تواصل معنا

تم النشر قبل

في

د. محمد مكرم بلعاوي ..

يمكن القول إن ماليزيا قد ولدت من جديد مع إعلان الانتخابات العامة بنسختها الرابعة عشرة، والتي فازت بها المعارضة، وخسر الحزب الحاكم (المنظمة الوطنية المالاوية المتحدة-أمنو) فيها مقاليد حكم البلاد للمرة الأولى منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني عام 1957م، غير أنّها ولادة تمثل بداية متوقعة المآلات، فمن أحدثها لم يكن سوى أبناء الحزب الحاكم السابقين، والذين طالما رفعوا رايته وحكموا باسمه، محاضير (مهاتير) بن محمد (92 عاماً) وأنور إبراهيم (69 عاماً).

لمحة تاريخية

عام 1957م تحوّل نظام الحكم في ماليزيا إلى حكم فدرالي باسم فيدرالية الملايو (Federation of Malaya )، وحكم البلاد تونكو عبد الرحمن رئيس حزب الجبهة القومية الملايوية كأول رئيس وزراء، وأحد أعضاء العائلة الملكية لولاية قدح، حتى عام 1970م. من خلال تشكيل تحالف مع الصينيين، استطاع الملايويون أن يحكموا البلاد دون مشاكل تُذكر حتى حصلت انتخابات عام 1969م، حيث طالب الصينيون بدور أكبر من حصتهم المعتادة، فرأى الملايويون في ذلك تهديداً لهم فدخلت البلاد وخصوصاً كوالالمبور في حالات اضطرابات دموية أفضت إلى مقتل عدد غير معلوم من الماليزيين غالبيتهم من الصينيين، يقدرهم الصينيون بالآلاف والحكومة بالمئات، ثم فرضت حالة الطوارئ وعقب انتهائها عادت معادلة مشابهة للمعادلة التي سادت قبل الأحداث، لتهيمن على المشهد السياسي في البلاد، تاركة خلفها جروحاً غائرة في أنفس الصينيين الذين شعروا بالتهميش، والملايويين الذين شعروا بالتهديد لهويتهم.

مثّلت ولاية محاضير بن محمد علامة فارقة في التاريخ الماليزي، إذ أنّه كان لا يخفي قناعاته بضرورة تمكين العرق الملايوي من بلاده وترقية أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، وإن كان شديد الوطأة في آرائه التي ضمنها كتاباً سمّاه “المعضلة الملايوية”، على الملايويين متهماً إياهم بالبلادة والانعزالية، إلاّ أن الصينيين كانوا يشعرون أن ذلك التمكين وتلك الترقية ستكون على حسابهم، إذ كانوا يمثلون أغلبية السكان في المدن الكبيرة ويسيطرون سيطرة شبه كاملة على الاقتصاد الماليزي، فوقفوا موقفاً حذراً منه واستفادوا من النهضة الاقتصادية التي كان وراءها.

في نهاية عهدة محاضير حصل خلاف بينه وبين نائبه وخليفته أنور إبراهيم، لا تُعرف أسبابه على وجهه التحديد، أدى إلى طلاق صاخب بين الطرفين، وتم رفع قضايا فساد أخلاقي وشذوذ جنسي ضد أنور ليدخل على إثرها السجن ويتم إقصاءه عن العمل السياسي وتؤسس زوجته “وان عزيزة” حزب سياسيّاً جديداً معتمدة على ميراث أنور باسم حزب العدالة، عقب ذلك استقال محاضير وتولى عبد الله بدوي حكم البلاد، وشعر محاضير والذي كان ظاهرياً غائباً عن الساحة السياسية، ولكنّه في الحقيقة ما زال ممسكاً بخيوط الحزب الحاكم بين يديه، أنّ بدوي لن يستطيع أن يمضي بمسيرة التنمية التي اختطها وأنّ خطة 2020 التي يعتبرها السُلّم الذي ستصعد عليه ماليزيا لتنافس الدول المتقدمة، لم تعد تسير كما ينبغي، فأطلق حملة أدت في النهاية إلى استقالة بدوي من منصبه قبل أن يتم مدّته، وهيأ لقدوم نجيب واستلامه الحكم.

كان نجيب في البداية يبدو الشخص المثالي لمنصب رئيس الوزراء، فهو ينحدر من عائلة سياسيّة عريقة، إذ كان أبوه رئيساً للوزراء وزوج خالته كذلك، واستلم هو مناصب وزارية متعددة وهو في مقتبل عمره، ولديه تأييد واسع داخل الحزب، ولكن محاضير لم يبتعد عن عالم السياسة رغم كبر سنه وإعلانه اعتزال العمل السياسي، بل كان يراقب الوضع عن كثب بروح الوالد أو الاستاذ، وكثيراً ما كان يُطلق تصريحات ناقدة ومصوِّبة لأداء الحكومة، وكان نجيب يتلقى ذلك بصدر رحب وصبر، وحاول احتواء انتقادات أستاذه التي أخذت تتصاعد شيئاً فشيئاً وخصوصاً بعد خروج أنور إبراهيم من سجنه وتزعمه الحزب الذي شكلته زوجته، وتشكليه تحالفاً مضاداً لتحالف أمنو.

تدريجيّاً تباطأ أداء الحكومة ومرّت بصعوبات اقتصادية ثم رفعت ضد بعض أعضائها قضايا فساد، كل ذلك وسط تصاعد أداء المعارضة بقيادة أنور إبراهيم والذي تمكّن من ضم المتناقضين إلى تحالفه، منهم الملايويين والصينيين والهنود، والحزب الإسلامي والاشتراكيين، فحققوا في الانتخابات العامة الثالثة عشرة عام 2014م، تقدّماً غير مسبوق في تاريخ البلاد وذلك لانضمام قطاعات أكبر الشباب ومن الصينيين لتأييد التحالف، ففاز بأغلبية أصوات الناخبين ولكن توزيع مقاعد البرلمان لا يعتمد نسبة متساوية لكل مقعد، فضمنت الأصوات التي حصل عليها الحزب الحاكم بقيادة نجيب رغم أنّها أقل من أصوات المعارضة، قريباً من ضعف مقاعد البرلمان التي حصلت عليها المعارضة.

حتى انفجر محاضير بمعارضة مفتوحة لنجيب متهماً إياه بالفساد، ودخل نجيب في حالة دفاع عن النفس ليبرر تهم الفساد، أمّا محاضير فانضم تدريجيّاً إلى المعارضة، مبتدئاً بحملة “نظافة الانتخابات” (برسيه)، ثم قرر تأسيس حزب جديد لتغيير رئيس الوزراء، وزار خصمه اللدود أنور إبراهيم في المحكمة معلناً تضامنه معه، رغم أنّه أول من حرك قضايا ضده، واتفقا على العمل معاً لإسقاط الحكومة.

مجريات الانتخابات العامة الرابعة عشرة 2018

في الفترة التي كان يقضي أنور فيها محكوميته، كان محاضير منهمكاً بالتعاون مع المعارضة بتكوين تحالف جديد باتكان هاريبان (تحالف الأمل) بعد أن انسحب الحزب الإسلامي (باس) من تحالف المعارضة السابق وانضم للحكومة، والضغط على الحكومة لانتخابات مبكرة، وعندما أعلن رئيس الوزراء عن الانتخابات العامة الرابعة عشرة، حُرم محاضير من ترخيص حزبه فقام بخوض الانتخابات على قوائم حزب العدالة الذي ترأسه زوجة أنور.

كانت الحكومة منهمكة بمحاولة تغيير توزيع الدوائر الانتخابية مرة أخرى، وقد اصطف إلى جانبها الحزب الإسلامي (باس)، كان محاضير من الثقة بمكان بحيث أعلن أن ذلك لن يؤثر على فرص المعارضة بالفوز. كانت قطاعات واسعة من المالايويين وخصوصاً من الشباب الذين يمثلون 40% من الشعب الماليزي، قد قرروا أنّه قد حان وقت التغيير، وأنّه قد حان وقت إعطاء فرصة للمعارضة.

هكذا اجتمعت نسبة كبيرة من المالايويين إلى غالبية الصينيين والذين كانوا قد حسموا أمرهم منذ الانتخابات السابقة، ووقفوا إلى جانب المعارضة، فأصبحت فرص حزب أمنو ورئيس الوزراء نجيب عبدالرزاق بالفوز محدودة، ولم ينقذه توزيع الدوائر ولا سيطرة الحزب على مقاليد الحكم منذ الاستقلال، ورغم كل المحاولات التي بذلها نجيب لتحسين وضع الاقتصاد وارتفاع مؤشراته، كانت دعايات المعارضة وخصوصاً محاضير وضغوطه، قد فعلت فعلها وكان التحالف الحاكم على موعد مع التغيير.

نتائج الانتخابات وتحليلها

حصلت الانتخابات العامة الرابعة عشرة يوم الأربعاء التاسع من أيّار/مايو 2018، وتقدّر نسبة المشاركين حوالي 76% أي أقل من تلك المسجلة في الانتخابات السابقة عام 2013م وهي 85%، وأعلنت المعارضة أنّ حوالي خمسة عشر مليون ناخب تم حرمانهم من أداء حقهم الانتخابي نتيجة لطول طوابير الناخبين وبطء الإجراءات إذ كان الناخبون يصوتون للبرلمان المركزي وللحكومات المحلية بشكل متزامن، كما أن الصناديق تغلق الساعة الخامسة مساءً حسب القانون، وتم إعلان النتائج الرسمية اليوم التالي العاشر من أيّار/مايو 2018م.

وحصل تحالف الأمل PH على 113 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغ 222 مقعداً، أمّا التحالف الوطني BN بقيادة رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق فقد حصل على 79 مقعداً، فيما حصل الحزب الإسلامي الماليزي PAS 18 مقعداً، أمّا حزب واريسان في ولاية صباح فكان نصيبه 8 مقاعد فيما حصد المستقلون 3 مقاعد.

توزيع المقاعد حسب الولايات

تفوق تحالف الأمل على التحالف الوطني في ولايات، نيغري سيمبيلان، جوهُر، قدح، بيراء، مالقا، واحتفظ من الدورة السابقة بكل من ولاية بينانغ وولاية سلانغور، فكان مجموع ما حصل عليه سبع ولايات، بينما فاز التحالف الوطني في كل من ولايتي برليس وباهنغ، أما ولاية تيرنغانو فقد خسرها التحالف الوطني لصالح الحزب الإسلامي، كما احتفظ الحزب الإسلامي بولاية كلينتان من الدورة السابقة.

