهم الهند بمحاولة فرض واقع جديد بتغير ما يسمى بخط التحكم Control Line والذي يقسم كشمير بين الطرفين، وهو ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية شيملا في عام 1972م، وبناء على كل ذلك، فإنّ باكستان لن تقف مكتوفة الأيدي أمام العدوان عليها، وستثبت للهند أنها قادرة على الدفاع عن نفسها.

مواقف الأطراف الفاعلة

أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية

يميل الموقف الأمريكي أكثر باتجاه الهند، ووجه انتقادات إلى باكستان بخصوص عدم ضبطه الجماعات الإرهابية، ورغم ذلك فإنّه معني بأن تكون الهند في مواجهة الصين وليس باكستان، ولذلك فإنّ المواجهة مع باكستان اليوم، على الأرجح، غير مطلوبة أمريكياً، وستضغط الولايات المتحدة الأمريكية على كل من باكستان والهند من أجل ايقافها بأقرب وقت ممكن.

ثانياً: الصين

الصين في أغلب الظن، ستقف مع باكستان في حالة محدودة مؤقتة لكن لن تشجعها على حرب مفتوحة تستنزف قوتها، إذ أنّ وضع باكستان الاقتصادي لا يسمح لها بالانزلاق نحو حرب مفتوحة وإذا حصل هذا الأمر فإنّها على الأرجح، ستعتمد على الدعم الصيني، والصين اليوم غير معنية بهذا النوع من المواجهة لأنّ استراتيجيتها تقوم على ابقاء المنطقة في حالة هدوء وعدم التورط في حالة استنزاف تدفع الاقتصاد الصيني الى الخلف وتمنع الصين من التنمية والوصول إلى أهدافها.

ثالثاً: إسرائيل

برز الحضور الإسرائيلي في الصراع بين البلدين من خلال الموقف السياسي المعلن بتأييد الهند ضد الإرهاب الباكستاني بأقوى العبارات، وباستخدام الهند لأسلحة ومنظومات تسليح إسرائيلية الصنع، خلال قصفها للمواقع الباكستاني، وهو ما سبق حدوثه في المواجهة الأخيرة مع الصين أيضاً، مما سلط الضوء على العلاقة العسكرية المتنامية بين البلدين وجعل كثير من الأطراف تتوجس من تنامي الدور الإسرائيلي السلبي في المنطقة.

رابعاً: أطراف أخرى

دعت كل من تركيا وروسيا وأطراف دولية كثيرة، الطرفين إلى ضبط النفس وحل المشكلات من خلال الحوار ولكن تأثير هذه الدول محدود على البلدين مقارنة بكل من الولايات المتحدة والصين.

من المستفيد؟

على الصعيد السياسي المجرد نستطيع أن نرى هذه المواجهة إذا تم توظيفها بشكل جيد فإنها ممكن أن تخدم كلا الطرفين الطرف الحزب الحاكم في الهند بحيث أنها تحشد الناس والناخبين خلفه والطرف الثاني الباكستاني بأنها تعطي مزيداً من القوة والمصداقية للجيش كونه حامي باكستان، ومزيداً من المشروعية لرئيس حكومة باكستان، عمران خان، القليل الخبرة في القيادة، وتظهره كشخص قوي يدافع عن البلد أمام قوة أكبر.

تعتبر إسرائيل هي الطرف الخارجي المستفيد من هذه المواجهة، إذ تعزّز دورها لدى الهند، وسيجعل باكستان تخطب ودها بالمستقبل القريب لتجنب خطرها، والاستفادة منها.

السيناريوهات المحتملة

أولاً: الحرب النووية

تُعدّ الحرب النووية بين الجارين أمراً غير وارد في حسابات البلدين، علماً بأنّ رئيس باكستان السابق الجنرال برويز مشرف كان قد تحدث إلى وسائل الإعلام قبل أيام، عن شبه استحالة وقوع مواجهة من هذا النوع بين باكستان والهند، وأنّ السلاح النووي هو للردع فقط.

ثانياً: الحرب التقليدية الشاملة

تُعدّ الحرب التقليدية الشاملة التي يمكن أن تطال أهم مدن ومرافق البلدين، كذلك أمراً مستبعداً، إذ أنّ ذلك سيشكل ضربة للاقتصاد الهندي ومشاريع التنمية التي وعد بها الحزب الحاكم، أمّا على الطرف الباكستاني فإنّ وضع الاقتصاد مترد للغاية وأية مواجهة من هذا النوع يمكن أن تقود باكستان إلى الإفلاس.

ثالثاً: الحرب الحدودية المحدودة

تبدو الحرب الحدودية المحدودة بين الطرفين، الأكثر ترجيحاً، وذلك لأنّها غير مكلفة من جهة وتساعد كلا الطرفين على تعزيز الروح الوطنية والثقة بالحكومة.

أدوار مقترحة للسياسة العربية والإسلامية

يشكل كلا البلدين أهمية بالغة للعالم العربي والشرق الأوسط عموماً، وذلك لأسباب جيواستراتيجية وأسباب ثقافية واقتصادية، ولذا فإنّه ينبغي على الدول والكيانات المؤثرة في المنطقة أن:

  1. تباشر سياسة النيء بالنفس عن الصراع، وعدم الانحياز إلى أي من البلدين.
  2. الدعوة إلى ضبط النفس وحل الخلافات بين الطرفين بالحوار والوسائل السلمية.
  3. السعي للتوسط بين البلدين وضمان أن الأمور لن تخرج عن السيطرة.
  4. مساعدة البلدين على تطبيع العلاقة بينهما على المدى البعيد وتشجيعها على ذلك بالمحفزات الاقتصادية.
  5. مساعدة البلدين على إيجاد حل دائم للقضية الكشميرية متوافق مع قرارات الأمم المتحدة وبما يضمن مصلحة البلدين الشقيقين.

الخلاصة

هذه المواجهة ستكون مواجهة قصيرة نسبياً ومحدودة ستنتهي إلى إعادة الأمر إلى ما كان عليه عندما تنتهي أهدافها وسيكون ذلك عندما يشعر كلا الطرفين بأن الفوائد من خلال حشد الرأي العام خلف قيادة أي من البلدين انتهت، والآن أصبحت كلفة المواجهة أعلى من فائدتها، عندها سيبحثان عن ذريعة لإيقافها

المصدر / المعهد المصري للدراسات
…..
[1] مترجم من ويكيبيديا

اضغط هنا للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

السياسة الخارجية الهندية بعد انتخابات 2019

تم النشر قبل

في

بواسطة

الكاتب: د. محمد مكرم بلعاوي
الناشر: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية
 
مثّل الفوز الكبير لحزب الشعب الهندي (BJP) بالانتخابات العامة الهندية التي تم الإعلان عن نتائج يوم 23 مايو/أيار، مفاجأة كبيرة لأكثر المراقبين والمحللين السياسيين، سيحاول هذا التقرير البحث في انعكاسات هذا الفوز الكبير على علاقات الهند الخارجية، استكشاف في آثارها على الصعيد الأقليمي والدولي.
 
أولاً: الصعيد الأقليمي
ونقصد بها دول منظمة سارك SAARC، وهي كل من سريلانكا، والمالديف، ونيبال، وبوتان، وبنغلاديش، وأفغانستان، وباكستان، والتي تعتبرها الهند-تقليدياً- دائرة نفوذها الإقليمي أو الفناء الخلفي لها، وسنلقي بإيجاز بعض الضوء على تأثيرات هذا الفوز على سياسة الهند تجاه هذه البلدان.
 
