تواصل معنا

تم النشر قبل

في

التقرير أشار إلى استمرار الهجمات من جانب الجماعات الهندوسية المتطرفة ضد الأقليات لاسيما المسلمين طوال عام 2018، واتهم الحكومة بالعجز عن معالجة المشكلة

مصطفى كامل/الأناضول

رفضت الهند تقريرا لوزارة الخارجية الأمريكية تضمن انتقادات بشأن سجلها في مجال الحريات الدينية واتهم الحكومة بعدم اتخاذ إجراء لوقف هجمات مستمرة ضد الأقليات، لاسيما المسلمين، خلال العام الماضي.

وقال رافيش كومار، المتحدث باسم الخارجية الهندية في بيان: يكفل الدستور الهندي الحرية الدينية لكل المواطنين بمن فيهم الأقليات”، حسبما نقلت صحيفة “إنديا تايمز”، الإثنين.

وأضاف: “لا نرى مبررا لحكومة أجنبية أن تتحدث عن وضع المواطنين الهنود المحميين بالدستور”

وتابع: “تفخر الهند بوضعها العلماني كأكبر ديمقراطية ومجتمع تعددي يلتزم بالتسامح والاحتواء منذ زمن بعيد”.

وكان تقرير صادر عن الخارجية الأمريكية ، الجمعة، حول الحريات الدينية، قد أشار إلى “استمرار الهجمات من جانب الجماعات الهندوسية المتطرفة ضد الأقليات لاسيما المسلمين طوال عام 2018، لمجرد شائعات عن أن الضحايا تاجروا في لحوم الأبقار أو ذبحوها”.

وقال التقرير إن “إدارة (رئيس الوزراء الهندي نارندرا) مودي لم تعالج تلك المشكلة”.

ويمثل الهندوس، الذين يقدسون الأبقار ويمنعون بيعها وأكل لحومها، نحو 80 % من سكان الهند البالغ عددهم أكثر من مليار و300 ألف نسمة، وفق تقديرات 2015.

وتعد جماعة “حراس البقر” إحدى المجموعات الأهلية الهندوسية، التي تستخدم العنف لـ “حماية الأبقار” في الهند، حيث يُحظر ذبح أو بيع الماشية في معظم الولايات.‎

اضغط هنا للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

السياسة الخارجية الهندية بعد انتخابات 2019

تم النشر قبل

في

بواسطة

الكاتب: د. محمد مكرم بلعاوي
الناشر: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية
 
مثّل الفوز الكبير لحزب الشعب الهندي (BJP) بالانتخابات العامة الهندية التي تم الإعلان عن نتائج يوم 23 مايو/أيار، مفاجأة كبيرة لأكثر المراقبين والمحللين السياسيين، سيحاول هذا التقرير البحث في انعكاسات هذا الفوز الكبير على علاقات الهند الخارجية، استكشاف في آثارها على الصعيد الأقليمي والدولي.
 
أولاً: الصعيد الأقليمي
ونقصد بها دول منظمة سارك SAARC، وهي كل من سريلانكا، والمالديف، ونيبال، وبوتان، وبنغلاديش، وأفغانستان، وباكستان، والتي تعتبرها الهند-تقليدياً- دائرة نفوذها الإقليمي أو الفناء الخلفي لها، وسنلقي بإيجاز بعض الضوء على تأثيرات هذا الفوز على سياسة الهند تجاه هذه البلدان.
 
سريلانكا
تعود علاقة الهند بسريلانكا إلى آلاف خلت من السنين، وهي علاقة غير متكافئة من ناحية المبدأ بسبب تفاوت الحجم والتأثير، إذ طالما نظرت سريلانكا إلى الهند على أنّها الأخ الأكبر الذي لا بد من التعايش معه، والاستفادة من جواره دون التعرض لتغوله وغضبه، وخصوصاً أنّ شمال سريلانكا تشترك مع جنوب الهند بقوميّة التاميل والتي كانت إحدى أسباب التدخل الهندي الدائم في سريلانكا سياسياً وأحياناً عسكرياً، ولطالما اُعتبرت الهند الدولة الأكثر تأثيراً في سريلانكا على جميع الصعد بما في ذلك الصعيد الأمني، غير أنّ السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية السريلانكية مع التاميل، شهدت تحوّل سريلانكا نحو الصين لجلب الاستثمارات في البنية التحتيّة ولإحداث نوع من التوازن الاستراتيجي في علاقتها مع الهند، وانعكس ذلك سلباً على تدخّل كل من الدولتين في السياسة الداخلية السريلانكية ومحاولة التأثير على نتائج الانتخابات المحلية ودعم بعض فرقاء الحكم، وهو ما أوجد نوعاً من المواجهة بالوكالة بين الهند والصين، ويتوقع أن تزداد وتيرة ذلك مع تعزيز رئيس الوزراء ناريندرا مودي لقبضته على الحكم في الهند وطموحه للعب دور خارجي يعيد للهند مكانتها بين الأمم بما يتوافق مع رؤيته القومية.
 