أمّا في في ولاية صباح خارج شبة الجزيرة الماليزية، فقد تعقد الأمر عندما انشق مجموعة من النواب من التحالف الوطني وانضموا إلى حزب واريسان، المنضوي تحت تحالف الأمل، ويتوقع أن ينشق آخرون من حزب أمنو لينضموا هم أيضاً إلى التحالف، ما يعني أنّ الحكومة المحلية ستنتقل من يد أمنو إلى يد تحالف الأمل.

أبرز ما لفت الانتباه في هذه الانتخابات، أنّه رغم احتفاظ نجيب عبد الرزاق بمقعده البرلماني، إلا المفاجأة أنّ ثمانية وزراء وتسعة عشر نائب وزير من وزارته خسروا مقاعدهم البرلمانية، بما في ذلك نائب زعيم الحزب الصيني (MCA) وزعيم الحزب الهندي (MIC) المنضويان في التحالف الوطني الذي يرأسه حزب أمنو.

الوضع السياسي الجديد

لا شك أنّ الوضع الذي أفرزته الانتخابات في ماليزيا قد يكون مربكاً للكثيرين، فقطاعات كبيرة من السياسيين ورجال الأعمال والإعلام، كانوا يظنون أنّها جولة أخرى سيتمكن فيها حزب أمنو من البقاء في السلطة، ولن ينال معارضوه سوى منصة لبث شكواهم واتهاماتهم، كالعادة. لجنة الانتخابات كانت في حيرة من أمرها ماذا تفعل، والحزب الحاكم لم يقرّ بالخسارة على الفوز بل أطلق رئيس القطاع الشبابي فيه، خيري جمال الدين عبارات يفهم منها قبوله باختيار الشعب، ومسؤولو أمنو كانوا يطلقون تصريحات تسخف كلام المعارضة وتتشبث بالفوز، وخرج محاضير في مؤتمر صحفي ليعلن فوزاً كاسحاً للانتخابات ويدعو ملك البلاد لإعلان فوز المعارضة وتكليف رئيس وزراء جديد حتى لا تبقى البلاد بدون رئيس، وسارع سلطان جوهٌر إلى دعوة الملك إلى إعلان رئيس وزراء جديد، وكانت ماليزيا بأسرها تحبس أنفاسها متسائلة هل تشهد انتقالاً سلساً للسلطة، أم ستدخل البلاد في نفق من الصراعات؟

لم يطل الأمر كثيراً، فقد دعا الملك زعماء المعارضة إلى القصر الملكي، وتشاور معهم حول اسم المرشح لرئاسة الوزراء، فطرحوا اسم محاضير الذي كان غائباً، إذ أنّه كان يخوض الانتخابات تحت لافتة حزب العدالة والذي كانت تمثله وان عزيزة إسماعيل، وتم إعلان محاضير رئيساً لوزراء ماليزيا، ليدخل فترة ولاية ثانية بعد أن كان قد حكم ماليزيا لمدة عشرين سنة وكان يعد أطول رئيس وزراء يحتل هذا المنصب، وليصبح أكبر حكام العالم سناً.

فرص استمرار تحالف الأمل في السلطة

يشكك الكثيرون بقدرة تحالف الأمل على حكم ماليزيا، وأنّها ستدخل في صراعات مزمنة ستؤثر على وضع البلاد نتيجة لأنّ مكونات التحالف غير متجانسة وسوف تتقاتل على توزيع الحصص وتمثيلها في السلطة، مما يعني أن رئيس الوزراء سيكون ضعيفاً ولن يستطيع أن يحكم بثقة كاملة وقد يتطور الأمر إلى انشقاقات وهذا بدوره ممكن أن يمهد لعودة الحزب الحاكم مرة أخرى، وهذا في رأيي مستبعد، إذ أنّها ليست المرة الأولى التي تشكل فيها المعارضة تحالفاً، بل كان قائماً قبل الانتخابات الثالثة العشرة، واستطاعت هذه القوى أن تحكم أهم ولايتين في البلاد بينانغ وسلانغور دون مشاكل تذكر.

كما أنّ هناك أراء تقول أنّ الدولة العميقة التي بناها حزب أمنو عبر ستين سنة من الحكم المستمر، ستقف عائقاً أمام محاضير وأنور، وهو قول يفترض أنّ تحالف الأمل هبط على عالم السياسة الماليزية بمظلة وهو قول غير واقعي، إذ أن زعماء المعارضة مثل محاضير كان رئيساً للوزراء، وأنور نائباً لرئيس الوزراء ومحي الدين نائب لرئيس الوزراء وأزمان علي كبير وزراء سلانغور أهم ولاية في ماليزيا وغيرهم كثير، بل إن كانت هناك دولة عميقة في ماليزيا فإنّ من بناها هو محاضير وهي لا بد تدين بالولاء له، وإلاّ لما تمكن من إزالة بدوي من رئاسة الوزراء ثم تعيين نجيب ثم إزالة نجيب والجلوس في مكانه، رغم ابتعاده شكلياً عن السياسة.

أمّا التوقعات أنّ النتائج سيكون له أثر سلبي على الاقتصاد، فهذا أيضاً مستبعد، إذ أنّ محاضير يعد باني نهضة ماليزيا وهو وأنور من أتى بالشركات الأجنبية ورؤوس الأموال إلى ماليزيا، وهما أكثر الناس قدرة على التفاوض معها، كما أن التحالف سيتلقى دعماً من كبار رجال الأعمال الصينيين والذين انحاز أغلبهم مبكراً إلى تحالف الأمل، صحيح أنّ نتائج التغييرات التي سيحدثها محاضير ومن بعده أنور ستأخذ بعض الوقت، ولكنّها أغلب الظنّ ستكون تغييرات إيجابية تدفع الاقتصاد الماليزي إلى الأمام.

لا شك أنّ السنة الأولى من حكم محاضير ستحدد مستقبل تحالف الأمل ومستقبل ماليزيا، وإن كان التغيير بحد ذاته سنة كونيّة ويمكن أن يضيف قوة إلى الوضع السياسي في البلاد نتيجة لإيقاده حالة التنافس بين القوى السياسية الرئيسة، وتصعيده قيادات جديدة برؤى جديدة وتجارب مختلفة وهو ما سيثري، دون شك، التجربة السياسية الماليزية ويجعلها أكثر تطوراً وتنوعاً، كما أنّ تداول السلطة الذي حدث سيزيد الثقة بالديمقراطية الماليزية واستقرار البلاد الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الاستثمارات الأجنبية.

تأثيرات انتقال السلطة على الوضع الاجتماعي (ملايو-صيني)

الهاجس الذي تركته اضطرابات عام 1969م، في أنفس الماليزيين، ما زال يسيطر على أذهان فئات واسعة من النّاس، والسؤال المطروح من جهة الأغلبية المالايوية إلى أيّ مدى سيستمر مشروع تمكين المالايويين في ظل حكومة تحالف الأمل؟ بينما السؤال المقابل الذي سيطرحه الصينيون فهو، متى ستنتهي سياسة التمييز ضد الصينيين وستكون هناك سياسة قائمة على مبدأ المواطنة التي تساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن خلفياتهم العرقية؟

قد يخفف من وطأة هذا التناقض في المصالح بين العرقيتين الكبريين، حصول قناعة عند كثير من السياسيين المالايويين وعلى رأسهم محاضير وأنور، أنّ السياسات التفضيلية التي اتبعها السياسيون منذ الاستقلال والمنصوص عليها في الدستور، لم تنجح بشكل كبير، بتمكين المالايويين بالشكل المطلوب، بل حوّلت قطاعات واسعة منهم إلى إتكاليين على الدولة وأنشأت نخبة رأسمالية من المالايويين ساهمت هي الأخرى باستغلال البلاد دون أن ينعكس ذلك بشكل كاف على ترقية أبناء العرق المالايوي.

إنّ القناعات يمكن أن تدفع السياسيين إلى اتخاذ سياسات جديدة لتمكين مالايويين تعتمد أساليب غير تمييزية، وهو ما سيصب حتماً في مصلحة كل من الصينيين والمالايويين على السواء.

الوضع السياسي الداخلي

لعل أبرز الأسئلة التي يطرحها المتخوّفون من الوضع الجديد الناشئ عقب الانتخابات فيما يتصل بالوضع السياسي الداخلي، سؤالان: هل سيسيطر الصينيون على البلاد، وهل سيعود حزب أمنو إلى السلطة مجدداً؟

وللإجابة على السؤال الأول يجب أن نتذكر أن الصينيين كانوا دائماً موجودين في الحكم حتى في زمن أمنو، من خلال حزب (MCA) وأنّ فكرة سيطرتهم على البلاد أمر غير واقعي، إذ أن توزيع المقاعد البرلمانية ضمن للمالايويين أغلبية مطلقة على الدوام، كما أن جانب كبير من قوى المعارضة هي مالايوية، خلافاً لانتخابات 2013م التي كان الحضور الصيني فيها أعظم، إذ أن عدم الرضا المالايوي في هذه الانتخابات هو من أسقط حكومة التحالف الوطني بقيادة أمنو وليس الصينيون. كما أنّه من غير المستبعد أن ينضم الحزب الإسلامي الماليزي مرة أخرى إلى المعارضة كما كان في الدورة السابقة، وقد بدأنا نرى انشقاقات وانتقالاً في الولاء من حزب أمنو في ولاية صباح، على سبيل المثال، إلى جانب محاضير وهو ما يتوقع أن يزداد خلال الفترة القادمة، وكل ذلك سيزيد الكتلة المالايوية وسيقلل التأثير الصيني وفرصة تحكمه في مقاليد الأمور.

أمّا عودة حزب أمنو إلى السلطة قريباً، فهو أمر مستبعد أيضاً، إذ أن خسارة الحزب لم تبدأ في هذه الدورة بل من الدورة السابقة عندما فقد أغلبية أصوات الناخبين ومنعه من خسارة الحكم، التوزيع غير المتساوي لمقاعد البرلمان، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى تآكل شعبية الحزب، ورغبة قطاعات واسعة من الشباب بالتغيير، ولعل السبب الأهم الذي يجعل هذه الدوافع تتفاعل وتؤدي إلى خسارة الحزب، هو تزعم محاضير والذي يُعد عرّاب أمنو، لهذه المعارضة، وإطلاقه حملة واسعة باتهامات لرئيس الحكومة بالفساد.

ستدرك النواة الصلبة من حزب أمنو عمّا قريب أن من مصلحتها التصالح مع محاضير وأنور والخروج بأقل الخسائر، وسنرى على أثر ذلك ربما إعادة تشكيل للتحالفات وربما انشقاقات واسعة، ولذا من المستبعد جداً عودة الحزب إلى الحكم في فترة قريبة، إلا إذا حصلت مشاكل عميقة وسريعة في تحالف الأمل أدت إلى تفككه وهو أمر مستبعد أيضاً.