سريلانكا
تعود علاقة الهند بسريلانكا إلى آلاف خلت من السنين، وهي علاقة غير متكافئة من ناحية المبدأ بسبب تفاوت الحجم والتأثير، إذ طالما نظرت سريلانكا إلى الهند على أنّها الأخ الأكبر الذي لا بد من التعايش معه، والاستفادة من جواره دون التعرض لتغوله وغضبه، وخصوصاً أنّ شمال سريلانكا تشترك مع جنوب الهند بقوميّة التاميل والتي كانت إحدى أسباب التدخل الهندي الدائم في سريلانكا سياسياً وأحياناً عسكرياً، ولطالما اُعتبرت الهند الدولة الأكثر تأثيراً في سريلانكا على جميع الصعد بما في ذلك الصعيد الأمني، غير أنّ السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية السريلانكية مع التاميل، شهدت تحوّل سريلانكا نحو الصين لجلب الاستثمارات في البنية التحتيّة ولإحداث نوع من التوازن الاستراتيجي في علاقتها مع الهند، وانعكس ذلك سلباً على تدخّل كل من الدولتين في السياسة الداخلية السريلانكية ومحاولة التأثير على نتائج الانتخابات المحلية ودعم بعض فرقاء الحكم، وهو ما أوجد نوعاً من المواجهة بالوكالة بين الهند والصين، ويتوقع أن تزداد وتيرة ذلك مع تعزيز رئيس الوزراء ناريندرا مودي لقبضته على الحكم في الهند وطموحه للعب دور خارجي يعيد للهند مكانتها بين الأمم بما يتوافق مع رؤيته القومية.
 
المالديف
ما سبق وصفه من طبيعة العلاقة بين سريلانكا والهند وحالها، ينطبق إلى حد كبير على المالديف والتي شهدت هي أيضاً نزاعاً على السلطة دعمت الهند أحد أطرافه والصين الطرف الآخر، ويشترك هذان البلدان، بأنّهما يقعان على خط الحرير البحري الذي تسعى الصين إلى إحيائه لتسهيل تدفق تجارتها إلى بقية العالم، وهو ما ستحاول الهند الحد منه قدر الإمكان في المستقبل لأنّها ترى فيه تهديداً لنفوذها الإقليمي.
 
نيبال
تاريخياً كانت مملكة نيبال هي الدولة الوحيدة التي تصف نفسها بدولة هندوسيّة، ولكن هذا الوضع تغيّر عقبة ثورة قادها الشيوعيون الماويون والتي تكللت عام 2008م ضمن أسباب أخرى، بإعلان نيبال نفسها جمهورية فدرالية علمانية ، وهو ما شكّل ضربة موجعة للنفوذ الهندي في هذا البلد الذي ترتبط غالبية شرايين حياته بها، وعندما حاولت الضغط على الحكومة المحلية قامت هذه الأخيرة بفتح الأبواب أمام النفوذ الصيني ما جعل الهند أمام وضع صعب، خصوصاً ما يرتبط بموقفها الرافض للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية التي أخذت مشاريعها تنتشر في المنطقة المحيطة بها رغم التمنّع الهندي ، وهو ما سيؤدي إلى تآكل تدريجي للنفوذ الهندي في هذا البلد بشكل سريع، ولذا فمن المرجح أن تمارس نيودلهي مزيجاً من سياسة الترغيب والترهيب على كتماندو خلال الفترة القادمة حتى تحول دون تحوّل التوسع الصيني فيها إلى كابوس حقيقي.
 
بنغلاديش
تتمتع الهند بنفوذ كبير في بنغلاديش حيث ينظر إليها على أنّه القوة الأساسية التي كانت وراء استقلال باكستان الشرقية (لاحقاً بنغلاديش) عن باكستان عام 1971م، غير أنّ الخلافات بين الطرفين وإن كانت محدودة نسبياً دفعت حكومة رئيسة الوزراء البنغلاديشية السابقة، خالدة ضياء إلى دعم الانفصالين الهنود الأمر الذي تغير عندما تم انتخاب زعيمة حزب عوامي شيخة حسينة -بنت شيخ مجيب الرحمن مؤسس بنغلاديش- رئيسة للوزراء، فقادت سياسة تقارب مع الهند توّجتها بزيارتها إلى الهند عام 2018م والتي تم خلالها الاتفاق مع حزب الشعب الهندي بقيادة مودي على عدة قضايا منها حل الخلافات الحدودية والتنازع على مياه الأنهار المشتركة وتوقيع اتفاقيات متعددة في مجالات التعاون العسكري والاقتصادي وتوليد الطاقة واستخدام مينائي بنغلاديش الرئيسين تشيتاغونغ ومونغلا، ويتوقع أن يتصاعد هذا التعاون بين الطرفين خلال المرحلة القادمة وسط مخاوف الهند من دخول الصين إلى بنغلاديش.
 
أفغانستان
تعتبر أفغانستان قطعة أساسية في أحجية السياسة الخارجية الهندية منذ الاستقلال، فلطالما دعمت حكومة الهند الحكومات المتعاقبة أفغانستان ما عدا حكومة طالبان التي اعتبرتها تهديداً أمنياً للهند بسبب علاقاتها القوية مع الاستخبارات العسكرية الباكستانية وتبنّيها لمجموعات كشميريّة انفصالية ومجموعات تصنفها الهند إرهابية، وقد قدّمت الهند مليارات الدولارات على مدى العقود الماضية لأفغانستان كقروض ومساعدات، في مجالات متعددة منها العسكري والأمني والزراعي والصحي والتعليمي والبنية التحتية، وذلك لأنّها تنظر إلى أفغانستان كممر أساسي للتجارة والطاقة للوصول إلى وسط آسيا، كما أنّ أفغانستان تعتبر في طليعة دول العالم بوفرة المعادن الهامة والغاز والتي لم يتم الاستثمار فيها بعد، لذا فإنّ الهند تطمع أن يكون لها حصة هامة في هذا المجال. من الهام أيضاً إدراك أنّ هناك نظرية هندية تسمى بـ”دولاب أشوكا”، وتقضي بأن تضع الهند خصومها بينها وبين أصدقائها، ولذا نفهم تقارب الهند مع اليابان وروسيا ثم أفغانستان وإيران، ما يضع كل من الصين وباكستان بين الهند التي تقع في مركز الدولاب وهذه الدول التي تمثل طوق الدولاب. مع استمرار حكومة مودي في السلطة فإننا سنشهد مزيداً من التعاون مع أفغانستان واستمراراً لنفس السياسة والتي تهدف إلى توسيع قدرة الهند على الوصول إلى الخامات الطبيعية وأسواق الطاقة وتأمين حدودها الغربية ضد الإرهاب.
 
بوتان
تُعد مملكة بوتان والتي تقع جنوب شرق الهند، ذات تأثير محدود في الإقليم حيث لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة، وتكمن أهميتها بالنسبة للهند بأنّها يمكن أن تشكل مدخلاً للنفوذ الصيني، ولذا فإنّها تحرص دائماً على ربط بوتان بها بشكل عضوي لمنع حدوث ذلك، وهو ما سيستمر على الأرجح خلال الفترة القادمة.
 