المالديف
ما سبق وصفه من طبيعة العلاقة بين سريلانكا والهند وحالها، ينطبق إلى حد كبير على المالديف والتي شهدت هي أيضاً نزاعاً على السلطة دعمت الهند أحد أطرافه والصين الطرف الآخر، ويشترك هذان البلدان، بأنّهما يقعان على خط الحرير البحري الذي تسعى الصين إلى إحيائه لتسهيل تدفق تجارتها إلى بقية العالم، وهو ما ستحاول الهند الحد منه قدر الإمكان في المستقبل لأنّها ترى فيه تهديداً لنفوذها الإقليمي.
 
نيبال
تاريخياً كانت مملكة نيبال هي الدولة الوحيدة التي تصف نفسها بدولة هندوسيّة، ولكن هذا الوضع تغيّر عقبة ثورة قادها الشيوعيون الماويون والتي تكللت عام 2008م ضمن أسباب أخرى، بإعلان نيبال نفسها جمهورية فدرالية علمانية ، وهو ما شكّل ضربة موجعة للنفوذ الهندي في هذا البلد الذي ترتبط غالبية شرايين حياته بها، وعندما حاولت الضغط على الحكومة المحلية قامت هذه الأخيرة بفتح الأبواب أمام النفوذ الصيني ما جعل الهند أمام وضع صعب، خصوصاً ما يرتبط بموقفها الرافض للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية التي أخذت مشاريعها تنتشر في المنطقة المحيطة بها رغم التمنّع الهندي ، وهو ما سيؤدي إلى تآكل تدريجي للنفوذ الهندي في هذا البلد بشكل سريع، ولذا فمن المرجح أن تمارس نيودلهي مزيجاً من سياسة الترغيب والترهيب على كتماندو خلال الفترة القادمة حتى تحول دون تحوّل التوسع الصيني فيها إلى كابوس حقيقي.
 
بنغلاديش
تتمتع الهند بنفوذ كبير في بنغلاديش حيث ينظر إليها على أنّه القوة الأساسية التي كانت وراء استقلال باكستان الشرقية (لاحقاً بنغلاديش) عن باكستان عام 1971م، غير أنّ الخلافات بين الطرفين وإن كانت محدودة نسبياً دفعت حكومة رئيسة الوزراء البنغلاديشية السابقة، خالدة ضياء إلى دعم الانفصالين الهنود الأمر الذي تغير عندما تم انتخاب زعيمة حزب عوامي شيخة حسينة -بنت شيخ مجيب الرحمن مؤسس بنغلاديش- رئيسة للوزراء، فقادت سياسة تقارب مع الهند توّجتها بزيارتها إلى الهند عام 2018م والتي تم خلالها الاتفاق مع حزب الشعب الهندي بقيادة مودي على عدة قضايا منها حل الخلافات الحدودية والتنازع على مياه الأنهار المشتركة وتوقيع اتفاقيات متعددة في مجالات التعاون العسكري والاقتصادي وتوليد الطاقة واستخدام مينائي بنغلاديش الرئيسين تشيتاغونغ ومونغلا، ويتوقع أن يتصاعد هذا التعاون بين الطرفين خلال المرحلة القادمة وسط مخاوف الهند من دخول الصين إلى بنغلاديش.
 
أفغانستان
تعتبر أفغانستان قطعة أساسية في أحجية السياسة الخارجية الهندية منذ الاستقلال، فلطالما دعمت حكومة الهند الحكومات المتعاقبة أفغانستان ما عدا حكومة طالبان التي اعتبرتها تهديداً أمنياً للهند بسبب علاقاتها القوية مع الاستخبارات العسكرية الباكستانية وتبنّيها لمجموعات كشميريّة انفصالية ومجموعات تصنفها الهند إرهابية، وقد قدّمت الهند مليارات الدولارات على مدى العقود الماضية لأفغانستان كقروض ومساعدات، في مجالات متعددة منها العسكري والأمني والزراعي والصحي والتعليمي والبنية التحتية، وذلك لأنّها تنظر إلى أفغانستان كممر أساسي للتجارة والطاقة للوصول إلى وسط آسيا، كما أنّ أفغانستان تعتبر في طليعة دول العالم بوفرة المعادن الهامة والغاز والتي لم يتم الاستثمار فيها بعد، لذا فإنّ الهند تطمع أن يكون لها حصة هامة في هذا المجال. من الهام أيضاً إدراك أنّ هناك نظرية هندية تسمى بـ”دولاب أشوكا”، وتقضي بأن تضع الهند خصومها بينها وبين أصدقائها، ولذا نفهم تقارب الهند مع اليابان وروسيا ثم أفغانستان وإيران، ما يضع كل من الصين وباكستان بين الهند التي تقع في مركز الدولاب وهذه الدول التي تمثل طوق الدولاب. مع استمرار حكومة مودي في السلطة فإننا سنشهد مزيداً من التعاون مع أفغانستان واستمراراً لنفس السياسة والتي تهدف إلى توسيع قدرة الهند على الوصول إلى الخامات الطبيعية وأسواق الطاقة وتأمين حدودها الغربية ضد الإرهاب.
 