العلاقات الدولية لماليزيا

1ـ الولايات المتحدة الأمريكية

تميل ماليزيا عادة إلى الاهتمام بالإقليم وخصوصاً تلك الدول المنضوية تحت منظمة آسيان وعدم النشاط وراء ذلك، غير أنّ هناك تأثيرات كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية على السياسات الماليزية بحكم كونها القوى الكبرى في العالم، ويبدو أن قدوم أنور إبراهيم إلى السلطة، وهو من أشد السياسيين الماليزيين قرباً من الولايات المتحدة الأمريكية، سيحسن العلاقة بين الطرفين، إثر تكدرها بعد أن أعلنت السلطات الأمريكية عن قضايا فساد خاصة برئيس الوزراء السابق نجيب، وتوجهه إلى مزيد من الانفتاح على الصين.

2ـ الصين

تعلّمت الصين دروساً قاسية من تغيير الحكومات وأنظمة الحكم في البلدان التي تتعامل معها وتستثمر فيها، وعلى رأس هذه التجارب سقوط نظام القذافي الذي كانت نتائجه خسارة مليارات الدولارات من الاستثمارات الصينية، وكذلك تغير حكومة راجا باكسا في سريلانكا، وما ترتب على ذلك من تأخير في المشاريع الصينية، ومحاولة تكرار ذلك في المالديف، ولعل أهم ما تعلمته هو كيفية المحافظة على المصالح الصينية من خلال التفاوض والدبلوماسية. ويبدو أنّ توجهات نجيب نحو الصين وتوقيعه لمشاريع ضخمة معها ستكون من أوائل ما سيتعامل معه محاضير، وهو ما صرّح به عقب إعلان نتائج الانتخابات على الفور، وهو أمر لا يتوقع أن يكون انقلاباً كاملاً بالسياسة نحو الصين، فمحاضير يقرأ خارطة القوى الدولية والآسيوية على وجه التحديد، بشكل جيد، ويعرف أنّ الصين لها تأثير كبير ومتزايد في المنطقة، ولذا فإنّه لن يدخل في مواجهة أو صراع مع الصين، بل على العكس ربما يستمر في تحسين العلاقة معها وإعادة التفاوض على شروط العقود الموقعة معها، ولا يبدو أنّ الصين تمانع ذلك، من خلال قراءة التجربة السريلانكية.

3ـ إيران

يقيم عشرات الآلاف من الإيرانيين في ماليزيا، نتيجة لسياسة الانفتاح التي تتبعها ماليزيا، غير أنّ أثرهم محدود في الأوساط الماليزية. ولكن الشأن الإيراني قفز إلى السطح عندما ساءت العلاقة مع إيران في عهد نجيب قبل حوالي أربع سنوات وذلك بضغوط سعودية، حتى وصل الأمر إلى إصدار فتوى من جهات رسمية ماليزية بتكفير الشيعة، واستغلت حادثة اكتشاف حسينية شيعية في كوالالمبور وتشييع بعض الماليزيين لخلق جو مضاد للتشيع، وهو ما حاولت إيران التغلب عليه من خلال إيفاد بعض الوفود غير الرسمية حتى من السنة المؤيدين لها لإقناع الماليزيين بتغيير موقفهم المتصلب، ولا يبدو أن محاضير يختلف من حيث المبدأ، عن نجيب في موقفه من التشيع، فقد علمت أن وفداً زار ماليزيا والتقى محاضير طالباً منه التدخل لدى الحكم بهذا الشأن، فكان موقفه شديداً وقال أنّ مسلمي ماليزيا سنة شوافع ولا يحتمل وضع التجزئة، ورد الوفد خائباً، لكنه على الصعيد السياسي ربما يكون أبعد عن الضغوطات السعودية وما يمكن أن يدفع إلى تحسين العلاقات مع إيران ولو بشكل محدود.

4ـ تركيا

نتيجة للعلاقة الشخصية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأنور إبراهيم، سادت علاقة من الفتور وشبه القطيعة بين البلدين، ورغم وساطات متعددة لإصلاح العلاقة بين حكومة نجيب وتركيا، كان أردوغان يشترط دائماً، إطلاق سراح أنور ورد الاعتبار إليه، وهو ما لم يكن ممكناً، فاستمرت العلاقة على الوجه الذي سبقه وصفه. لذا، من المتوقع أن تتحسن العلاقة بين البلدين بشكل سريع وكبير خصوصاً إثر تبوء أنور رئاسة الوزراء، وهو ما سيكون دون شك في مصلحة كل من البلدين.

5ـ السعودية

أصبح معلوماً لدى عامة الماليزيين الدور الخطير الذي اضطلعت به السعودية بالتأثير على مجريات الانتخابات عام 2013م، وتقديمها مبالغ إلى رئيس الوزراء السابق من أجل التأثير على نتائجها، وهو ما يعد تدخلاً خطيراً في السياسة الداخلية الماليزية، واليوم مع خسارة نجيب ومجيء المعارضة إلى السلطة سيتم استحضار هذا التاريخ السلبي، غير أنّ ارتباط الشعب المالايوي المسلم بالسعودية كأرض للحرمين الشريفين، ومرجعية دينية إسلامية سيخفف من التداعيات السلبية لهذا التاريخ، إذ من المهم لكل من يريد أن يحكم ماليزيا أن يقيم علاقة طيبة مع السعودية، ولكنّها ستكون هذه المرة حذرة وربما تميل إلى الفتور.

6ـ الإمارات

ارتبط اسم الإمارات بالفضائح المالية التي تم الكشف عنها في ماليزيا وخصوصاً استثمارات مؤسسة ساتو ماليزيا، وعلاقاتها المريبة مع رجالات الحكم السابق، وهو ما سيجعلها عرضة لغضب الحكومة الجديدة، وهي تفتقد لميزة السعودية كمرجعية دينية، لذا فإن الآثار السلبية على العلاقة بين البلدين من المرجح أن تكون أكثر ظهوراً، كالفتور وضعف التعاون الاقتصادي، وربما هجمات كلامية حادة من قبل محاضير وبعض من قادة المعارضة.

7ـ القضية الفلسطينية

أبدت حكومة نجيب تأييداً كبيراً للقضية الفلسطينية، مثّل أوجها زيارته إلى قطاع غزة عام 2012م، واستضاف الحزب الحاكم حينها قادة حماس أكثر من مرة في مؤتمراته السنوية، كما استقبل نجيب رئيس حركة حماس خالد مشعل، وزعماء فلسطينيين آخرين أكثر من مرة، ولا تفتأ تتخذ مواقف مؤيدة متقدمة في هذا المجال، ومع ذلك فإنّ تغيير الحكومة سيأتي بقادة ربما، أكثر تأييداً للقضية الفلسطينية، خصوصاً من حزب أمانة والذي يعدّ المنصة السياسية الرئيسة للإخوان المسلمين الماليزيين، وعلى رأسهم هؤلاء شخصيات مثل حسن الدين وهو من المشاركين في سفينة مافي مررة ومؤسسي أكبر مؤسسة ماليزية مؤيدة لفلسطين، أقصى شريف، ومازلي مالك، فضلاً عن تأييد أنور ومحاضير للقضية الفلسطينية، ولذا فإنّ التأييد للقضية الفلسطينية سيزداد في الفترة القادمة وربما يتجلى ذلك بمساعدات إنسانية ماليزية لقطاع غزة وصوت أعلى لصالح فلسطين في المحافل الدولية

اضغط هنا للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

السياسة الخارجية الهندية بعد انتخابات 2019

تم النشر قبل

في

بواسطة

الكاتب: د. محمد مكرم بلعاوي
الناشر: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية
 
مثّل الفوز الكبير لحزب الشعب الهندي (BJP) بالانتخابات العامة الهندية التي تم الإعلان عن نتائج يوم 23 مايو/أيار، مفاجأة كبيرة لأكثر المراقبين والمحللين السياسيين، سيحاول هذا التقرير البحث في انعكاسات هذا الفوز الكبير على علاقات الهند الخارجية، استكشاف في آثارها على الصعيد الأقليمي والدولي.
 
أولاً: الصعيد الأقليمي
ونقصد بها دول منظمة سارك SAARC، وهي كل من سريلانكا، والمالديف، ونيبال، وبوتان، وبنغلاديش، وأفغانستان، وباكستان، والتي تعتبرها الهند-تقليدياً- دائرة نفوذها الإقليمي أو الفناء الخلفي لها، وسنلقي بإيجاز بعض الضوء على تأثيرات هذا الفوز على سياسة الهند تجاه هذه البلدان.
 
سريلانكا
تعود علاقة الهند بسريلانكا إلى آلاف خلت من السنين، وهي علاقة غير متكافئة من ناحية المبدأ بسبب تفاوت الحجم والتأثير، إذ طالما نظرت سريلانكا إلى الهند على أنّها الأخ الأكبر الذي لا بد من التعايش معه، والاستفادة من جواره دون التعرض لتغوله وغضبه، وخصوصاً أنّ شمال سريلانكا تشترك مع جنوب الهند بقوميّة التاميل والتي كانت إحدى أسباب التدخل الهندي الدائم في سريلانكا سياسياً وأحياناً عسكرياً، ولطالما اُعتبرت الهند الدولة الأكثر تأثيراً في سريلانكا على جميع الصعد بما في ذلك الصعيد الأمني، غير أنّ السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية السريلانكية مع التاميل، شهدت تحوّل سريلانكا نحو الصين لجلب الاستثمارات في البنية التحتيّة ولإحداث نوع من التوازن الاستراتيجي في علاقتها مع الهند، وانعكس ذلك سلباً على تدخّل كل من الدولتين في السياسة الداخلية السريلانكية ومحاولة التأثير على نتائج الانتخابات المحلية ودعم بعض فرقاء الحكم، وهو ما أوجد نوعاً من المواجهة بالوكالة بين الهند والصين، ويتوقع أن تزداد وتيرة ذلك مع تعزيز رئيس الوزراء ناريندرا مودي لقبضته على الحكم في الهند وطموحه للعب دور خارجي يعيد للهند مكانتها بين الأمم بما يتوافق مع رؤيته القومية.
 
المالديف
ما سبق وصفه من طبيعة العلاقة بين سريلانكا والهند وحالها، ينطبق إلى حد كبير على المالديف والتي شهدت هي أيضاً نزاعاً على السلطة دعمت الهند أحد أطرافه والصين الطرف الآخر، ويشترك هذان البلدان، بأنّهما يقعان على خط الحرير البحري الذي تسعى الصين إلى إحيائه لتسهيل تدفق تجارتها إلى بقية العالم، وهو ما ستحاول الهند الحد منه قدر الإمكان في المستقبل لأنّها ترى فيه تهديداً لنفوذها الإقليمي.
 