باكستان
تتصف علاقة الهند بباكستان بالتعقيد والعدائية منذ الاستقلال عام 1947م، ولطالما كان هذا العداء بين الطرفين سبباً لتأجيج الشعور الوطني على الجانبين ودعم السياسات الشعبوية التي تقدّم الأمن القومي على اعتبارات التنمية والرخاء الاقتصادي، وقد شهدنا جانباً من هذا في المواجهة المحدودة الأخيرة التي جرت بدايات هذا العام بين الطرفين. غير أنّ الهند تدرك تماماً أنّ باكستان كما هي عامل هام لاستنزاف قوتها فيمكن أن تكون سبباً هاماً في تسهيل تطورها الاقتصادي، ولذا نجد السياسة الهنديّة تجاه باكستان تتأرجح دائماً بين البراغماتية والعداء. وتكمن أهمية باكستان في عدة ملفات:
تحالف باكستان مع الصين
نشأ تحالف قوي منذ بداية الخمسينيات بين باكستان والصين مع أنّ الأولى كانت تصطف مع العالم الغربي والثانية في الطرف المقابل، غير أنّ العداء المشترك للهند جعل الطرفين يقتربان من بعضهما البعض، والذي تطور بشكل تدريجي إلى مستوى تحالف وعلاقة توصف في البلدين على أنّها “علاقة جميع الفصول” . دخل هذا التحالف مستويات متقدمة مع مرور السنوات خصوصاً بعد البرود التدريجي في علاقة باكستان مع الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن الحالي وانحياز هذه الأخيرة إلى الهند لمحاولة إضعاف الصين، وهو ما يجعل الهند تقع بين فكي كماشة تحيط من جميع الجوانب سوى من الجنوب حيث المحيط الهندي، مما يعني عملياً تحيّيد قدراتها الاستراتيجية.
دعم الانفصال والإرهاب
اتصفت علاقة الهند مع باكستان بالعداء منذ الأيام الأولى لانفصال الطرفين عقب الاستقلال كما أسلفنا، وكانت من ذلك المواجهات العسكرية المتعددة على منطقة كشمير المتنازع عليها بين الطرفين، ثمّ عملت الهند على دعم انفصال باكستان الشرقية عام 1971م عن باكستان وتحولها إلى دولة بنغلاديش، ولذا فإنّ الحرب بين الطرفين أخذت أشكالاً متعددة منها الحرب المخابراتية، والتي تعمل عادة على استنزاف الطرف الآخر بدعم جماعات انفصالية أو إرهابية، وهو ما تتهم الهند به باكستان، ولذا فإنّ علاقة أفضل بين الطرفين يمكن تخفف من الأضرار التي تسببها هذه الجماعات، حيث أصبحت السيطرة من خلال نشر مئات الآف من الجنود في كشمير عملية مكلفة للغاية.
سباق التسلح
تكرّس كلا البلدين موازانات هائلة لرفع كفاءتهما القتالية، بما في ذلك تصنيع السلاح النووي وتطور صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، والحصول على آخر التقتنيات المتوافرة في هذا المجال، ما يعني استنزافاً هائلاً للموارد الوطنية في بلدين ناميين يمكن لهذه الأموال أن ترفع فيهما مستوى التنمية وتخرج مئات الملايين من البشر من الأمية ومن تحت خط الفقر.
ممر شبه إجباري إلى بقية العالم
تحيط بالهند موانع طبيعيّة كبيرة من كل الجوانب تقريباً سوى من جهة باكستان، فالهند لها شكل هرم مقلوب يحيط بجانب هام من ضلعيه الشرقي والغربي المحيط الهندي، ومن الشرق والشمال سلسلة جبال الهملايا وهي الأعلى عالمياً، أمّا اتصالها الحقيقي يجب أن يكون من جهة الغرب، ولذا فإنّ الخطوط البرية الذاهبة إلى أواسط آسيا سواء عبر أفغانستان أو إيران يجب أن تمر بباكستان أولاً، ما يجعلها البوابة البرية الأساسيّة للهند على العالم، وقد شهدنا خلال الأشهر الماضية كيف ارتفعت اسعار تذاكر الطيران إلى الهند بسبب اضطرارها لتجنب الطيران فوق باكستان نتيجة للمواجهة العسكرية بينهما، فضلاً أن خطوط الغاز القادمة من كل من إيران وتركمنستان يجب أن تمر من باكستان.
شريك تجاري هام
لا يمكن إغفال أن باكستان بسكانها الذين يقرب عددهم من مائتي مليون نسمة، ويشتركون مع الهند بجانب هام من ثقافتها تمثّل سوقاً هاماً للبضائع والخدمات الهندية، وهو ما يمكن أن يسهم بإعطاء دفعة هامة للاقتصاد الهندي الطامح، وخصوصاً إذا تمّ تفعيل منظومة الشراكة بين دول منظمة سارك.
ترجيح تحسّن العلاقات بين الهند وباكستان
سيلعب الطرف الأمريكي دوراً هاماً في علاقة الهند بباكستان خلال المرحلة القادمة، فرغم الفتور الذي أصاب العلاقات الأمريكية الباكستانية خلال العقدين الماضيين، فإنّ هذا الفتور والانحياز الأمريكي إلى الهند أدّى إلى الدفع بباكستان إلى أحضان الصين، وهو ما سيجعل انتصار أمريكا في صراعها مع الصين في قارة آسيا، أمراً بالغ الصعوبة. صحيح أنّ أمريكا استمالت الهند إلى طرفها وهي تعدّ المعادل الموضوعي للصين في القارة الآسيوية رغم الفارق الواضح بينهما في القدرات، وتريد توظيفها في مواجهة الصين، إلاّ التحالف الحالي بين الصين وباكستان يشلّ قدرات الهند ويمنع الولايات المتحدة من الاستفادة منها.
بات من المرجح إذن، أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى استمالة باكستان إلى جانبها مجدداً، وتحاول دق إسفين في العلاقة بين باكستان والصين، من خلال استخدام علاقات باكستان مع دول الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية، والضغط على الهند من أجل تحسين العلاقة مع باكستان وهو أمر في صالح الهند أيضاً للأسباب التي سبق ذكرها، ولا غرابة إن شهدنا خلال الفترة القادمة مع تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تحسناً كبيراً في العلاقة بين الهند وباكستان، ومحاولة حل المشاكل المزمنة بين الطرفين وخصوصاً الصراع على منطقة كشمير، وهو ما كان رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، قد ألمح إليه أثناء الحملة الانتخابية الهندية ، عندما ذكر أنّ حزب الشعب الهندي سيكون بقوته، أكثر الأحزاب قدرة على حل المشكلات مع باكستان .
 
ثانياً: الصعيد الآسيوي
الصين
نظرت الهند بكثير من القلق إلى احتلال الصين للتبت عام 1951م، ورأته كمحاولة للسيطرة على منطقة الهملايا التي تنبع منها غالبية أنهار الهند وتعدها منطقة حيويّة من الناحية الاستراتيجية، الأمر الذي تفاقم بحدوث الحرب الحدوديّة في الهملايا بينهما عام 1962م، والتي مرحلة فارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، ورغم أنّ سياسات الهند في ذلك الوقت كانت توصف بالاشتراكية فهي عضو مؤسس لحركة عدم الانحياز، فإنّ ذلك لم يمنع النزاع بين الطرفين، الأمر الذي كان يعارضه الاتحاد السوفياتي حينها، وانحاز إلى طرف الهند على حساب الصين، مزوّداً أياها بالسلاح الروسي لمواجهة الصين، الأمر الذي استمر حتى اليوم رغم تقارب الهند مع الولايات المتحدة الأمريكية.
اتسمت العلاقة بين البلدين بكثير من الشك والتوجس، إذ تنظر الهند إلى النمو والتوسع الصيني بأنّه يأتي على حسابها، وتعدّه محاولة لمزاحمة الهند على نفوذها الإقليمي، والقضم من فرصها الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، رغم الفوائد التي يمكن أن تجنيها من مبادرة الحزام والطريق الصينية ومحاولات الصين الحثيثة لإقناعها بالانضمام إليها ، ما زالت مترددة في هذا المجال وذهبت باتجاه نسج علاقات أكثر دفئاً مع اليابان ومحاولة بناء خطوط برية وبحرية تنافس المبادرة الصينية، متمثلة بالتعاون مع إيران بافتتاح ميناء تشبهار على بحر العرب، والذي يفترض أن تقطع الخطوط البرية المنطلقة منه، كلاً من أفغانستان وإيران باتجاه آسيا الوسطى وروسيا.
إنّ شراكة الهند مع كل من اليابان وروسيا وأفغانستان، كما أشرت سابقاً، تهدف -على الأرجح- إلى تكوين تحالف يحدّ من قدرات الصين على التحول إلى “مهيمن إقليمي” Regional Hegemon، يستبد بالقارة الآسيوية، في طريقها إلى التحوّل إلى قوة تنازع الولايات المتحدة الأمريكية على سيادة العالم، وهو مقام تعدّه إيدولوجيا القوى المسيطرة في هند اليوم، استحقاقاً هنديّاً، لذا فإننا –على الأرجح- سنشهد في ظل الدورة الثانية لناريندرا مودي، محاولات هندية حثيثة للتضييق على الصين في دول منظمة سارك من خلال التأثير على نتائج الانتخابات فيها والإتيان بحكومات أكثر ولاءً للهند، وضخ مزيد من القروض والمساعدات، وزيادة الاستثمارات فيها، فضلاً عن توظيف النفوذ الأمني الذي قد لا يكون بعيداً عن معادلات الصراع مع الصين في المستقبل.
 