بوتان
تُعد مملكة بوتان والتي تقع جنوب شرق الهند، ذات تأثير محدود في الإقليم حيث لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة، وتكمن أهميتها بالنسبة للهند بأنّها يمكن أن تشكل مدخلاً للنفوذ الصيني، ولذا فإنّها تحرص دائماً على ربط بوتان بها بشكل عضوي لمنع حدوث ذلك، وهو ما سيستمر على الأرجح خلال الفترة القادمة.
 
باكستان
تتصف علاقة الهند بباكستان بالتعقيد والعدائية منذ الاستقلال عام 1947م، ولطالما كان هذا العداء بين الطرفين سبباً لتأجيج الشعور الوطني على الجانبين ودعم السياسات الشعبوية التي تقدّم الأمن القومي على اعتبارات التنمية والرخاء الاقتصادي، وقد شهدنا جانباً من هذا في المواجهة المحدودة الأخيرة التي جرت بدايات هذا العام بين الطرفين. غير أنّ الهند تدرك تماماً أنّ باكستان كما هي عامل هام لاستنزاف قوتها فيمكن أن تكون سبباً هاماً في تسهيل تطورها الاقتصادي، ولذا نجد السياسة الهنديّة تجاه باكستان تتأرجح دائماً بين البراغماتية والعداء. وتكمن أهمية باكستان في عدة ملفات:
تحالف باكستان مع الصين
نشأ تحالف قوي منذ بداية الخمسينيات بين باكستان والصين مع أنّ الأولى كانت تصطف مع العالم الغربي والثانية في الطرف المقابل، غير أنّ العداء المشترك للهند جعل الطرفين يقتربان من بعضهما البعض، والذي تطور بشكل تدريجي إلى مستوى تحالف وعلاقة توصف في البلدين على أنّها “علاقة جميع الفصول” . دخل هذا التحالف مستويات متقدمة مع مرور السنوات خصوصاً بعد البرود التدريجي في علاقة باكستان مع الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن الحالي وانحياز هذه الأخيرة إلى الهند لمحاولة إضعاف الصين، وهو ما يجعل الهند تقع بين فكي كماشة تحيط من جميع الجوانب سوى من الجنوب حيث المحيط الهندي، مما يعني عملياً تحيّيد قدراتها الاستراتيجية.
دعم الانفصال والإرهاب
اتصفت علاقة الهند مع باكستان بالعداء منذ الأيام الأولى لانفصال الطرفين عقب الاستقلال كما أسلفنا، وكانت من ذلك المواجهات العسكرية المتعددة على منطقة كشمير المتنازع عليها بين الطرفين، ثمّ عملت الهند على دعم انفصال باكستان الشرقية عام 1971م عن باكستان وتحولها إلى دولة بنغلاديش، ولذا فإنّ الحرب بين الطرفين أخذت أشكالاً متعددة منها الحرب المخابراتية، والتي تعمل عادة على استنزاف الطرف الآخر بدعم جماعات انفصالية أو إرهابية، وهو ما تتهم الهند به باكستان، ولذا فإنّ علاقة أفضل بين الطرفين يمكن تخفف من الأضرار التي تسببها هذه الجماعات، حيث أصبحت السيطرة من خلال نشر مئات الآف من الجنود في كشمير عملية مكلفة للغاية.
سباق التسلح
تكرّس كلا البلدين موازانات هائلة لرفع كفاءتهما القتالية، بما في ذلك تصنيع السلاح النووي وتطور صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، والحصول على آخر التقتنيات المتوافرة في هذا المجال، ما يعني استنزافاً هائلاً للموارد الوطنية في بلدين ناميين يمكن لهذه الأموال أن ترفع فيهما مستوى التنمية وتخرج مئات الملايين من البشر من الأمية ومن تحت خط الفقر.
ممر شبه إجباري إلى بقية العالم
تحيط بالهند موانع طبيعيّة كبيرة من كل الجوانب تقريباً سوى من جهة باكستان، فالهند لها شكل هرم مقلوب يحيط بجانب هام من ضلعيه الشرقي والغربي المحيط الهندي، ومن الشرق والشمال سلسلة جبال الهملايا وهي الأعلى عالمياً، أمّا اتصالها الحقيقي يجب أن يكون من جهة الغرب، ولذا فإنّ الخطوط البرية الذاهبة إلى أواسط آسيا سواء عبر أفغانستان أو إيران يجب أن تمر بباكستان أولاً، ما يجعلها البوابة البرية الأساسيّة للهند على العالم، وقد شهدنا خلال الأشهر الماضية كيف ارتفعت اسعار تذاكر الطيران إلى الهند بسبب اضطرارها لتجنب الطيران فوق باكستان نتيجة للمواجهة العسكرية بينهما، فضلاً أن خطوط الغاز القادمة من كل من إيران وتركمنستان يجب أن تمر من باكستان.
شريك تجاري هام
لا يمكن إغفال أن باكستان بسكانها الذين يقرب عددهم من مائتي مليون نسمة، ويشتركون مع الهند بجانب هام من ثقافتها تمثّل سوقاً هاماً للبضائع والخدمات الهندية، وهو ما يمكن أن يسهم بإعطاء دفعة هامة للاقتصاد الهندي الطامح، وخصوصاً إذا تمّ تفعيل منظومة الشراكة بين دول منظمة سارك.
ترجيح تحسّن العلاقات بين الهند وباكستان
سيلعب الطرف الأمريكي دوراً هاماً في علاقة الهند بباكستان خلال المرحلة القادمة، فرغم الفتور الذي أصاب العلاقات الأمريكية الباكستانية خلال العقدين الماضيين، فإنّ هذا الفتور والانحياز الأمريكي إلى الهند أدّى إلى الدفع بباكستان إلى أحضان الصين، وهو ما سيجعل انتصار أمريكا في صراعها مع الصين في قارة آسيا، أمراً بالغ الصعوبة. صحيح أنّ أمريكا استمالت الهند إلى طرفها وهي تعدّ المعادل الموضوعي للصين في القارة الآسيوية رغم الفارق الواضح بينهما في القدرات، وتريد توظيفها في مواجهة الصين، إلاّ التحالف الحالي بين الصين وباكستان يشلّ قدرات الهند ويمنع الولايات المتحدة من الاستفادة منها.
بات من المرجح إذن، أن تعمد الولايات المتحدة الأمريكية إلى استمالة باكستان إلى جانبها مجدداً، وتحاول دق إسفين في العلاقة بين باكستان والصين، من خلال استخدام علاقات باكستان مع دول الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية، والضغط على الهند من أجل تحسين العلاقة مع باكستان وهو أمر في صالح الهند أيضاً للأسباب التي سبق ذكرها، ولا غرابة إن شهدنا خلال الفترة القادمة مع تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تحسناً كبيراً في العلاقة بين الهند وباكستان، ومحاولة حل المشاكل المزمنة بين الطرفين وخصوصاً الصراع على منطقة كشمير، وهو ما كان رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، قد ألمح إليه أثناء الحملة الانتخابية الهندية ، عندما ذكر أنّ حزب الشعب الهندي سيكون بقوته، أكثر الأحزاب قدرة على حل المشكلات مع باكستان .
 