نيبال
تاريخياً كانت مملكة نيبال هي الدولة الوحيدة التي تصف نفسها بدولة هندوسيّة، ولكن هذا الوضع تغيّر عقبة ثورة قادها الشيوعيون الماويون والتي تكللت عام 2008م ضمن أسباب أخرى، بإعلان نيبال نفسها جمهورية فدرالية علمانية ، وهو ما شكّل ضربة موجعة للنفوذ الهندي في هذا البلد الذي ترتبط غالبية شرايين حياته بها، وعندما حاولت الضغط على الحكومة المحلية قامت هذه الأخيرة بفتح الأبواب أمام النفوذ الصيني ما جعل الهند أمام وضع صعب، خصوصاً ما يرتبط بموقفها الرافض للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية التي أخذت مشاريعها تنتشر في المنطقة المحيطة بها رغم التمنّع الهندي ، وهو ما سيؤدي إلى تآكل تدريجي للنفوذ الهندي في هذا البلد بشكل سريع، ولذا فمن المرجح أن تمارس نيودلهي مزيجاً من سياسة الترغيب والترهيب على كتماندو خلال الفترة القادمة حتى تحول دون تحوّل التوسع الصيني فيها إلى كابوس حقيقي.
 
بنغلاديش
تتمتع الهند بنفوذ كبير في بنغلاديش حيث ينظر إليها على أنّه القوة الأساسية التي كانت وراء استقلال باكستان الشرقية (لاحقاً بنغلاديش) عن باكستان عام 1971م، غير أنّ الخلافات بين الطرفين وإن كانت محدودة نسبياً دفعت حكومة رئيسة الوزراء البنغلاديشية السابقة، خالدة ضياء إلى دعم الانفصالين الهنود الأمر الذي تغير عندما تم انتخاب زعيمة حزب عوامي شيخة حسينة -بنت شيخ مجيب الرحمن مؤسس بنغلاديش- رئيسة للوزراء، فقادت سياسة تقارب مع الهند توّجتها بزيارتها إلى الهند عام 2018م والتي تم خلالها الاتفاق مع حزب الشعب الهندي بقيادة مودي على عدة قضايا منها حل الخلافات الحدودية والتنازع على مياه الأنهار المشتركة وتوقيع اتفاقيات متعددة في مجالات التعاون العسكري والاقتصادي وتوليد الطاقة واستخدام مينائي بنغلاديش الرئيسين تشيتاغونغ ومونغلا، ويتوقع أن يتصاعد هذا التعاون بين الطرفين خلال المرحلة القادمة وسط مخاوف الهند من دخول الصين إلى بنغلاديش.
 
أفغانستان
تعتبر أفغانستان قطعة أساسية في أحجية السياسة الخارجية الهندية منذ الاستقلال، فلطالما دعمت حكومة الهند الحكومات المتعاقبة أفغانستان ما عدا حكومة طالبان التي اعتبرتها تهديداً أمنياً للهند بسبب علاقاتها القوية مع الاستخبارات العسكرية الباكستانية وتبنّيها لمجموعات كشميريّة انفصالية ومجموعات تصنفها الهند إرهابية، وقد قدّمت الهند مليارات الدولارات على مدى العقود الماضية لأفغانستان كقروض ومساعدات، في مجالات متعددة منها العسكري والأمني والزراعي والصحي والتعليمي والبنية التحتية، وذلك لأنّها تنظر إلى أفغانستان كممر أساسي للتجارة والطاقة للوصول إلى وسط آسيا، كما أنّ أفغانستان تعتبر في طليعة دول العالم بوفرة المعادن الهامة والغاز والتي لم يتم الاستثمار فيها بعد، لذا فإنّ الهند تطمع أن يكون لها حصة هامة في هذا المجال. من الهام أيضاً إدراك أنّ هناك نظرية هندية تسمى بـ”دولاب أشوكا”، وتقضي بأن تضع الهند خصومها بينها وبين أصدقائها، ولذا نفهم تقارب الهند مع اليابان وروسيا ثم أفغانستان وإيران، ما يضع كل من الصين وباكستان بين الهند التي تقع في مركز الدولاب وهذه الدول التي تمثل طوق الدولاب. مع استمرار حكومة مودي في السلطة فإننا سنشهد مزيداً من التعاون مع أفغانستان واستمراراً لنفس السياسة والتي تهدف إلى توسيع قدرة الهند على الوصول إلى الخامات الطبيعية وأسواق الطاقة وتأمين حدودها الغربية ضد الإرهاب.
 
بوتان
تُعد مملكة بوتان والتي تقع جنوب شرق الهند، ذات تأثير محدود في الإقليم حيث لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة، وتكمن أهميتها بالنسبة للهند بأنّها يمكن أن تشكل مدخلاً للنفوذ الصيني، ولذا فإنّها تحرص دائماً على ربط بوتان بها بشكل عضوي لمنع حدوث ذلك، وهو ما سيستمر على الأرجح خلال الفترة القادمة.
 
باكستان
تتصف علاقة الهند بباكستان بالتعقيد والعدائية منذ الاستقلال عام 1947م، ولطالما كان هذا العداء بين الطرفين سبباً لتأجيج الشعور الوطني على الجانبين ودعم السياسات الشعبوية التي تقدّم الأمن القومي على اعتبارات التنمية والرخاء الاقتصادي، وقد شهدنا جانباً من هذا في المواجهة المحدودة الأخيرة التي جرت بدايات هذا العام بين الطرفين. غير أنّ الهند تدرك تماماً أنّ باكستان كما هي عامل هام لاستنزاف قوتها فيمكن أن تكون سبباً هاماً في تسهيل تطورها الاقتصادي، ولذا نجد السياسة الهنديّة تجاه باكستان تتأرجح دائماً بين البراغماتية والعداء. وتكمن أهمية باكستان في عدة ملفات:
تحالف باكستان مع الصين
نشأ تحالف قوي منذ بداية الخمسينيات بين باكستان والصين مع أنّ الأولى كانت تصطف مع العالم الغربي والثانية في الطرف المقابل، غير أنّ العداء المشترك للهند جعل الطرفين يقتربان من بعضهما البعض، والذي تطور بشكل تدريجي إلى مستوى تحالف وعلاقة توصف في البلدين على أنّها “علاقة جميع الفصول” . دخل هذا التحالف مستويات متقدمة مع مرور السنوات خصوصاً بعد البرود التدريجي في علاقة باكستان مع الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن الحالي وانحياز هذه الأخيرة إلى الهند لمحاولة إضعاف الصين، وهو ما يجعل الهند تقع بين فكي كماشة تحيط من جميع الجوانب سوى من الجنوب حيث المحيط الهندي، مما يعني عملياً تحيّيد قدراتها الاستراتيجية.
دعم الانفصال والإرهاب
اتصفت علاقة الهند مع باكستان بالعداء منذ الأيام الأولى لانفصال الطرفين عقب الاستقلال كما أسلفنا، وكانت من ذلك المواجهات العسكرية المتعددة على منطقة كشمير المتنازع عليها بين الطرفين، ثمّ عملت الهند على دعم انفصال باكستان الشرقية عام 1971م عن باكستان وتحولها إلى دولة بنغلاديش، ولذا فإنّ الحرب بين الطرفين أخذت أشكالاً متعددة منها الحرب المخابراتية، والتي تعمل عادة على استنزاف الطرف الآخر بدعم جماعات انفصالية أو إرهابية، وهو ما تتهم الهند به باكستان، ولذا فإنّ علاقة أفضل بين الطرفين يمكن تخفف من الأضرار التي تسببها هذه الجماعات، حيث أصبحت السيطرة من خلال نشر مئات الآف من الجنود في كشمير عملية مكلفة للغاية.
سباق التسلح
تكرّس كلا البلدين موازانات هائلة لرفع كفاءتهما القتالية، بما في ذلك تصنيع السلاح النووي وتطور صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، والحصول على آخر التقتنيات المتوافرة في هذا المجال، ما يعني استنزافاً هائلاً للموارد الوطنية في بلدين ناميين يمكن لهذه الأموال أن ترفع فيهما مستوى التنمية وتخرج مئات الملايين من البشر من الأمية ومن تحت خط الفقر.
ممر شبه إجباري إلى بقية العالم
تحيط بالهند موانع طبيعيّة كبيرة من كل الجوانب تقريباً سوى من جهة باكستان، فالهند لها شكل هرم مقلوب يحيط بجانب هام من ضلعيه الشرقي والغربي المحيط الهندي، ومن الشرق والشمال سلسلة جبال الهملايا وهي الأعلى عالمياً، أمّا اتصالها الحقيقي يجب أن يكون من جهة الغرب، ولذا فإنّ الخطوط البرية الذاهبة إلى أواسط آسيا سواء عبر أفغانستان أو إيران يجب أن تمر بباكستان أولاً، ما يجعلها البوابة البرية الأساسيّة للهند على العالم، وقد شهدنا خلال الأشهر الماضية كيف ارتفعت اسعار تذاكر الطيران إلى الهند بسبب اضطرارها لتجنب الطيران فوق باكستان نتيجة للمواجهة العسكرية بينهما، فضلاً أن خطوط الغاز القادمة من كل من إيران وتركمنستان يجب أن تمر من باكستان.
شريك تجاري هام
لا يمكن إغفال أن باكستان بسكانها الذين يقرب عددهم من مائتي مليون نسمة، ويشتركون مع الهند بجانب هام من ثقافتها تمثّل سوقاً هاماً للبضائع والخدمات الهندية، وهو ما يمكن أن يسهم بإعطاء دفعة هامة للاقتصاد الهندي الطامح، وخصوصاً إذا تمّ تفعيل منظومة الشراكة بين دول منظمة سارك.
ترجيح تحسّن العلاقات بين الهند وباكستان
سيلعب الطرف الأمريكي دوراً هاماً في علاقة الهند بباكستان خلال المرحلة القادمة، فرغم الفتور الذي أصاب العلاقات الأمريكية الباكستانية خلال العقدين الماضيين، فإنّ هذا الفتور والانحياز الأمريكي إلى الهند أدّى إلى الدفع بباكستان إلى أحضان الصين، وهو ما سيجعل انتصار أمريكا في صراعها مع الصين في قارة آسيا، أمراً بالغ الصعوبة. صحيح أنّ أمريكا استمالت الهند إلى طرفها وهي تعدّ المعادل الموضوعي للصين في القارة الآسيوية رغم الفارق الواضح بينهما في القدرات، وتريد توظيفها في مواجهة الصين، إلاّ التحالف الحالي بين الصين وباكستان يشلّ قدرات الهند ويمنع الولايات المتحدة من الاستفادة منها.
بات من المرجح إذن، أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى استمالة باكستان إلى جانبها مجدداً، وتحاول دق إسفين في العلاقة بين باكستان والصين، من خلال استخدام علاقات باكستان مع دول الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية، والضغط على الهند من أجل تحسين العلاقة مع باكستان وهو أمر في صالح الهند أيضاً للأسباب التي سبق ذكرها، ولا غرابة إن شهدنا خلال الفترة القادمة مع تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تحسناً كبيراً في العلاقة بين الهند وباكستان، ومحاولة حل المشاكل المزمنة بين الطرفين وخصوصاً الصراع على منطقة كشمير، وهو ما كان رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، قد ألمح إليه أثناء الحملة الانتخابية الهندية ، عندما ذكر أنّ حزب الشعب الهندي سيكون بقوته، أكثر الأحزاب قدرة على حل المشكلات مع باكستان .
 