اليابان
دون شك سيكون خبر بقاء مودي في السلطة خبراً مفرحاً لليابان ، التي اشترت مؤخراً سرباً من طائرات إف 35 أمريكية الصنع ، والتي تُعدّ الأحدث عالمياً ما يُعد تطويراً لقدرات اليابان العسكرية في مواجهة التنين الصيني بمساعدة أمريكية. إنّ هذا البقاء سيعزّز التحالف الهندي الياباني لمواجهة الصين في القارة الآسيوية والتي سبق وأن أشرنا إلى أنّها تحاول بناء شبكة طرق بديلة عن مبادرة الحزام والطريق الصينية ومواجهة التحالف الصيني الباكستاني بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، ووجود شخصية قوية مثل مودي بتفويض شعبي غير مسبوق –تقريباً- سيصب بكل تأكيد في المضي قُدماً في هذا الاتجاه.
 
روسيا
تعتبر روسيا شريكاً استراتيجياً للهند منذ أيام الاتحاد السوفياتي ، الذي وقف إلى جانب الهند في حربها عام 1962م ضد شقيقته الشيوعية، الصين، ومنحها وقتها المعدات العسكرية والأموال التي تواجه بها الصين، وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى الشقاق بين الصين والاتحاد السوفياتي والذي تجلى في أوضح صوره في الحرب الحدودية بين الطرفين على جزيرة دامناتسكي عام 1969م. رغم التطور المطرد في علاقة الهند بالولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ أنّها لا ترى أيّ تعارض بينها وبين علاقتها في روسيا، والتي تعتبر المزوّد الرئيس للقوات المسلحة الهندية بالتسليح المتطور.
بات من الواضح كما أسلفنا، أنّ الهند تعتبر الصين التحدي الاستراتيجي الأول لها، وهي تعمل على مواجهتها في قارة آسيا بكل الوسائل المتاحة، ولذا فإنّ بقاء رئيس الوزراء ناريندرا مودي لدورة أخرى، سيعزّز هذا التوجّه وربما تحاول الهند بمساعدة كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، أنّ ترتقي بعلاقاتها بروسيا على أمل إضعاف شراكتها مع الصين، في محاولة لعزل الصين والتقليل من أثرها.
 
دول منظمة شنغهاي للتعاون
تضم منظمة دول شنغهاي إلى جانب روسيا والصين كل من طاجيكستان وكازخستان وقرغيزستان، وأوزبكستان، كل من الهند وباكستان واللتان انضمتا مؤخراً إلى المنظمة عام 2017م. ينظر عادة إلى هذه المنظمة بأنّها المعادل الآسيوي الموضوعي لحلف الناتو ، إذ أنّها أسست لمحاربة الشرور الثلاثة، وهي الإرهاب، والإنفصال، والتطرف الديني، ثم بدأت تأخذ مناحٍ أكثر تنوّعاً تتضمن الاقتصاد والتنمية. مثّل انضمام كل من الهند وباكستان إلى المنظمة حدثاً هاماً، حيث أنّ للمنظمة العديد من الدول المراقبة وأخرى في حالة حوار، إلاّ أنّ أيّ منها لم ينضم منذ بداية الألفية الحالية سوى هاتان الدولتان، بعد حوالي عشر سنوات على انضمام آخر دولة وهي أوزبكستان.
عندما عملت الصين على ضمّ باكستان، حليفها الأقرب في آسيا، إلى المنظمة، رأت روسيّا أنّ ذلك سيسبب خللاً في ميزان القوى داخل المنظمة لمصلحة الصين، ولذا حصرت على اشتراط انضمام شريكها التاريخي، الهند ، بذريعة أنّه بدون ذلك سيبدو أنّ المنظمة تستهدف الهند، وأنّ انضمام الهند سيزيد المنظمة قوة وتأثيراً. من خلال وجود الهند في هذه المنظمة، يمكن أن تسعى في المرحلة المقبلة إلى إحداث تحول كبير في عمل المنظمة باتجاه التنمية والاقتصاد بدل الأمن، أو خلق قدر من كبير من الاستقطاب داخل المنظمة يقلّل من فاعليتها ويحولها إلى حالة بروتوكولتية، لا تؤثر بشكل ملموس على التوازنات الإقليمية والدولية.
 
دول منظمة آسيان
رغم العلاقات المميزة التي تحظى بها الصين اليوم مع دول آسيان، والتي تعتمد على التخادم الاقتصادي حتى بلغت نسب نمو اقتصادات هذه الدول، بفضل شراكتها مع الصين، مستويات غير مسبوقة، فإنّ منظمة آسيان تضم دولاً عديدة كان لها مواجهات مسلحة مع الصين، مثل إندونيسيا وفيتنام وأخرى تضرّرت بشكل كبير من دعم الصين فيما مضى، للشيوعيين مثل ماليزيا والفلبين، وهي كلها دون استثناء تخشى هيمنة الصين على الإقليم وخصوصاً على بحر الصين الجنوبي والذي يمثل شريان التجارة الأهم في المنطقة، وذلك فهي تلوذ عادة بالولايات المتحدة لإحداث مظلّة أمنية تضمن من وجهة نظرها عدم تغوّل الصين على المنطقة.
تُعدّ منطقة آسيان مساحة مثاليّة لتوسع النفوذ الهندي خلال المرحلة المقبلة، من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية بدول المنظمة، وسيكون ذلك أمراً ميسوراً لغياب العداوات التاريخية بين الطرفين، ولرغبة هذه الدول بضمان استمرار نموها الاقتصادي المرتفع بشركاتها مع دولة ذات اقتصاد ضخم كالهند، بالإضافة إلى رغبتها بوجود قوى كبرى في المنطقة تضمن إحداث توازن استراتيجي في وجه الصين .
 
ثالثاً: صعيد غرب آسيا
إيران
تنظر الهند إلى إيران كجار ومصدر مهم للطاقة ولا تود الدخول في صراعات معه لأسباب استراتيجية وتاريخية، وتتمنى على الولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ نظرتها هذه بعين الاعتبار نظراً للشراكة بينهما، وإن كانت قد أوقفت استيرادها للنفط من ايران بعد أن كان ثالث أكبر مصدر لها، نتيجة للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها بداية شهر مايو 2019م، ويمكن قراءة هذا القرار كتحول باتجاه المعسكر المضاد لإيران ، رغم محاولات تركيا اقناع الهند بتشكيل ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لإقناعها بالاستمرار بنظام الاستثناء من العقوبات والذي كان البلدان يتمتعان به، إلاّ أن الهند فضلّت أن تتجه إلى دول الخليج لتعويض النقص، مع ذلك فإنّه من المستبعد أن تصطف الهند في عهد مودي، بالكامل إلى جانب المعسكر الأمريكي في هذه المواجهة، رغم التقارب السياسي بين الطرفين، لاعتبارات جيوسياسية وتاريخية سيكون القفز عنها مكلفاً للغاية، خصوصاً دفع إيران إلى التقارب مع كل من باكستان والصين.
 