ثانياً: الصعيد الآسيوي
الصين
نظرت الهند بكثير من القلق إلى احتلال الصين للتبت عام 1951م، ورأته كمحاولة للسيطرة على منطقة الهملايا التي تنبع منها غالبية أنهار الهند وتعدها منطقة حيويّة من الناحية الاستراتيجية، الأمر الذي تفاقم بحدوث الحرب الحدوديّة في الهملايا بينهما عام 1962م، والتي مرحلة فارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، ورغم أنّ سياسات الهند في ذلك الوقت كانت توصف بالاشتراكية فهي عضو مؤسس لحركة عدم الانحياز، فإنّ ذلك لم يمنع النزاع بين الطرفين، الأمر الذي كان يعارضه الاتحاد السوفياتي حينها، وانحاز إلى طرف الهند على حساب الصين، مزوّداً أياها بالسلاح الروسي لمواجهة الصين، الأمر الذي استمر حتى اليوم رغم تقارب الهند مع الولايات المتحدة الأمريكية.
اتسمت العلاقة بين البلدين بكثير من الشك والتوجس، إذ تنظر الهند إلى النمو والتوسع الصيني بأنّه يأتي على حسابها، وتعدّه محاولة لمزاحمة الهند على نفوذها الإقليمي، والقضم من فرصها الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، رغم الفوائد التي يمكن أن تجنيها من مبادرة الحزام والطريق الصينية ومحاولات الصين الحثيثة لإقناعها بالانضمام إليها ، ما زالت مترددة في هذا المجال وذهبت باتجاه نسج علاقات أكثر دفئاً مع اليابان ومحاولة بناء خطوط برية وبحرية تنافس المبادرة الصينية، متمثلة بالتعاون مع إيران بافتتاح ميناء تشبهار على بحر العرب، والذي يفترض أن تقطع الخطوط البرية المنطلقة منه، كلاً من أفغانستان وإيران باتجاه آسيا الوسطى وروسيا.
إنّ شراكة الهند مع كل من اليابان وروسيا وأفغانستان، كما أشرت سابقاً، تهدف -على الأرجح- إلى تكوين تحالف يحدّ من قدرات الصين على التحول إلى “مهيمن إقليمي” Regional Hegemon، يستبد بالقارة الآسيوية، في طريقها إلى التحوّل إلى قوة تنازع الولايات المتحدة الأمريكية على سيادة العالم، وهو مقام تعدّه إيدولوجيا القوى المسيطرة في هند اليوم، استحقاقاً هنديّاً، لذا فإننا –على الأرجح- سنشهد في ظل الدورة الثانية لناريندرا مودي، محاولات هندية حثيثة للتضييق على الصين في دول منظمة سارك من خلال التأثير على نتائج الانتخابات فيها والإتيان بحكومات أكثر ولاءً للهند، وضخ مزيد من القروض والمساعدات، وزيادة الاستثمارات فيها، فضلاً عن توظيف النفوذ الأمني الذي قد لا يكون بعيداً عن معادلات الصراع مع الصين في المستقبل.
 