ثانياً: الصعيد الآسيوي
الصين
نظرت الهند بكثير من القلق إلى احتلال الصين للتبت عام 1951م، ورأته كمحاولة للسيطرة على منطقة الهملايا التي تنبع منها غالبية أنهار الهند وتعدها منطقة حيويّة من الناحية الاستراتيجية، الأمر الذي تفاقم بحدوث الحرب الحدوديّة في الهملايا بينهما عام 1962م، والتي مرحلة فارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، ورغم أنّ سياسات الهند في ذلك الوقت كانت توصف بالاشتراكية فهي عضو مؤسس لحركة عدم الانحياز، فإنّ ذلك لم يمنع النزاع بين الطرفين، الأمر الذي كان يعارضه الاتحاد السوفياتي حينها، وانحاز إلى طرف الهند على حساب الصين، مزوّداً أياها بالسلاح الروسي لمواجهة الصين، الأمر الذي استمر حتى اليوم رغم تقارب الهند مع الولايات المتحدة الأمريكية.
اتسمت العلاقة بين البلدين بكثير من الشك والتوجس، إذ تنظر الهند إلى النمو والتوسع الصيني بأنّه يأتي على حسابها، وتعدّه محاولة لمزاحمة الهند على نفوذها الإقليمي، والقضم من فرصها الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، رغم الفوائد التي يمكن أن تجنيها من مبادرة الحزام والطريق الصينية ومحاولات الصين الحثيثة لإقناعها بالانضمام إليها ، ما زالت مترددة في هذا المجال وذهبت باتجاه نسج علاقات أكثر دفئاً مع اليابان ومحاولة بناء خطوط برية وبحرية تنافس المبادرة الصينية، متمثلة بالتعاون مع إيران بافتتاح ميناء تشبهار على بحر العرب، والذي يفترض أن تقطع الخطوط البرية المنطلقة منه، كلاً من أفغانستان وإيران باتجاه آسيا الوسطى وروسيا.
إنّ شراكة الهند مع كل من اليابان وروسيا وأفغانستان، كما أشرت سابقاً، تهدف -على الأرجح- إلى تكوين تحالف يحدّ من قدرات الصين على التحول إلى “مهيمن إقليمي” Regional Hegemon، يستبد بالقارة الآسيوية، في طريقها إلى التحوّل إلى قوة تنازع الولايات المتحدة الأمريكية على سيادة العالم، وهو مقام تعدّه إيدولوجيا القوى المسيطرة في هند اليوم، استحقاقاً هنديّاً، لذا فإننا –على الأرجح- سنشهد في ظل الدورة الثانية لناريندرا مودي، محاولات هندية حثيثة للتضييق على الصين في دول منظمة سارك من خلال التأثير على نتائج الانتخابات فيها والإتيان بحكومات أكثر ولاءً للهند، وضخ مزيد من القروض والمساعدات، وزيادة الاستثمارات فيها، فضلاً عن توظيف النفوذ الأمني الذي قد لا يكون بعيداً عن معادلات الصراع مع الصين في المستقبل.
 
اليابان
دون شك سيكون خبر بقاء مودي في السلطة خبراً مفرحاً لليابان ، التي اشترت مؤخراً سرباً من طائرات إف 35 أمريكية الصنع ، والتي تُعدّ الأحدث عالمياً ما يُعد تطويراً لقدرات اليابان العسكرية في مواجهة التنين الصيني بمساعدة أمريكية. إنّ هذا البقاء سيعزّز التحالف الهندي الياباني لمواجهة الصين في القارة الآسيوية والتي سبق وأن أشرنا إلى أنّها تحاول بناء شبكة طرق بديلة عن مبادرة الحزام والطريق الصينية ومواجهة التحالف الصيني الباكستاني بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، ووجود شخصية قوية مثل مودي بتفويض شعبي غير مسبوق –تقريباً- سيصب بكل تأكيد في المضي قُدماً في هذا الاتجاه.
 
روسيا
تعتبر روسيا شريكاً استراتيجياً للهند منذ أيام الاتحاد السوفياتي ، الذي وقف إلى جانب الهند في حربها عام 1962م ضد شقيقته الشيوعية، الصين، ومنحها وقتها المعدات العسكرية والأموال التي تواجه بها الصين، وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى الشقاق بين الصين والاتحاد السوفياتي والذي تجلى في أوضح صوره في الحرب الحدودية بين الطرفين على جزيرة دامناتسكي عام 1969م. رغم التطور المطرد في علاقة الهند بالولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ أنّها لا ترى أيّ تعارض بينها وبين علاقتها في روسيا، والتي تعتبر المزوّد الرئيس للقوات المسلحة الهندية بالتسليح المتطور.
بات من الواضح كما أسلفنا، أنّ الهند تعتبر الصين التحدي الاستراتيجي الأول لها، وهي تعمل على مواجهتها في قارة آسيا بكل الوسائل المتاحة، ولذا فإنّ بقاء رئيس الوزراء ناريندرا مودي لدورة أخرى، سيعزّز هذا التوجّه وربما تحاول الهند بمساعدة كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، أنّ ترتقي بعلاقاتها بروسيا على أمل إضعاف شراكتها مع الصين، في محاولة لعزل الصين والتقليل من أثرها.
 
دول منظمة شنغهاي للتعاون
تضم منظمة دول شنغهاي إلى جانب روسيا والصين كل من طاجيكستان وكازخستان وقرغيزستان، وأوزبكستان، كل من الهند وباكستان واللتان انضمتا مؤخراً إلى المنظمة عام 2017م. ينظر عادة إلى هذه المنظمة بأنّها المعادل الآسيوي الموضوعي لحلف الناتو ، إذ أنّها أسست لمحاربة الشرور الثلاثة، وهي الإرهاب، والإنفصال، والتطرف الديني، ثم بدأت تأخذ مناحٍ أكثر تنوّعاً تتضمن الاقتصاد والتنمية. مثّل انضمام كل من الهند وباكستان إلى المنظمة حدثاً هاماً، حيث أنّ للمنظمة العديد من الدول المراقبة وأخرى في حالة حوار، إلاّ أنّ أيّ منها لم ينضم منذ بداية الألفية الحالية سوى هاتان الدولتان، بعد حوالي عشر سنوات على انضمام آخر دولة وهي أوزبكستان.
عندما عملت الصين على ضمّ باكستان، حليفها الأقرب في آسيا، إلى المنظمة، رأت روسيّا أنّ ذلك سيسبب خللاً في ميزان القوى داخل المنظمة لمصلحة الصين، ولذا حصرت على اشتراط انضمام شريكها التاريخي، الهند ، بذريعة أنّه بدون ذلك سيبدو أنّ المنظمة تستهدف الهند، وأنّ انضمام الهند سيزيد المنظمة قوة وتأثيراً. من خلال وجود الهند في هذه المنظمة، يمكن أن تسعى في المرحلة المقبلة إلى إحداث تحول كبير في عمل المنظمة باتجاه التنمية والاقتصاد بدل الأمن، أو خلق قدر من كبير من الاستقطاب داخل المنظمة يقلّل من فاعليتها ويحولها إلى حالة بروتوكولتية، لا تؤثر بشكل ملموس على التوازنات الإقليمية والدولية.
 
دول منظمة آسيان
رغم العلاقات المميزة التي تحظى بها الصين اليوم مع دول آسيان، والتي تعتمد على التخادم الاقتصادي حتى بلغت نسب نمو اقتصادات هذه الدول، بفضل شراكتها مع الصين، مستويات غير مسبوقة، فإنّ منظمة آسيان تضم دولاً عديدة كان لها مواجهات مسلحة مع الصين، مثل إندونيسيا وفيتنام وأخرى تضرّرت بشكل كبير من دعم الصين فيما مضى، للشيوعيين مثل ماليزيا والفلبين، وهي كلها دون استثناء تخشى هيمنة الصين على الإقليم وخصوصاً على بحر الصين الجنوبي والذي يمثل شريان التجارة الأهم في المنطقة، وذلك فهي تلوذ عادة بالولايات المتحدة لإحداث مظلّة أمنية تضمن من وجهة نظرها عدم تغوّل الصين على المنطقة.
تُعدّ منطقة آسيان مساحة مثاليّة لتوسع النفوذ الهندي خلال المرحلة المقبلة، من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية بدول المنظمة، وسيكون ذلك أمراً ميسوراً لغياب العداوات التاريخية بين الطرفين، ولرغبة هذه الدول بضمان استمرار نموها الاقتصادي المرتفع بشركاتها مع دولة ذات اقتصاد ضخم كالهند، بالإضافة إلى رغبتها بوجود قوى كبرى في المنطقة تضمن إحداث توازن استراتيجي في وجه الصين .
 
ثالثاً: صعيد غرب آسيا
إيران
تنظر الهند إلى إيران كجار ومصدر مهم للطاقة ولا تود الدخول في صراعات معه لأسباب استراتيجية وتاريخية، وتتمنى على الولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ نظرتها هذه بعين الاعتبار نظراً للشراكة بينهما، وإن كانت قد أوقفت استيرادها للنفط من ايران بعد أن كان ثالث أكبر مصدر لها، نتيجة للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها بداية شهر مايو 2019م، ويمكن قراءة هذا القرار كتحول باتجاه المعسكر المضاد لإيران ، رغم محاولات تركيا اقناع الهند بتشكيل ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لإقناعها بالاستمرار بنظام الاستثناء من العقوبات والذي كان البلدان يتمتعان به، إلاّ أن الهند فضلّت أن تتجه إلى دول الخليج لتعويض النقص، مع ذلك فإنّه من المستبعد أن تصطف الهند في عهد مودي، بالكامل إلى جانب المعسكر الأمريكي في هذه المواجهة، رغم التقارب السياسي بين الطرفين، لاعتبارات جيوسياسية وتاريخية سيكون القفز عنها مكلفاً للغاية، خصوصاً دفع إيران إلى التقارب مع كل من باكستان والصين.
 