تركيا
تتصف علاقة الهند بتركيا على العموم بأنّها باردة ، وذلك نتيجة للتقارب التركي مع باكستان وتأييدها لها في الموضوع الكشميري، كما تلعب القوى السياسيّة الهندية الرئيسة في الهند دوراً هاماً بتشكيل صورة سلبية عن تركيا، إذ أنّ اليسار عموماً ينظر إلى تركيا كدولة في حلف الناتو والذي يعبر عن إرادة المستعمرين السابقين وزعيمة العالم الرأسمالي، أمريكا، وكثيراً ما يبدون مواقف ناقدة حادة لمعالجة تركيا للتمرد الكردي في جنوب البلاد، أمّا اليمين فإنّه ينظر اليوم إلى حكومة طيب أردوغان على أنّها إسلاميّة الجذور وهي خصم طبيعي للأيدولوجيا الهندوسية اليمينية التي تنظر إلى الإسلام كخصم مركزي في طريقها إلى هند تتبنى الثقافة الهندوسية، ومع توتر علاقة تركيا بالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، فمن المتوقع أن يترك ذلك أثاراً سلبية على علاقتها بحكومة مودي، وقد رأينا مصداق ذلك عند زيارة مستشار الرئيس التركي إبراهيم قالن للهند ومحاولته اقناع الحكومة الهندية باتخاذ موقف معارض لفرض عقوبات أمريكية على إيران، والتي فضّلت الانضمام إلى المحور الخليجي الإسرائيلي الأمريكي، وإيقاف استيراد النفط من إيران تماشياً مع المتطلبات الأمريكية.
 
الخليج
من الواضح أنّ الشراكة في مجال الطاقة بين الدول الخليج بالذات السعودية والإمارات من جهة والهند من جهة أخرى، ستعزّز مع فوز مودي بالسلطة ، خصوصاً مع فرض العقوبات الأمريكية على إيران واتجاه الهند لتأمين بديل عن النفط الإيراني الذي كانت تحصل عليه بشروط ميسرة، وقد شهدنا في فترة حكم مودي الأولى زيارتين له إلى المنطقة وزيارة محمد بن سلمان إلى الهند فضلاً عن زيارة لمسؤولين رفيعي المستوى من الطرفين، ولقد رأينا أن التقارب الهندي الإسرائيلي لم يؤثر على العلاقات بين الطرفين مما يجعل الهند تتقدم باطمئنان في علاقاتها مع دول الخليج التي يعمل فيها ملايين الهنود وتعد قبلة هامة للمستثمرين.
 
إسرائيل
بلغت العلاقات الهندية الإسرائيلية في عهد ناريندرا مودي مستويات غير مسبوقة في كل المجالات وخصوصاً الأمنيّة والعسكرية، في تحوّل كبير في السياسة الهنديّة التقليديّة التي كانت تتبنى مبادئ حركة عدم الانحياز، فانتقلت عملياً إلى سياسات واقعية انعكست على سبيل المثال في برود تعاطيها مع القضية الفلسطينية، وتحويلها إلى قضية إنسانية محدودة التأثير في السياسة الخارجية الهندية، وسط غياب أي قوة مكافئة للقوة الإسرائيلية في هذا المجال من الدول العربية التي تربطها علاقة طيبة مع الهند. من المتوقع، والحال هذه، أن تنمو العلاقات بين الطرفين في ظل حكومة مودي بوتيرة أسرع دون معوقات تذكر، وأن تبلغ مستويات غير مسبوقة قد تقود الموقف الرسمي الهندي من حالة التأييد البارد للفلسطينيين أو الحياد، إلى تبني المواقف الإسرائيلية ، كما فعلت قبل أيام حين صوّتت ضد انضمام جمعية “شاهد” الحقوقيّة الفلسطينية كعضو مراقب إلى المجلس الاقتصادي الاجتماعي (ECOSOC) التابع للأمم المتحدة، أو تجاهل السلبي منها.
 
الولايات المتحدة الأمريكية
تعتبر الولايات المتحدة الهند الشريك الطبيعي لها لمواجهة الصين ، وتعمل على تقوية التحالف الهندي الياباني الاسترالي لهذا الغرض. شهدت العلاقات الهندية الأمريكية قفزات نوعية على مدى العقود الثلاثة الماضية كان من أبرزها حصول الهند على ميزة الاستفادة من تكنولوجيا الفضاء والدفاع وفق تفويض التجارة الاستراتيجي، والذي يخوّل الهند ميزة شريك دفاع رئيس، كما تُعدّ الهند أكبر المستفيدين عالمياً من برنامج “نظام الأفضلية العام” (Generalized System of Preferences)، والذي يمنح بضائعها ميزة دخول السوق الأمريكية دون جمارك. ورغم التحديات التي تتصل بتعارض المصالح بين الطرفين ، فإنّ الولايات المتحدة ستحاول على الأرجح إزالة العوائق التي تقف أمام هذه الشراكة بكل الطرق الممكنة بما في ذلك مصالح الهند مع إيران وخصوصاً ميناء شاهبهر الايراني الاستراتيجي وشراكتها مع روسيا في مجال التسليح وخصوصاً صفقة إس-400، والتي كانت إحدى أهم أسباب توتير العلاقة بين أمريكا وتركيا. إنّ نظرة الولايات المتحدة للشراكة مع الهند هي نظرة استراتيجية بعيدة الأمد ، تضع اعتبار مواجهة الصعود الصيني فوق كل اعتبار ، وخير من يستطيع القيام بهذا الدور رئيس وزراء قوي ذو تفويض شعبي واسع، يحكم على أرضية ثابتة وكل هذه الصفات باتت تنطبق على ناريندرا مودي، ولذا فبقاءه في السلطة هو خبر سعيد للولايات المتحدة الأمريكية، وسنرى مفاعيل ذلك وتأثيراته على العلاقة بين الجانبين في القريب العاجل.
 
أخيراً، بات من الجليّ أنّ فوز رئيس الوزراء الهندي مودي بالسلطة للمرة الثانية على التوالي، سيعزّز من توجهاته التي اتخذها في الفترة الأولى، باتجاه شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة الصعود الصيني، والتي تمثّل انعكاساً لرغبته والإيدولوجيا التي يتبنها بجعل الهند القوة المهيمنة في جنوب آسيا، والارتقاء بها إلى مصاف الدول العظمى، وسيكرس سياسته الخارجية في الفترة المقبلة لتحقيق هذا الهدف.

للمزيد

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

الهند ترفض تقريرا أمريكيا ينتقد سجلها في الحريات الدينية

تم النشر قبل

في

بواسطة

التقرير أشار إلى استمرار الهجمات من جانب الجماعات الهندوسية المتطرفة ضد الأقليات لاسيما المسلمين طوال عام 2018، واتهم الحكومة بالعجز عن معالجة المشكلة

مصطفى كامل/الأناضول

رفضت الهند تقريرا لوزارة الخارجية الأمريكية تضمن انتقادات بشأن سجلها في مجال الحريات الدينية واتهم الحكومة بعدم اتخاذ إجراء لوقف هجمات مستمرة ضد الأقليات، لاسيما المسلمين، خلال العام الماضي.

وقال رافيش كومار، المتحدث باسم الخارجية الهندية في بيان: يكفل الدستور الهندي الحرية الدينية لكل المواطنين بمن فيهم الأقليات”، حسبما نقلت صحيفة “إنديا تايمز”، الإثنين.

وأضاف: “لا نرى مبررا لحكومة أجنبية أن تتحدث عن وضع المواطنين الهنود المحميين بالدستور”

وتابع: “تفخر الهند بوضعها العلماني كأكبر ديمقراطية ومجتمع تعددي يلتزم بالتسامح والاحتواء منذ زمن بعيد”.

وكان تقرير صادر عن الخارجية الأمريكية ، الجمعة، حول الحريات الدينية، قد أشار إلى “استمرار الهجمات من جانب الجماعات الهندوسية المتطرفة ضد الأقليات لاسيما المسلمين طوال عام 2018، لمجرد شائعات عن أن الضحايا تاجروا في لحوم الأبقار أو ذبحوها”.

وقال التقرير إن “إدارة (رئيس الوزراء الهندي نارندرا) مودي لم تعالج تلك المشكلة”.