اليابان
دون شك سيكون خبر بقاء مودي في السلطة خبراً مفرحاً لليابان ، التي اشترت مؤخراً سرباً من طائرات إف 35 أمريكية الصنع ، والتي تُعدّ الأحدث عالمياً ما يُعد تطويراً لقدرات اليابان العسكرية في مواجهة التنين الصيني بمساعدة أمريكية. إنّ هذا البقاء سيعزّز التحالف الهندي الياباني لمواجهة الصين في القارة الآسيوية والتي سبق وأن أشرنا إلى أنّها تحاول بناء شبكة طرق بديلة عن مبادرة الحزام والطريق الصينية ومواجهة التحالف الصيني الباكستاني بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، ووجود شخصية قوية مثل مودي بتفويض شعبي غير مسبوق –تقريباً- سيصب بكل تأكيد في المضي قُدماً في هذا الاتجاه.
 
روسيا
تعتبر روسيا شريكاً استراتيجياً للهند منذ أيام الاتحاد السوفياتي ، الذي وقف إلى جانب الهند في حربها عام 1962م ضد شقيقته الشيوعية، الصين، ومنحها وقتها المعدات العسكرية والأموال التي تواجه بها الصين، وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى الشقاق بين الصين والاتحاد السوفياتي والذي تجلى في أوضح صوره في الحرب الحدودية بين الطرفين على جزيرة دامناتسكي عام 1969م. رغم التطور المطرد في علاقة الهند بالولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ أنّها لا ترى أيّ تعارض بينها وبين علاقتها في روسيا، والتي تعتبر المزوّد الرئيس للقوات المسلحة الهندية بالتسليح المتطور.
بات من الواضح كما أسلفنا، أنّ الهند تعتبر الصين التحدي الاستراتيجي الأول لها، وهي تعمل على مواجهتها في قارة آسيا بكل الوسائل المتاحة، ولذا فإنّ بقاء رئيس الوزراء ناريندرا مودي لدورة أخرى، سيعزّز هذا التوجّه وربما تحاول الهند بمساعدة كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، أنّ ترتقي بعلاقاتها بروسيا على أمل إضعاف شراكتها مع الصين، في محاولة لعزل الصين والتقليل من أثرها.
 
دول منظمة شنغهاي للتعاون
تضم منظمة دول شنغهاي إلى جانب روسيا والصين كل من طاجيكستان وكازخستان وقرغيزستان، وأوزبكستان، كل من الهند وباكستان واللتان انضمتا مؤخراً إلى المنظمة عام 2017م. ينظر عادة إلى هذه المنظمة بأنّها المعادل الآسيوي الموضوعي لحلف الناتو ، إذ أنّها أسست لمحاربة الشرور الثلاثة، وهي الإرهاب، والإنفصال، والتطرف الديني، ثم بدأت تأخذ مناحٍ أكثر تنوّعاً تتضمن الاقتصاد والتنمية. مثّل انضمام كل من الهند وباكستان إلى المنظمة حدثاً هاماً، حيث أنّ للمنظمة العديد من الدول المراقبة وأخرى في حالة حوار، إلاّ أنّ أيّ منها لم ينضم منذ بداية الألفية الحالية سوى هاتان الدولتان، بعد حوالي عشر سنوات على انضمام آخر دولة وهي أوزبكستان.
عندما عملت الصين على ضمّ باكستان، حليفها الأقرب في آسيا، إلى المنظمة، رأت روسيّا أنّ ذلك سيسبب خللاً في ميزان القوى داخل المنظمة لمصلحة الصين، ولذا حصرت على اشتراط انضمام شريكها التاريخي، الهند ، بذريعة أنّه بدون ذلك سيبدو أنّ المنظمة تستهدف الهند، وأنّ انضمام الهند سيزيد المنظمة قوة وتأثيراً. من خلال وجود الهند في هذه المنظمة، يمكن أن تسعى في المرحلة المقبلة إلى إحداث تحول كبير في عمل المنظمة باتجاه التنمية والاقتصاد بدل الأمن، أو خلق قدر من كبير من الاستقطاب داخل المنظمة يقلّل من فاعليتها ويحولها إلى حالة بروتوكولتية، لا تؤثر بشكل ملموس على التوازنات الإقليمية والدولية.
 