تركيا
تتصف علاقة الهند بتركيا على العموم بأنّها باردة ، وذلك نتيجة للتقارب التركي مع باكستان وتأييدها لها في الموضوع الكشميري، كما تلعب القوى السياسيّة الهندية الرئيسة في الهند دوراً هاماً بتشكيل صورة سلبية عن تركيا، إذ أنّ اليسار عموماً ينظر إلى تركيا كدولة في حلف الناتو والذي يعبر عن إرادة المستعمرين السابقين وزعيمة العالم الرأسمالي، أمريكا، وكثيراً ما يبدون مواقف ناقدة حادة لمعالجة تركيا للتمرد الكردي في جنوب البلاد، أمّا اليمين فإنّه ينظر اليوم إلى حكومة طيب أردوغان على أنّها إسلاميّة الجذور وهي خصم طبيعي للأيدولوجيا الهندوسية اليمينية التي تنظر إلى الإسلام كخصم مركزي في طريقها إلى هند تتبنى الثقافة الهندوسية، ومع توتر علاقة تركيا بالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، فمن المتوقع أن يترك ذلك أثاراً سلبية على علاقتها بحكومة مودي، وقد رأينا مصداق ذلك عند زيارة مستشار الرئيس التركي إبراهيم قالن للهند ومحاولته اقناع الحكومة الهندية باتخاذ موقف معارض لفرض عقوبات أمريكية على إيران، والتي فضّلت الانضمام إلى المحور الخليجي الإسرائيلي الأمريكي، وإيقاف استيراد النفط من إيران تماشياً مع المتطلبات الأمريكية.
 
الخليج
من الواضح أنّ الشراكة في مجال الطاقة بين الدول الخليج بالذات السعودية والإمارات من جهة والهند من جهة أخرى، ستعزّز مع فوز مودي بالسلطة ، خصوصاً مع فرض العقوبات الأمريكية على إيران واتجاه الهند لتأمين بديل عن النفط الإيراني الذي كانت تحصل عليه بشروط ميسرة، وقد شهدنا في فترة حكم مودي الأولى زيارتين له إلى المنطقة وزيارة محمد بن سلمان إلى الهند فضلاً عن زيارة لمسؤولين رفيعي المستوى من الطرفين، ولقد رأينا أن التقارب الهندي الإسرائيلي لم يؤثر على العلاقات بين الطرفين مما يجعل الهند تتقدم باطمئنان في علاقاتها مع دول الخليج التي يعمل فيها ملايين الهنود وتعد قبلة هامة للمستثمرين.
 
إسرائيل
بلغت العلاقات الهندية الإسرائيلية في عهد ناريندرا مودي مستويات غير مسبوقة في كل المجالات وخصوصاً الأمنيّة والعسكرية، في تحوّل كبير في السياسة الهنديّة التقليديّة التي كانت تتبنى مبادئ حركة عدم الانحياز، فانتقلت عملياً إلى سياسات واقعية انعكست على سبيل المثال في برود تعاطيها مع القضية الفلسطينية، وتحويلها إلى قضية إنسانية محدودة التأثير في السياسة الخارجية الهندية، وسط غياب أي قوة مكافئة للقوة الإسرائيلية في هذا المجال من الدول العربية التي تربطها علاقة طيبة مع الهند. من المتوقع، والحال هذه، أن تنمو العلاقات بين الطرفين في ظل حكومة مودي بوتيرة أسرع دون معوقات تذكر، وأن تبلغ مستويات غير مسبوقة قد تقود الموقف الرسمي الهندي من حالة التأييد البارد للفلسطينيين أو الحياد، إلى تبني المواقف الإسرائيلية ، كما فعلت قبل أيام حين صوّتت ضد انضمام جمعية “شاهد” الحقوقيّة الفلسطينية كعضو مراقب إلى المجلس الاقتصادي الاجتماعي (ECOSOC) التابع للأمم المتحدة، أو تجاهل السلبي منها.
 
الولايات المتحدة الأمريكية
تعتبر الولايات المتحدة الهند الشريك الطبيعي لها لمواجهة الصين ، وتعمل على تقوية التحالف الهندي الياباني الاسترالي لهذا الغرض. شهدت العلاقات الهندية الأمريكية قفزات نوعية على مدى العقود الثلاثة الماضية كان من أبرزها حصول الهند على ميزة الاستفادة من تكنولوجيا الفضاء والدفاع وفق تفويض التجارة الاستراتيجي، والذي يخوّل الهند ميزة شريك دفاع رئيس، كما تُعدّ الهند أكبر المستفيدين عالمياً من برنامج “نظام الأفضلية العام” (Generalized System of Preferences)، والذي يمنح بضائعها ميزة دخول السوق الأمريكية دون جمارك. ورغم التحديات التي تتصل بتعارض المصالح بين الطرفين ، فإنّ الولايات المتحدة ستحاول على الأرجح إزالة العوائق التي تقف أمام هذه الشراكة بكل الطرق الممكنة بما في ذلك مصالح الهند مع إيران وخصوصاً ميناء شاهبهر الايراني الاستراتيجي وشراكتها مع روسيا في مجال التسليح وخصوصاً صفقة إس-400، والتي كانت إحدى أهم أسباب توتير العلاقة بين أمريكا وتركيا. إنّ نظرة الولايات المتحدة للشراكة مع الهند هي نظرة استراتيجية بعيدة الأمد ، تضع اعتبار مواجهة الصعود الصيني فوق كل اعتبار ، وخير من يستطيع القيام بهذا الدور رئيس وزراء قوي ذو تفويض شعبي واسع، يحكم على أرضية ثابتة وكل هذه الصفات باتت تنطبق على ناريندرا مودي، ولذا فبقاءه في السلطة هو خبر سعيد للولايات المتحدة الأمريكية، وسنرى مفاعيل ذلك وتأثيراته على العلاقة بين الجانبين في القريب العاجل.
 
أخيراً، بات من الجليّ أنّ فوز رئيس الوزراء الهندي مودي بالسلطة للمرة الثانية على التوالي، سيعزّز من توجهاته التي اتخذها في الفترة الأولى، باتجاه شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة الصعود الصيني، والتي تمثّل انعكاساً لرغبته والإيدولوجيا التي يتبنها بجعل الهند القوة المهيمنة في جنوب آسيا، والارتقاء بها إلى مصاف الدول العظمى، وسيكرس سياسته الخارجية في الفترة المقبلة لتحقيق هذا الهدف.

للمزيد

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

الهند ترفض تقريرا أمريكيا ينتقد سجلها في الحريات الدينية

تم النشر قبل

في

بواسطة

التقرير أشار إلى استمرار الهجمات من جانب الجماعات الهندوسية المتطرفة ضد الأقليات لاسيما المسلمين طوال عام 2018، واتهم الحكومة بالعجز عن معالجة المشكلة

مصطفى كامل/الأناضول

رفضت الهند تقريرا لوزارة الخارجية الأمريكية تضمن انتقادات بشأن سجلها في مجال الحريات الدينية واتهم الحكومة بعدم اتخاذ إجراء لوقف هجمات مستمرة ضد الأقليات، لاسيما المسلمين، خلال العام الماضي.

وقال رافيش كومار، المتحدث باسم الخارجية الهندية في بيان: يكفل الدستور الهندي الحرية الدينية لكل المواطنين بمن فيهم الأقليات”، حسبما نقلت صحيفة “إنديا تايمز”، الإثنين.

وأضاف: “لا نرى مبررا لحكومة أجنبية أن تتحدث عن وضع المواطنين الهنود المحميين بالدستور”

وتابع: “تفخر الهند بوضعها العلماني كأكبر ديمقراطية ومجتمع تعددي يلتزم بالتسامح والاحتواء منذ زمن بعيد”.

وكان تقرير صادر عن الخارجية الأمريكية ، الجمعة، حول الحريات الدينية، قد أشار إلى “استمرار الهجمات من جانب الجماعات الهندوسية المتطرفة ضد الأقليات لاسيما المسلمين طوال عام 2018، لمجرد شائعات عن أن الضحايا تاجروا في لحوم الأبقار أو ذبحوها”.

وقال التقرير إن “إدارة (رئيس الوزراء الهندي نارندرا) مودي لم تعالج تلك المشكلة”.

ويمثل الهندوس، الذين يقدسون الأبقار ويمنعون بيعها وأكل لحومها، نحو 80 % من سكان الهند البالغ عددهم أكثر من مليار و300 ألف نسمة، وفق تقديرات 2015.

وتعد جماعة “حراس البقر” إحدى المجموعات الأهلية الهندوسية، التي تستخدم العنف لـ “حماية الأبقار” في الهند، حيث يُحظر ذبح أو بيع الماشية في معظم الولايات.‎

للمزيد

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

الانتخابات الهندية للعام 2019: مواقف ومسارات

تم النشر قبل

في

بواسطة

د. محمد مكرم بلعاوي ..

انطلقت يوم 11 أبريل المنقضي، الانتخابات الهندية العامة بنسختها السابعة عشرة، وسيشارك فيها حوالي 900 مليون مواطن هندي، سينتخبون 543 نائباً في مجلس النواب على سبعة مراحل، يمثلون 29 ولاية، في دورة ستستمر لمدة خمس سنوات، وسيتم الإعلان عن الفائز رسمياً يوم 23 مايو، في دولة تعتمد النظام البرلماني حيث تكون القوة الحقيقية في يد رئيس الوزراء.

أهمية الانتخابات الهندية العامة

ترتبط الهند تاريخياً بالعديد من دول العالم، ولطالما لعبت دوراً مؤثراً في السياسة الدولية على مدى حضارتها التي تمتد لقرون وآلفيات عديدة، وهي تُعدّ ثاني دول العالم بعدد السكان، وهي في طريقها للحلول مكان الصين قريباً في هذا المجال، كما أنّ اقتصادها، رغم أنّه لم يبلغ أقصى قوته، يعدّ من الاقتصاديات العشر الأولى على مستوى العالم، ولذا فإنّ تأثير سياسات النخبة الحاكمة في الهند لطالما مسّت باقي دول العالم سواءً في العهود الإسلامية أو فترة الاستعمار وكذلك فترة الاستقلال، لأجل كل ذلك، تعتبر الانتخابات العامة الهندية التي تفرز رئيس وزراء الدولة التي تنهج نهج الحكم البرلماني، واحدة من أهم الانتخابات على مستوى العالم، وهي الدولة الديمقراطية الأولى بالمقارنة إلى عدد الناخبين.