ويمثل الهندوس، الذين يقدسون الأبقار ويمنعون بيعها وأكل لحومها، نحو 80 % من سكان الهند البالغ عددهم أكثر من مليار و300 ألف نسمة، وفق تقديرات 2015.

وتعد جماعة “حراس البقر” إحدى المجموعات الأهلية الهندوسية، التي تستخدم العنف لـ “حماية الأبقار” في الهند، حيث يُحظر ذبح أو بيع الماشية في معظم الولايات.‎

للمزيد

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

الانتخابات الهندية للعام 2019: مواقف ومسارات

تم النشر قبل

في

بواسطة

د. محمد مكرم بلعاوي ..

انطلقت يوم 11 أبريل المنقضي، الانتخابات الهندية العامة بنسختها السابعة عشرة، وسيشارك فيها حوالي 900 مليون مواطن هندي، سينتخبون 543 نائباً في مجلس النواب على سبعة مراحل، يمثلون 29 ولاية، في دورة ستستمر لمدة خمس سنوات، وسيتم الإعلان عن الفائز رسمياً يوم 23 مايو، في دولة تعتمد النظام البرلماني حيث تكون القوة الحقيقية في يد رئيس الوزراء.

أهمية الانتخابات الهندية العامة

ترتبط الهند تاريخياً بالعديد من دول العالم، ولطالما لعبت دوراً مؤثراً في السياسة الدولية على مدى حضارتها التي تمتد لقرون وآلفيات عديدة، وهي تُعدّ ثاني دول العالم بعدد السكان، وهي في طريقها للحلول مكان الصين قريباً في هذا المجال، كما أنّ اقتصادها، رغم أنّه لم يبلغ أقصى قوته، يعدّ من الاقتصاديات العشر الأولى على مستوى العالم، ولذا فإنّ تأثير سياسات النخبة الحاكمة في الهند لطالما مسّت باقي دول العالم سواءً في العهود الإسلامية أو فترة الاستعمار وكذلك فترة الاستقلال، لأجل كل ذلك، تعتبر الانتخابات العامة الهندية التي تفرز رئيس وزراء الدولة التي تنهج نهج الحكم البرلماني، واحدة من أهم الانتخابات على مستوى العالم، وهي الدولة الديمقراطية الأولى بالمقارنة إلى عدد الناخبين.

لماذا الانتخابات الهندية مختلفة هذه المرة عن سابقاتها

تتميز الانتخابات الهندية هذه المرة بأهمية خاصة على المستوى الداخلي الخارجي، أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ كثيراً من السياسيين والمراقبين يعدّون هذه الدورة الانتخابية أهم دورة في السنوات السبعين التي انقضت منذ استقلال الهند، إذ إنّهم يتوجسون خوفاً من إعادة انتخاب الحزب الحاكم، والذي يزعمون أنّه أحدث كثيراً من السياسات والقوانين التي تمسّ بعلمانية الدولة ومبدأ التعايش بين مكوّنات المجتمع والذي قامت عليه الدولة الهندية الحديثة، وأنّه في حال استكماله لمشروع القومي المتطرف فإنّه سيعمد إلى تكريس دولة الأغلبية الهندوسية، وهضم حقوق الأقليات من خلال تغيير الدستور، ما سيعني عملياً، ليس نهاية الحالة المجتمعية السائدة فحسب، ولكن نهاية الهند كما نعرفها اليوم[1]، أمّا في حالة فوز المعارضة فإنّ الهند ستحافظ على طبيعتها الديمقراطية الجامعة وهو ما سيعد مكسباً للديمقراطية في العالم.

كما أنّ هذه الانتخابات ستكون محورية في صناعة مستقبل الهند، والتي ستصبح قريباً أكثر دول العالم سكانًا، ما يعني مزيداً من الطلب على الغذاء وفرص العمل، فضلاً عن ضرورة استخراج مئات الملايين الهنود من تحت خط الفقر، كل ذلك ستحدده نتائج الانتخابات المقبلة.

أمّا على الصعيد الخارجي، فإنّ الهند تحاول اللحاق من الناحية الاقتصادية بغريمتها الآسيوية الصين، والتي باتت تمثلاً تهديداً كبيراً من وجهة النظر الهندية، وهذا أمر يحتاج إلى حكومة قوية تنهض بالبلاد وتقوم تغيير كبير في السياسة المحلية والدولية، وتقوم باستثمارات ضخمة على أكثر من صعيد.

تأثير الانتخابات الهندية على العالم العربي

للانتخابات الهندية تأثير كبير على العلاقة مع الدول العربية، خصوصاً دول الخليج، بالذات في مجال الاقتصاد، فهناك استثمارات متبادلة بعشرات المليارات، إذ يصل حجم التبادل التجاري إلى قرابة مائتي مليار دولار سنوياً، كما أنّ العمالة الهندية في هذه الدول تعدّ عصب الاقتصاد المحلي، فضلاً عن السياحة المتبادلة ومجالات الاستثمار الأخرى، كل ذلك سيتأثر سلباً أو إيجاباً بالضرورة، بسياسات الحكومة التي ستفرزها الانتخابات في الهند.

المشهد الانتخابي للعام 2019م

تجري انتخابات عام 2019م على وقع خسارات متتالية للحزب الحاكم في انتخابات الولايات التي جرت نهاية العام 2018م، وتقدم خصومه من الأحزاب المحلية وغريمه التاريخي حزب المؤتمر الوطني بزعامة راهول غاندي، والذي تشير استطلاعات الرأي أنّه قد فشل بكسب ثقة الناخبين كزعيم يمكن أن يحل محل رئيس الوزراء القوي ناريندرا مودي، ولكن مع ذلك فإنّ هذه الاستطلاعات تبيّن أنّ ناخبين يريدون معاقبة الحزب الحاكم لأسباب تتصل بسوء أدائه في الدورة السابقة، ولذا من المرجح أن تتوزع الأصوات التي سيخسرها الحزب الحاكم على الأحزاب المحلية وينال حزب المؤتمر جانباً هاماً منها أيضاً، بَيْد أنّ هناك أزمة حقيقة عند المعارضة التي لا تستطيع أن تتفق على ترشيح أحد قياديها كمنافس لمودي على منصب رئيس الوزراء.

لماذا فقد الحزب الحاكم الزخم الانتخابي

أظهرت نتائج الانتخابات الولائية التي جرت في بعض الولايات في نهاية العام 2018م تراجعاً حاداً في أداء الحزب الحاكم الانتخابي لصالح المعارضة، وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي المحايدة والتي أظهرت هي أيضاً أن أداءه في الانتخابات العامة سيواجه صعوبات حقيقية، وفيما يلي أهم أسباب هذا التراجع:

قرارات اقتصادية غير موفقة

كان السبب الرئيسي لفقدان مودي لشعبيته قراران اقتصاديان مثيران للجدل:

أولاً: سحب الأوراق النقدية ذات القيمة العالية من التداول بشكل مفاجئ في نوفمبر/تشرين ثان 2016، وثانياً: تطبيق ضريبة السلع والخدمات في يوليو/تموز 2017.

لقد أضرت هذه القرارات بالأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة وعقدّت وضع الاقتصاد الهندي، وقد تلقّى هذان القراران انتقادات حادة من قبل الاقتصاديين البارزين، والأهم من ذلك أنّهما لم يلقيا الرضى من أغلبية المواطنين العاديين.

البطالة

من المتوقع كذلك أن تتسبّب البطالة المتزايدة والضغط المتصاعد على قطاع الزراعة، بحدوث بعض الصدمات الانتخابية لمودي في عام 2019، إذ ارتفع معدل البطالة مرتفع باضطراد، ووصل إلى أعلى مستوى له في 45 عامًا، بالغاً ما نسبته 6.1 % في يونيو 2018، وفقًا لتقرير حكومي تم تسريبه إلى مجلة بزنيس ستاندرد، ويشير التقرير إلى أنّ واحدًا من بين كل خمسة هنود تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عامًا عاطلون عن العمل.