دول منظمة آسيان
رغم العلاقات المميزة التي تحظى بها الصين اليوم مع دول آسيان، والتي تعتمد على التخادم الاقتصادي حتى بلغت نسب نمو اقتصادات هذه الدول، بفضل شراكتها مع الصين، مستويات غير مسبوقة، فإنّ منظمة آسيان تضم دولاً عديدة كان لها مواجهات مسلحة مع الصين، مثل إندونيسيا وفيتنام وأخرى تضرّرت بشكل كبير من دعم الصين فيما مضى، للشيوعيين مثل ماليزيا والفلبين، وهي كلها دون استثناء تخشى هيمنة الصين على الإقليم وخصوصاً على بحر الصين الجنوبي والذي يمثل شريان التجارة الأهم في المنطقة، وذلك فهي تلوذ عادة بالولايات المتحدة لإحداث مظلّة أمنية تضمن من وجهة نظرها عدم تغوّل الصين على المنطقة.
تُعدّ منطقة آسيان مساحة مثاليّة لتوسع النفوذ الهندي خلال المرحلة المقبلة، من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية بدول المنظمة، وسيكون ذلك أمراً ميسوراً لغياب العداوات التاريخية بين الطرفين، ولرغبة هذه الدول بضمان استمرار نموها الاقتصادي المرتفع بشركاتها مع دولة ذات اقتصاد ضخم كالهند، بالإضافة إلى رغبتها بوجود قوى كبرى في المنطقة تضمن إحداث توازن استراتيجي في وجه الصين .
 
ثالثاً: صعيد غرب آسيا
إيران
تنظر الهند إلى إيران كجار ومصدر مهم للطاقة ولا تود الدخول في صراعات معه لأسباب استراتيجية وتاريخية، وتتمنى على الولايات المتحدة الأمريكية أن تأخذ نظرتها هذه بعين الاعتبار نظراً للشراكة بينهما، وإن كانت قد أوقفت استيرادها للنفط من ايران بعد أن كان ثالث أكبر مصدر لها، نتيجة للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عليها بداية شهر مايو 2019م، ويمكن قراءة هذا القرار كتحول باتجاه المعسكر المضاد لإيران ، رغم محاولات تركيا اقناع الهند بتشكيل ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لإقناعها بالاستمرار بنظام الاستثناء من العقوبات والذي كان البلدان يتمتعان به، إلاّ أن الهند فضلّت أن تتجه إلى دول الخليج لتعويض النقص، مع ذلك فإنّه من المستبعد أن تصطف الهند في عهد مودي، بالكامل إلى جانب المعسكر الأمريكي في هذه المواجهة، رغم التقارب السياسي بين الطرفين، لاعتبارات جيوسياسية وتاريخية سيكون القفز عنها مكلفاً للغاية، خصوصاً دفع إيران إلى التقارب مع كل من باكستان والصين.
 
تركيا
تتصف علاقة الهند بتركيا على العموم بأنّها باردة ، وذلك نتيجة للتقارب التركي مع باكستان وتأييدها لها في الموضوع الكشميري، كما تلعب القوى السياسيّة الهندية الرئيسة في الهند دوراً هاماً بتشكيل صورة سلبية عن تركيا، إذ أنّ اليسار عموماً ينظر إلى تركيا كدولة في حلف الناتو والذي يعبر عن إرادة المستعمرين السابقين وزعيمة العالم الرأسمالي، أمريكا، وكثيراً ما يبدون مواقف ناقدة حادة لمعالجة تركيا للتمرد الكردي في جنوب البلاد، أمّا اليمين فإنّه ينظر اليوم إلى حكومة طيب أردوغان على أنّها إسلاميّة الجذور وهي خصم طبيعي للأيدولوجيا الهندوسية اليمينية التي تنظر إلى الإسلام كخصم مركزي في طريقها إلى هند تتبنى الثقافة الهندوسية، ومع توتر علاقة تركيا بالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، فمن المتوقع أن يترك ذلك أثاراً سلبية على علاقتها بحكومة مودي، وقد رأينا مصداق ذلك عند زيارة مستشار الرئيس التركي إبراهيم قالن للهند ومحاولته اقناع الحكومة الهندية باتخاذ موقف معارض لفرض عقوبات أمريكية على إيران، والتي فضّلت الانضمام إلى المحور الخليجي الإسرائيلي الأمريكي، وإيقاف استيراد النفط من إيران تماشياً مع المتطلبات الأمريكية.
 