لماذا الانتخابات الهندية مختلفة هذه المرة عن سابقاتها

تتميز الانتخابات الهندية هذه المرة بأهمية خاصة على المستوى الداخلي الخارجي، أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ كثيراً من السياسيين والمراقبين يعدّون هذه الدورة الانتخابية أهم دورة في السنوات السبعين التي انقضت منذ استقلال الهند، إذ إنّهم يتوجسون خوفاً من إعادة انتخاب الحزب الحاكم، والذي يزعمون أنّه أحدث كثيراً من السياسات والقوانين التي تمسّ بعلمانية الدولة ومبدأ التعايش بين مكوّنات المجتمع والذي قامت عليه الدولة الهندية الحديثة، وأنّه في حال استكماله لمشروع القومي المتطرف فإنّه سيعمد إلى تكريس دولة الأغلبية الهندوسية، وهضم حقوق الأقليات من خلال تغيير الدستور، ما سيعني عملياً، ليس نهاية الحالة المجتمعية السائدة فحسب، ولكن نهاية الهند كما نعرفها اليوم[1]، أمّا في حالة فوز المعارضة فإنّ الهند ستحافظ على طبيعتها الديمقراطية الجامعة وهو ما سيعد مكسباً للديمقراطية في العالم.

كما أنّ هذه الانتخابات ستكون محورية في صناعة مستقبل الهند، والتي ستصبح قريباً أكثر دول العالم سكانًا، ما يعني مزيداً من الطلب على الغذاء وفرص العمل، فضلاً عن ضرورة استخراج مئات الملايين الهنود من تحت خط الفقر، كل ذلك ستحدده نتائج الانتخابات المقبلة.

أمّا على الصعيد الخارجي، فإنّ الهند تحاول اللحاق من الناحية الاقتصادية بغريمتها الآسيوية الصين، والتي باتت تمثلاً تهديداً كبيراً من وجهة النظر الهندية، وهذا أمر يحتاج إلى حكومة قوية تنهض بالبلاد وتقوم تغيير كبير في السياسة المحلية والدولية، وتقوم باستثمارات ضخمة على أكثر من صعيد.

تأثير الانتخابات الهندية على العالم العربي

للانتخابات الهندية تأثير كبير على العلاقة مع الدول العربية، خصوصاً دول الخليج، بالذات في مجال الاقتصاد، فهناك استثمارات متبادلة بعشرات المليارات، إذ يصل حجم التبادل التجاري إلى قرابة مائتي مليار دولار سنوياً، كما أنّ العمالة الهندية في هذه الدول تعدّ عصب الاقتصاد المحلي، فضلاً عن السياحة المتبادلة ومجالات الاستثمار الأخرى، كل ذلك سيتأثر سلباً أو إيجاباً بالضرورة، بسياسات الحكومة التي ستفرزها الانتخابات في الهند.

المشهد الانتخابي للعام 2019م

تجري انتخابات عام 2019م على وقع خسارات متتالية للحزب الحاكم في انتخابات الولايات التي جرت نهاية العام 2018م، وتقدم خصومه من الأحزاب المحلية وغريمه التاريخي حزب المؤتمر الوطني بزعامة راهول غاندي، والذي تشير استطلاعات الرأي أنّه قد فشل بكسب ثقة الناخبين كزعيم يمكن أن يحل محل رئيس الوزراء القوي ناريندرا مودي، ولكن مع ذلك فإنّ هذه الاستطلاعات تبيّن أنّ ناخبين يريدون معاقبة الحزب الحاكم لأسباب تتصل بسوء أدائه في الدورة السابقة، ولذا من المرجح أن تتوزع الأصوات التي سيخسرها الحزب الحاكم على الأحزاب المحلية وينال حزب المؤتمر جانباً هاماً منها أيضاً، بَيْد أنّ هناك أزمة حقيقة عند المعارضة التي لا تستطيع أن تتفق على ترشيح أحد قياديها كمنافس لمودي على منصب رئيس الوزراء.

لماذا فقد الحزب الحاكم الزخم الانتخابي

أظهرت نتائج الانتخابات الولائية التي جرت في بعض الولايات في نهاية العام 2018م تراجعاً حاداً في أداء الحزب الحاكم الانتخابي لصالح المعارضة، وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي المحايدة والتي أظهرت هي أيضاً أن أداءه في الانتخابات العامة سيواجه صعوبات حقيقية، وفيما يلي أهم أسباب هذا التراجع:

قرارات اقتصادية غير موفقة

كان السبب الرئيسي لفقدان مودي لشعبيته قراران اقتصاديان مثيران للجدل:

أولاً: سحب الأوراق النقدية ذات القيمة العالية من التداول بشكل مفاجئ في نوفمبر/تشرين ثان 2016، وثانياً: تطبيق ضريبة السلع والخدمات في يوليو/تموز 2017.

لقد أضرت هذه القرارات بالأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة وعقدّت وضع الاقتصاد الهندي، وقد تلقّى هذان القراران انتقادات حادة من قبل الاقتصاديين البارزين، والأهم من ذلك أنّهما لم يلقيا الرضى من أغلبية المواطنين العاديين.

البطالة

من المتوقع كذلك أن تتسبّب البطالة المتزايدة والضغط المتصاعد على قطاع الزراعة، بحدوث بعض الصدمات الانتخابية لمودي في عام 2019، إذ ارتفع معدل البطالة مرتفع باضطراد، ووصل إلى أعلى مستوى له في 45 عامًا، بالغاً ما نسبته 6.1 % في يونيو 2018، وفقًا لتقرير حكومي تم تسريبه إلى مجلة بزنيس ستاندرد، ويشير التقرير إلى أنّ واحدًا من بين كل خمسة هنود تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عامًا عاطلون عن العمل.

الزراعة

تواجه الزراعة ظروفًا متزايدة الصعوبة، مع ارتفاع التكاليف وانخفاض أسعار المحاصيل، علماً بأنّ هناك ما يقدر بنحو 263 مليون مواطناً يعملون في هذا القطاع، في الهند، مما يجعلها دائرة سياسية ضخمة.

موقف الجيش في الانتخابات الهندية

مثّل الهجوم الدموي على القوات الهندية في كشمير، في شهر فبراير 2019م والتي راح ضحيته أكثر من 40 جندي هندي، علامة فارقة في علاقة الجيش مع رئيس الوزراء والحزب الحاكم، إذ بدا واضحاً للمراقبين أنّ هذه الحادثة قد وقعت في وقت مواتٍ جداً بالنسبة للحزب الحاكم، وأنّه بطبيعته اليمنية وتاريخه المعروف بالعداء لباكستان، سيوظفها كرافعة في الانتخابات والتي بات على الأبواب، خصوصاً بعد تراجع أدائه في الانتخابات الولائية التي جرت قبل أشهر قليلة من الهجوم.

ترافق مع ردود الفعل العسكرية التي قامت بها الهند حملات إعلامية ضخمة، اضطرت المعارضة إلى تأييد الحكومة في إجراءاتها ولم يُسمع سوى صوت نقد خافت من بعض النشطاء للقصور في تأمين القوات ومساءلة المسؤولين عن ذلك، وقد رفعت، بكل تأكيد، التأييد الشعبي لرئيس الوزراء وحزبه، الذي ادعى أنّه أوقع خسارات فادحة في معسكرات الإرهابيين على الجانب الباكستاني وأدّب حكومته، فيما كشفت وسائل الإعلام العالمية أنّه هذه الدعاوى لا رصيد لها من الواقع، في وقت حرصت فيه باكستان على تبريد الوضع بسرعة من خلال تسليم الطيّار الهندي الأسير الذي وقع في قبضتها عقب اسقاط طائرته، فبدأ النقد يتصاعد تدريجياً لأداء الحكومة، واستغلال الجيش من أجل تجييش العواطف الشعبية لصالحها، وهو ما أثار على ما يبدو، حتى بعض قيادات الجيش التي طالما التزمت الحيادية في موضوع السياسة الداخلية، أبرز تجليات ذلك كانت الرسالة التي نشرتها وسائل الإعلام الهندية الموقعة من قبل مجموعة من كبار الضباط المتقاعدين، ثمانية منهم رؤساء أركان سابقين وأكثر من 100 من المحاربين القدامى، والتي وجهوها إلى رئيس الدولة رام ناث كوفيند، يطالبون فيها بعدم توظيف الأحزاب السياسية للجيش سياساً، وجاء فيها المطالبة أيضاً بالمحافظة على علمانية الجيش وحياديته، وجاء في الرسالة “نناشدكم التأكد من الحفاظ على الطابع العلماني والسياسي للقوات المسلحة، وأشارت إلى ممارسات غير مقبولة قام بها القادة السياسيون بكشف الإجراءات العسكرية، ووصف القوات المسلحة بأنها “جيش مودي”.

ورغم نفي مكتب الرئيس بتلقي رسالة من هذا النوع وتنصل بعض الموقعين منها، فإنّها تطور مثير للاهتمام، لأنّها ظهرت في اليوم الأول من التصويت في انتخابات ينظر إليها إلى حد كبير على أنها استفتاء على رئيس الوزراء ناريندرا مودي[2].

مواقف القوى الدولية وتأثير ذلك المحتمل على الانتخابات

الموقف الأمريكي

هناك سببان هامان يجعلان الولايات المتحدة الأمريكية تفضّل بقاء مودي في الحكم، أهمها أنّها تعوّل كثيراً على الهند في مواجهة الصعود الصيني، ولذا فإنّها معنية بأنّ من يحكم الهند حكومة قوية تستطيع إدارة الدولة بكفاءة، وذات توجه يميني يمكنها أن تحشد الشعب خلفها تحت دعاوى وطنية، وهذا أمر لا يتوافر مع أية حكومة غير حكومة مودي، سواء شكلها حزب المؤتمر الذي يتعتبر تاريخياً حزب معارض للاستعمار رغم خلافه مع الصين، أو حكومة ائتلافية ستكون ضعيفة وغير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في موضوع بهذا الحجم.

السبب الثاني، وهو التوافق الكبير بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ذو الخلفية اليمينية ورئيس الوزراء ناريندرا مودي، ولن يجد ترامب من يتكامل معه في السياسات والتوجهات مثل مودي وخصوصاً أنّ لديه علاقة قوية جداً مع بنيامين نتنياهو، وهو أمر هام للغاية في هذا السياق.