الزراعة

تواجه الزراعة ظروفًا متزايدة الصعوبة، مع ارتفاع التكاليف وانخفاض أسعار المحاصيل، علماً بأنّ هناك ما يقدر بنحو 263 مليون مواطناً يعملون في هذا القطاع، في الهند، مما يجعلها دائرة سياسية ضخمة.

موقف الجيش في الانتخابات الهندية

مثّل الهجوم الدموي على القوات الهندية في كشمير، في شهر فبراير 2019م والتي راح ضحيته أكثر من 40 جندي هندي، علامة فارقة في علاقة الجيش مع رئيس الوزراء والحزب الحاكم، إذ بدا واضحاً للمراقبين أنّ هذه الحادثة قد وقعت في وقت مواتٍ جداً بالنسبة للحزب الحاكم، وأنّه بطبيعته اليمنية وتاريخه المعروف بالعداء لباكستان، سيوظفها كرافعة في الانتخابات والتي بات على الأبواب، خصوصاً بعد تراجع أدائه في الانتخابات الولائية التي جرت قبل أشهر قليلة من الهجوم.

ترافق مع ردود الفعل العسكرية التي قامت بها الهند حملات إعلامية ضخمة، اضطرت المعارضة إلى تأييد الحكومة في إجراءاتها ولم يُسمع سوى صوت نقد خافت من بعض النشطاء للقصور في تأمين القوات ومساءلة المسؤولين عن ذلك، وقد رفعت، بكل تأكيد، التأييد الشعبي لرئيس الوزراء وحزبه، الذي ادعى أنّه أوقع خسارات فادحة في معسكرات الإرهابيين على الجانب الباكستاني وأدّب حكومته، فيما كشفت وسائل الإعلام العالمية أنّه هذه الدعاوى لا رصيد لها من الواقع، في وقت حرصت فيه باكستان على تبريد الوضع بسرعة من خلال تسليم الطيّار الهندي الأسير الذي وقع في قبضتها عقب اسقاط طائرته، فبدأ النقد يتصاعد تدريجياً لأداء الحكومة، واستغلال الجيش من أجل تجييش العواطف الشعبية لصالحها، وهو ما أثار على ما يبدو، حتى بعض قيادات الجيش التي طالما التزمت الحيادية في موضوع السياسة الداخلية، أبرز تجليات ذلك كانت الرسالة التي نشرتها وسائل الإعلام الهندية الموقعة من قبل مجموعة من كبار الضباط المتقاعدين، ثمانية منهم رؤساء أركان سابقين وأكثر من 100 من المحاربين القدامى، والتي وجهوها إلى رئيس الدولة رام ناث كوفيند، يطالبون فيها بعدم توظيف الأحزاب السياسية للجيش سياساً، وجاء فيها المطالبة أيضاً بالمحافظة على علمانية الجيش وحياديته، وجاء في الرسالة “نناشدكم التأكد من الحفاظ على الطابع العلماني والسياسي للقوات المسلحة، وأشارت إلى ممارسات غير مقبولة قام بها القادة السياسيون بكشف الإجراءات العسكرية، ووصف القوات المسلحة بأنها “جيش مودي”.

ورغم نفي مكتب الرئيس بتلقي رسالة من هذا النوع وتنصل بعض الموقعين منها، فإنّها تطور مثير للاهتمام، لأنّها ظهرت في اليوم الأول من التصويت في انتخابات ينظر إليها إلى حد كبير على أنها استفتاء على رئيس الوزراء ناريندرا مودي[2].

مواقف القوى الدولية وتأثير ذلك المحتمل على الانتخابات

الموقف الأمريكي

هناك سببان هامان يجعلان الولايات المتحدة الأمريكية تفضّل بقاء مودي في الحكم، أهمها أنّها تعوّل كثيراً على الهند في مواجهة الصعود الصيني، ولذا فإنّها معنية بأنّ من يحكم الهند حكومة قوية تستطيع إدارة الدولة بكفاءة، وذات توجه يميني يمكنها أن تحشد الشعب خلفها تحت دعاوى وطنية، وهذا أمر لا يتوافر مع أية حكومة غير حكومة مودي، سواء شكلها حزب المؤتمر الذي يتعتبر تاريخياً حزب معارض للاستعمار رغم خلافه مع الصين، أو حكومة ائتلافية ستكون ضعيفة وغير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في موضوع بهذا الحجم.

السبب الثاني، وهو التوافق الكبير بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ذو الخلفية اليمينية ورئيس الوزراء ناريندرا مودي، ولن يجد ترامب من يتكامل معه في السياسات والتوجهات مثل مودي وخصوصاً أنّ لديه علاقة قوية جداً مع بنيامين نتنياهو، وهو أمر هام للغاية في هذا السياق.

الموقف الصيني

خلافاً للولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو أن الصين لا تفضل بقاء اليمين في السلطة، بسبب سياسته المتصلّبة بخصوص التكامل مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية واليابان لإجهاض الصعود الصيني في قارة آسيا، ولذا فإنّه على الأرجح سيفضل حكومة أكثر براغماتية يمكنها أن تضمن الاستقرار في المنطقة وعدم استنزافها بمواجهات سواء مع الصين أو حليفها المقرب باكستان، وهو ما ينسجم مع سياسة الصين التي تقوم على ترسيخ الاستقرار كأرضية حتمية للنمو الاقتصادي.

الموقف الباكستاني

من الواضح أنّ باكستان ليست معنية اليوم بمواجهات مع الهند تستنزف وضعها الاقتصادي المتردي، وخصوصاً وأن رئيس الوزراء الجديد جعل مهمته المعلنة اصلاح الاقتصاد والارتقاء بالمستوى المعيشي للناس، وهو يشترك مع الصين في هذا التوجه، وقد انعكس ذلك في المواجهة القصيرة الأخيرة مع الهند والتي عمل على إنهائها بأقصر وقت ممكن مع توظيف الجوانب الدعائية لمصلحته، وكان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قد عبّر لبعض الصحفيين قبل أيام عن اعتقاده أنّ حكومة هندية يمينيّة قوية وحدها قادرة على تسوية المشكلات بين البلدين، وخصوصاً في كشمير، وهو ما يؤكده استقراء العلاقة بين البلدين في ظل حكم اليمين الهندي، أمّا إذا جاءت حكومة ائتلافية فإنّها ستكون أضعف من أن تقوم بهذا الدور، لذا فرغم عدم التوافق الأيدولوجي والسياسي بين الطرفين، فإنّ الباكستانيين اليوم قد يكونون راغبين بدعم حكومة يرأسها مودي أكثر من غيره.

الموقف الخليجي

بات من المعروف أن الموقف الخليجي قريب جداً من الموقف الأمريكي الإسرائيلي، والذي يرى في اليمين الهندي مكملاً له، ولذا فإنّ دول الخليج وخصوصاً الإمارات ستنسجم مع حكومة مودي أكثر من أية حكومة أخرى يمكن أن تأتي إلى السلطة، كما أنّ العديد من المشاريع البينية والسياسات الاقتصادية والأمنية تم توقيعها في زمنه، ويمكن أن يؤدي تغييره إلى قدر من الضرر أو عدم الاستقرار لهذه الملفات، ولذا فإنّ دول الخليج ستكون راغبة باستمرار مودي في الحكم، وخصوصاً أن البديل سيكون حكومة إتلافية-على الأرجح- وستكون أضعف من أن تتخذ سياسات جريئة في العلاقات الخارجية.

الموقف الإسرائيلي

تعد إسرائيل وبنيامين نتنياهو من أشد المؤيدين لناريندرا مودي وحكومته، وستعمل بكل ما أوتيت من علاقات ومقدرات على بقائها في الحكم وخصوصاً بعد نجاح نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخرى، وهو يعوّل على تحوّل أكبر في موقف الهند تجاه القضية الفلسطينية، ومزيد من التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري.