الخليج
من الواضح أنّ الشراكة في مجال الطاقة بين الدول الخليج بالذات السعودية والإمارات من جهة والهند من جهة أخرى، ستعزّز مع فوز مودي بالسلطة ، خصوصاً مع فرض العقوبات الأمريكية على إيران واتجاه الهند لتأمين بديل عن النفط الإيراني الذي كانت تحصل عليه بشروط ميسرة، وقد شهدنا في فترة حكم مودي الأولى زيارتين له إلى المنطقة وزيارة محمد بن سلمان إلى الهند فضلاً عن زيارة لمسؤولين رفيعي المستوى من الطرفين، ولقد رأينا أن التقارب الهندي الإسرائيلي لم يؤثر على العلاقات بين الطرفين مما يجعل الهند تتقدم باطمئنان في علاقاتها مع دول الخليج التي يعمل فيها ملايين الهنود وتعد قبلة هامة للمستثمرين.
 
إسرائيل
بلغت العلاقات الهندية الإسرائيلية في عهد ناريندرا مودي مستويات غير مسبوقة في كل المجالات وخصوصاً الأمنيّة والعسكرية، في تحوّل كبير في السياسة الهنديّة التقليديّة التي كانت تتبنى مبادئ حركة عدم الانحياز، فانتقلت عملياً إلى سياسات واقعية انعكست على سبيل المثال في برود تعاطيها مع القضية الفلسطينية، وتحويلها إلى قضية إنسانية محدودة التأثير في السياسة الخارجية الهندية، وسط غياب أي قوة مكافئة للقوة الإسرائيلية في هذا المجال من الدول العربية التي تربطها علاقة طيبة مع الهند. من المتوقع، والحال هذه، أن تنمو العلاقات بين الطرفين في ظل حكومة مودي بوتيرة أسرع دون معوقات تذكر، وأن تبلغ مستويات غير مسبوقة قد تقود الموقف الرسمي الهندي من حالة التأييد البارد للفلسطينيين أو الحياد، إلى تبني المواقف الإسرائيلية ، كما فعلت قبل أيام حين صوّتت ضد انضمام جمعية “شاهد” الحقوقيّة الفلسطينية كعضو مراقب إلى المجلس الاقتصادي الاجتماعي (ECOSOC) التابع للأمم المتحدة، أو تجاهل السلبي منها.
 
الولايات المتحدة الأمريكية
تعتبر الولايات المتحدة الهند الشريك الطبيعي لها لمواجهة الصين ، وتعمل على تقوية التحالف الهندي الياباني الاسترالي لهذا الغرض. شهدت العلاقات الهندية الأمريكية قفزات نوعية على مدى العقود الثلاثة الماضية كان من أبرزها حصول الهند على ميزة الاستفادة من تكنولوجيا الفضاء والدفاع وفق تفويض التجارة الاستراتيجي، والذي يخوّل الهند ميزة شريك دفاع رئيس، كما تُعدّ الهند أكبر المستفيدين عالمياً من برنامج “نظام الأفضلية العام” (Generalized System of Preferences)، والذي يمنح بضائعها ميزة دخول السوق الأمريكية دون جمارك. ورغم التحديات التي تتصل بتعارض المصالح بين الطرفين ، فإنّ الولايات المتحدة ستحاول على الأرجح إزالة العوائق التي تقف أمام هذه الشراكة بكل الطرق الممكنة بما في ذلك مصالح الهند مع إيران وخصوصاً ميناء شاهبهر الايراني الاستراتيجي وشراكتها مع روسيا في مجال التسليح وخصوصاً صفقة إس-400، والتي كانت إحدى أهم أسباب توتير العلاقة بين أمريكا وتركيا. إنّ نظرة الولايات المتحدة للشراكة مع الهند هي نظرة استراتيجية بعيدة الأمد ، تضع اعتبار مواجهة الصعود الصيني فوق كل اعتبار ، وخير من يستطيع القيام بهذا الدور رئيس وزراء قوي ذو تفويض شعبي واسع، يحكم على أرضية ثابتة وكل هذه الصفات باتت تنطبق على ناريندرا مودي، ولذا فبقاءه في السلطة هو خبر سعيد للولايات المتحدة الأمريكية، وسنرى مفاعيل ذلك وتأثيراته على العلاقة بين الجانبين في القريب العاجل.
 
أخيراً، بات من الجليّ أنّ فوز رئيس الوزراء الهندي مودي بالسلطة للمرة الثانية على التوالي، سيعزّز من توجهاته التي اتخذها في الفترة الأولى، باتجاه شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة الصعود الصيني، والتي تمثّل انعكاساً لرغبته والإيدولوجيا التي يتبنها بجعل الهند القوة المهيمنة في جنوب آسيا، والارتقاء بها إلى مصاف الدول العظمى، وسيكرس سياسته الخارجية في الفترة المقبلة لتحقيق هذا الهدف.

للمزيد

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

الانتخابات الهندية للعام 2019: مواقف ومسارات

تم النشر قبل

في

بواسطة

د. محمد مكرم بلعاوي ..