الموقف الصيني

خلافاً للولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو أن الصين لا تفضل بقاء اليمين في السلطة، بسبب سياسته المتصلّبة بخصوص التكامل مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية واليابان لإجهاض الصعود الصيني في قارة آسيا، ولذا فإنّه على الأرجح سيفضل حكومة أكثر براغماتية يمكنها أن تضمن الاستقرار في المنطقة وعدم استنزافها بمواجهات سواء مع الصين أو حليفها المقرب باكستان، وهو ما ينسجم مع سياسة الصين التي تقوم على ترسيخ الاستقرار كأرضية حتمية للنمو الاقتصادي.

الموقف الباكستاني

من الواضح أنّ باكستان ليست معنية اليوم بمواجهات مع الهند تستنزف وضعها الاقتصادي المتردي، وخصوصاً وأن رئيس الوزراء الجديد جعل مهمته المعلنة اصلاح الاقتصاد والارتقاء بالمستوى المعيشي للناس، وهو يشترك مع الصين في هذا التوجه، وقد انعكس ذلك في المواجهة القصيرة الأخيرة مع الهند والتي عمل على إنهائها بأقصر وقت ممكن مع توظيف الجوانب الدعائية لمصلحته، وكان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قد عبّر لبعض الصحفيين قبل أيام عن اعتقاده أنّ حكومة هندية يمينيّة قوية وحدها قادرة على تسوية المشكلات بين البلدين، وخصوصاً في كشمير، وهو ما يؤكده استقراء العلاقة بين البلدين في ظل حكم اليمين الهندي، أمّا إذا جاءت حكومة ائتلافية فإنّها ستكون أضعف من أن تقوم بهذا الدور، لذا فرغم عدم التوافق الأيدولوجي والسياسي بين الطرفين، فإنّ الباكستانيين اليوم قد يكونون راغبين بدعم حكومة يرأسها مودي أكثر من غيره.

الموقف الخليجي

بات من المعروف أن الموقف الخليجي قريب جداً من الموقف الأمريكي الإسرائيلي، والذي يرى في اليمين الهندي مكملاً له، ولذا فإنّ دول الخليج وخصوصاً الإمارات ستنسجم مع حكومة مودي أكثر من أية حكومة أخرى يمكن أن تأتي إلى السلطة، كما أنّ العديد من المشاريع البينية والسياسات الاقتصادية والأمنية تم توقيعها في زمنه، ويمكن أن يؤدي تغييره إلى قدر من الضرر أو عدم الاستقرار لهذه الملفات، ولذا فإنّ دول الخليج ستكون راغبة باستمرار مودي في الحكم، وخصوصاً أن البديل سيكون حكومة إتلافية-على الأرجح- وستكون أضعف من أن تتخذ سياسات جريئة في العلاقات الخارجية.

الموقف الإسرائيلي

تعد إسرائيل وبنيامين نتنياهو من أشد المؤيدين لناريندرا مودي وحكومته، وستعمل بكل ما أوتيت من علاقات ومقدرات على بقائها في الحكم وخصوصاً بعد نجاح نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخرى، وهو يعوّل على تحوّل أكبر في موقف الهند تجاه القضية الفلسطينية، ومزيد من التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري.

غرد ناريندرا مودي عشية فوز بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية قائلاً: “صديقي العزيز بيبي، مبروك! أنت صديق عظيم للهند، وأتطلع إلى مواصلة العمل معكم من أجل الارتقاء بشراكتنا الثنائية إلى آفاق جديدة”. في إشارة واضحة أنّه يتوقع الاستمرار في الحكم.

السيناريوهات المحتملة

هناك العديد من السيناريوهات النظرية التي يمكن أن تطرح في سياق التنبؤ بمآلات الانتخابات العامة الهندية، منها على سبيل المثال فوز الحزب الحاكم بأغلبية مقاعد مجلس النواب، وهو بالنظر إلى الأداء السلبي للحزب الحاكم خلال الدورة السابقة، وانحدار نتائجه في الانتخابات الولائية التي أجريت في نهاية عام 2018م، وتراجع أدائه في استطلاعات الرأي، فإنّه من غير المرجح أن يحصل عدد المقاعد التي تؤهله أن يُشكّل الحكومة منفرداً، ولذا فإن هذا السيناريو غير مرجح على الإطلاق، أمّا الثاني، فهو فوز أحد أحزاب المعارضة بأكبر كتلة من المقاعد النيابية، ويبدو هذا السيناريو من خلال الاستناد على استطلاعات الرأي غير مرجح، وإن كان أداء أحزاب المعارضة سيتحسن بشكل كبير وسيؤدي ذلك إلى تآكل حصة الحزب الحاكم، ولذا فإنّنا لن نرى على الأرجح حزباً واحداً سيتفوق انتخابياً على الحزب الحاكم، حتى حزب المؤتمر الوطني الهندي الذي حكم الهند لعقود.

السيناريو الثالث هو تحالف بين الحزب الحاكم وأحزاب من المعارضة، يمكن أن يكون هذا السيناريو وارداً ولكنّه غير مرجح أيضاً، إذ أنّ أحد أهم أسباب نجاج أحزاب المعارضة هو معارضتها لسياسات الحزب الحاكم الممقوتة شعبياً، ولذا فإنّ التحالف معه سيضعه في موقف أقوى ويمكن أن يقدم بعض المكاسب لهذه الأحزاب، إلاّ أنّ سيطيح بشعبيتها ويمكن أن يؤدي إلى انشقاقات كبيرة فيها، وهو ما يُعد محاولة للانتحار، لذا فمن غير المرجح أن تنضم أحزاب معارضة كبيرة إلى الحزب الحاكم حتى لو كانت المغريات كبيرة.

السيناريو المرجح

لكن بالنظر إلى مجريات السياسة الداخلية الهندية فإننا يمكن أن نحصرها بسيناريوهات محدودة، فيبدو أن السيناريوهين الأقوى هما إمّا أن يحكم الحزب الحاكم بتحالف مع بعض الأحزاب الولائية، وهو الأرجح على ما يبدو بسبب أنّه ما زال يتمتع برصيد شعبي كبير وخصوصاً داخل قطاعات واسعة من الأغلبية الهندوسيّة، ولكن سيكون أمام تشكيل تحالف من هذا النوع صعوبات كبيرة، لأنّ غالبية الأحزاب التي انضمت إلى تحالف الحكومة سابقاً، لم تنضم لأسباب فكريّة، بل لأنّ أداء الحزب الحاكم كان كاسحاً وأرادت هذه الأحزاب أن تحقق بعض المصالح من الانضمام إليه، ولكن عندما يضعف أداؤه فإنّ مصلحة تشكيل تحالف من هذا النوع ستكون أضعف، ولذا فإنّ الأحزاب التي ستنضم إلى هذا التحالف ستطالب بمصالح أكبر وحصص أكبر في الحكومة، وهو ما سيضعف أداء الحزب الحاكم بكل تأكيد ويقوده إلى مزيد من تآكل شعبيته ومصداقيته، الأمر الذي يمكن أن يودي بفرصه بالعودة إلى الحكم في المستقبل.

السيناريو القوي الثاني وهو الأقل ترجيحاً بينهما، وهو أن يحكم تحالف المعارضة ما يعني أنّ الهدف من الانتخابات سيتلخص بمعاقبة الحزب الحاكم على إخفاقاته أثناء فترة حكمه، وليس وضع ثقة الناخبين في زعامة يمكن أن تقود البلاد نحو وضع أفضل، بالطبع يمكن للمعارضة أن تفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب، ولكن ليس من المضمون أن تشكّل تحالفاً حاكماً، وخصوصاً أنّ شعبية راهول غاندي رئيس حزب المؤتمر، وهو أكبر أحزاب المعارضة وأعرقها، في استطلاعات الرأي متدنيّة للغاية، وهذا يفسر سبب عدم تسمية المعارضة لمرشح لرئاسة الوزراء مقابل ناريندرا مودي، وكما أنّ أداء هذه الأحزاب أثناء فترة الإعداد للانتخابات وخلافاتها الكبيرة على تقاسم الدوائر، ينبؤ بخلافات أكبر على السلطة في حالة الفوز، وهي إن استطاعت أن تشكل الحكومة، فإنّها ستكون حكومة ضعيفة تتحكم بها مجموعة كبيرة من الأحزاب التي لها مصالحها المتعددة والمتعارضة أحياناً أمام حزب معارض قوي لها أيدولوجية صلبة وكوادر مخلصين ذوو تأهيل سياسي وتنظيمي عال، الأمر الذي لن يمكنها من تقديم إنجازات حقيقية وقد لا تستطيع إكمال دورتها كاملة واللجوء إلى انتخابات مبكرة، وخصوصاً إذا كان وصول المعارضة إلى الحكم قد تمّ بإرادة وترتيب حزب بهراتيا جانتا، على أمل أن تكون فترة حكم تحالف المعارضة بالغة السوء، فيضطر الناخبون إلى العودة إلى تأييده في الدورة الانتخابية القادمة.

في أي من هذين الاحتمالين فإنّ البلاد مقدمة، على الأرجح، على فترة من الاضطراب السياسي بسبب اضطرار كلا الفريقين، إن وصل إلى الحكم، إلى اللجوء إلى التحالف مع الأحزاب الصغيرة، والتي ستضعف الحكومة بطلباتها وتنازعها، ولن تمكنها من اتخاذ خطوات جريئة في أي من الملفات الهامة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومحاولة المعارضة التي ستكون قوية، تعطيل الطرف الحاكم واثبات أنّه لا يستحق موقعه في الحكومة.

توصيات

يمكن تقديم بعض التوصيات المتصلة بالانتخابات بنتائجها المتوقعة إلى القوى العربية والإسلامية التي لها علاقة بالهند، أهمها ما يأتي:

أولاً: عدم الإعلان عن انحياز لأي من الفرقاء السياسيين، لأنّ ذلك لن يسهم سوى في إضعاف الطرف المرغوب وبنفس الوقت استعداء لخصومه، وخصوصاً في حالة فوزهم.

ثانياً: التأنّي باتخاذات أية مبادرات اقتصادية أو سياسيّة تجاه الهند ودراستها مطولاً، لأنّ هامش المخاطرة في المرحلة القادمة، على الأرجح، سيكون أكبر.

ثالثاً: عدم توقع أي تغير جوهري بالسياسة الخارجية الهندية، بغض النظر عمّن سيحكم في الفترة المقبلة.

الخلاصة

ستقود الانتخابات الهندية الحالية، إلى حكومة تمارس أعمالها في وضع قلق بسبب اضطرارها إلى نسج تحالفات مع الأحزاب الصغيرة، الأمر الذي من المرجح أن يترك أثراً سلبياً على الاستقرار السياسي والاقتصادي في المرحلة القادمة، وتصعف قدرتها على عمل اخترقات ذات بال في مجال علاقاتها الدولية، بغض النظر عمّن يحكم البلاد

للمزيد

Trending