غرد ناريندرا مودي عشية فوز بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية قائلاً: “صديقي العزيز بيبي، مبروك! أنت صديق عظيم للهند، وأتطلع إلى مواصلة العمل معكم من أجل الارتقاء بشراكتنا الثنائية إلى آفاق جديدة”. في إشارة واضحة أنّه يتوقع الاستمرار في الحكم.

السيناريوهات المحتملة

هناك العديد من السيناريوهات النظرية التي يمكن أن تطرح في سياق التنبؤ بمآلات الانتخابات العامة الهندية، منها على سبيل المثال فوز الحزب الحاكم بأغلبية مقاعد مجلس النواب، وهو بالنظر إلى الأداء السلبي للحزب الحاكم خلال الدورة السابقة، وانحدار نتائجه في الانتخابات الولائية التي أجريت في نهاية عام 2018م، وتراجع أدائه في استطلاعات الرأي، فإنّه من غير المرجح أن يحصل عدد المقاعد التي تؤهله أن يُشكّل الحكومة منفرداً، ولذا فإن هذا السيناريو غير مرجح على الإطلاق، أمّا الثاني، فهو فوز أحد أحزاب المعارضة بأكبر كتلة من المقاعد النيابية، ويبدو هذا السيناريو من خلال الاستناد على استطلاعات الرأي غير مرجح، وإن كان أداء أحزاب المعارضة سيتحسن بشكل كبير وسيؤدي ذلك إلى تآكل حصة الحزب الحاكم، ولذا فإنّنا لن نرى على الأرجح حزباً واحداً سيتفوق انتخابياً على الحزب الحاكم، حتى حزب المؤتمر الوطني الهندي الذي حكم الهند لعقود.

السيناريو الثالث هو تحالف بين الحزب الحاكم وأحزاب من المعارضة، يمكن أن يكون هذا السيناريو وارداً ولكنّه غير مرجح أيضاً، إذ أنّ أحد أهم أسباب نجاج أحزاب المعارضة هو معارضتها لسياسات الحزب الحاكم الممقوتة شعبياً، ولذا فإنّ التحالف معه سيضعه في موقف أقوى ويمكن أن يقدم بعض المكاسب لهذه الأحزاب، إلاّ أنّ سيطيح بشعبيتها ويمكن أن يؤدي إلى انشقاقات كبيرة فيها، وهو ما يُعد محاولة للانتحار، لذا فمن غير المرجح أن تنضم أحزاب معارضة كبيرة إلى الحزب الحاكم حتى لو كانت المغريات كبيرة.

السيناريو المرجح

لكن بالنظر إلى مجريات السياسة الداخلية الهندية فإننا يمكن أن نحصرها بسيناريوهات محدودة، فيبدو أن السيناريوهين الأقوى هما إمّا أن يحكم الحزب الحاكم بتحالف مع بعض الأحزاب الولائية، وهو الأرجح على ما يبدو بسبب أنّه ما زال يتمتع برصيد شعبي كبير وخصوصاً داخل قطاعات واسعة من الأغلبية الهندوسيّة، ولكن سيكون أمام تشكيل تحالف من هذا النوع صعوبات كبيرة، لأنّ غالبية الأحزاب التي انضمت إلى تحالف الحكومة سابقاً، لم تنضم لأسباب فكريّة، بل لأنّ أداء الحزب الحاكم كان كاسحاً وأرادت هذه الأحزاب أن تحقق بعض المصالح من الانضمام إليه، ولكن عندما يضعف أداؤه فإنّ مصلحة تشكيل تحالف من هذا النوع ستكون أضعف، ولذا فإنّ الأحزاب التي ستنضم إلى هذا التحالف ستطالب بمصالح أكبر وحصص أكبر في الحكومة، وهو ما سيضعف أداء الحزب الحاكم بكل تأكيد ويقوده إلى مزيد من تآكل شعبيته ومصداقيته، الأمر الذي يمكن أن يودي بفرصه بالعودة إلى الحكم في المستقبل.

السيناريو القوي الثاني وهو الأقل ترجيحاً بينهما، وهو أن يحكم تحالف المعارضة ما يعني أنّ الهدف من الانتخابات سيتلخص بمعاقبة الحزب الحاكم على إخفاقاته أثناء فترة حكمه، وليس وضع ثقة الناخبين في زعامة يمكن أن تقود البلاد نحو وضع أفضل، بالطبع يمكن للمعارضة أن تفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب، ولكن ليس من المضمون أن تشكّل تحالفاً حاكماً، وخصوصاً أنّ شعبية راهول غاندي رئيس حزب المؤتمر، وهو أكبر أحزاب المعارضة وأعرقها، في استطلاعات الرأي متدنيّة للغاية، وهذا يفسر سبب عدم تسمية المعارضة لمرشح لرئاسة الوزراء مقابل ناريندرا مودي، وكما أنّ أداء هذه الأحزاب أثناء فترة الإعداد للانتخابات وخلافاتها الكبيرة على تقاسم الدوائر، ينبؤ بخلافات أكبر على السلطة في حالة الفوز، وهي إن استطاعت أن تشكل الحكومة، فإنّها ستكون حكومة ضعيفة تتحكم بها مجموعة كبيرة من الأحزاب التي لها مصالحها المتعددة والمتعارضة أحياناً أمام حزب معارض قوي لها أيدولوجية صلبة وكوادر مخلصين ذوو تأهيل سياسي وتنظيمي عال، الأمر الذي لن يمكنها من تقديم إنجازات حقيقية وقد لا تستطيع إكمال دورتها كاملة واللجوء إلى انتخابات مبكرة، وخصوصاً إذا كان وصول المعارضة إلى الحكم قد تمّ بإرادة وترتيب حزب بهراتيا جانتا، على أمل أن تكون فترة حكم تحالف المعارضة بالغة السوء، فيضطر الناخبون إلى العودة إلى تأييده في الدورة الانتخابية القادمة.

في أي من هذين الاحتمالين فإنّ البلاد مقدمة، على الأرجح، على فترة من الاضطراب السياسي بسبب اضطرار كلا الفريقين، إن وصل إلى الحكم، إلى اللجوء إلى التحالف مع الأحزاب الصغيرة، والتي ستضعف الحكومة بطلباتها وتنازعها، ولن تمكنها من اتخاذ خطوات جريئة في أي من الملفات الهامة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومحاولة المعارضة التي ستكون قوية، تعطيل الطرف الحاكم واثبات أنّه لا يستحق موقعه في الحكومة.

توصيات

يمكن تقديم بعض التوصيات المتصلة بالانتخابات بنتائجها المتوقعة إلى القوى العربية والإسلامية التي لها علاقة بالهند، أهمها ما يأتي:

أولاً: عدم الإعلان عن انحياز لأي من الفرقاء السياسيين، لأنّ ذلك لن يسهم سوى في إضعاف الطرف المرغوب وبنفس الوقت استعداء لخصومه، وخصوصاً في حالة فوزهم.

ثانياً: التأنّي باتخاذات أية مبادرات اقتصادية أو سياسيّة تجاه الهند ودراستها مطولاً، لأنّ هامش المخاطرة في المرحلة القادمة، على الأرجح، سيكون أكبر.

ثالثاً: عدم توقع أي تغير جوهري بالسياسة الخارجية الهندية، بغض النظر عمّن سيحكم في الفترة المقبلة.

الخلاصة

ستقود الانتخابات الهندية الحالية، إلى حكومة تمارس أعمالها في وضع قلق بسبب اضطرارها إلى نسج تحالفات مع الأحزاب الصغيرة، الأمر الذي من المرجح أن يترك أثراً سلبياً على الاستقرار السياسي والاقتصادي في المرحلة القادمة، وتصعف قدرتها على عمل اخترقات ذات بال في مجال علاقاتها الدولية، بغض النظر عمّن يحكم البلاد

للمزيد

Trending