انطلقت يوم 11 أبريل المنقضي، الانتخابات الهندية العامة بنسختها السابعة عشرة، وسيشارك فيها حوالي 900 مليون مواطن هندي، سينتخبون 543 نائباً في مجلس النواب على سبعة مراحل، يمثلون 29 ولاية، في دورة ستستمر لمدة خمس سنوات، وسيتم الإعلان عن الفائز رسمياً يوم 23 مايو، في دولة تعتمد النظام البرلماني حيث تكون القوة الحقيقية في يد رئيس الوزراء.

أهمية الانتخابات الهندية العامة

ترتبط الهند تاريخياً بالعديد من دول العالم، ولطالما لعبت دوراً مؤثراً في السياسة الدولية على مدى حضارتها التي تمتد لقرون وآلفيات عديدة، وهي تُعدّ ثاني دول العالم بعدد السكان، وهي في طريقها للحلول مكان الصين قريباً في هذا المجال، كما أنّ اقتصادها، رغم أنّه لم يبلغ أقصى قوته، يعدّ من الاقتصاديات العشر الأولى على مستوى العالم، ولذا فإنّ تأثير سياسات النخبة الحاكمة في الهند لطالما مسّت باقي دول العالم سواءً في العهود الإسلامية أو فترة الاستعمار وكذلك فترة الاستقلال، لأجل كل ذلك، تعتبر الانتخابات العامة الهندية التي تفرز رئيس وزراء الدولة التي تنهج نهج الحكم البرلماني، واحدة من أهم الانتخابات على مستوى العالم، وهي الدولة الديمقراطية الأولى بالمقارنة إلى عدد الناخبين.

لماذا الانتخابات الهندية مختلفة هذه المرة عن سابقاتها

تتميز الانتخابات الهندية هذه المرة بأهمية خاصة على المستوى الداخلي الخارجي، أمّا على المستوى الداخلي، فإنّ كثيراً من السياسيين والمراقبين يعدّون هذه الدورة الانتخابية أهم دورة في السنوات السبعين التي انقضت منذ استقلال الهند، إذ إنّهم يتوجسون خوفاً من إعادة انتخاب الحزب الحاكم، والذي يزعمون أنّه أحدث كثيراً من السياسات والقوانين التي تمسّ بعلمانية الدولة ومبدأ التعايش بين مكوّنات المجتمع والذي قامت عليه الدولة الهندية الحديثة، وأنّه في حال استكماله لمشروع القومي المتطرف فإنّه سيعمد إلى تكريس دولة الأغلبية الهندوسية، وهضم حقوق الأقليات من خلال تغيير الدستور، ما سيعني عملياً، ليس نهاية الحالة المجتمعية السائدة فحسب، ولكن نهاية الهند كما نعرفها اليوم[1]، أمّا في حالة فوز المعارضة فإنّ الهند ستحافظ على طبيعتها الديمقراطية الجامعة وهو ما سيعد مكسباً للديمقراطية في العالم.

كما أنّ هذه الانتخابات ستكون محورية في صناعة مستقبل الهند، والتي ستصبح قريباً أكثر دول العالم سكانًا، ما يعني مزيداً من الطلب على الغذاء وفرص العمل، فضلاً عن ضرورة استخراج مئات الملايين الهنود من تحت خط الفقر، كل ذلك ستحدده نتائج الانتخابات المقبلة.

أمّا على الصعيد الخارجي، فإنّ الهند تحاول اللحاق من الناحية الاقتصادية بغريمتها الآسيوية الصين، والتي باتت تمثلاً تهديداً كبيراً من وجهة النظر الهندية، وهذا أمر يحتاج إلى حكومة قوية تنهض بالبلاد وتقوم تغيير كبير في السياسة المحلية والدولية، وتقوم باستثمارات ضخمة على أكثر من صعيد.

تأثير الانتخابات الهندية على العالم العربي

للانتخابات الهندية تأثير كبير على العلاقة مع الدول العربية، خصوصاً دول الخليج، بالذات في مجال الاقتصاد، فهناك استثمارات متبادلة بعشرات المليارات، إذ يصل حجم التبادل التجاري إلى قرابة مائتي مليار دولار سنوياً، كما أنّ العمالة الهندية في هذه الدول تعدّ عصب الاقتصاد المحلي، فضلاً عن السياحة المتبادلة ومجالات الاستثمار الأخرى، كل ذلك سيتأثر سلباً أو إيجاباً بالضرورة، بسياسات الحكومة التي ستفرزها الانتخابات في الهند.

المشهد الانتخابي للعام 2019م

تجري انتخابات عام 2019م على وقع خسارات متتالية للحزب الحاكم في انتخابات الولايات التي جرت نهاية العام 2018م، وتقدم خصومه من الأحزاب المحلية وغريمه التاريخي حزب المؤتمر الوطني بزعامة راهول غاندي، والذي تشير استطلاعات الرأي أنّه قد فشل بكسب ثقة الناخبين كزعيم يمكن أن يحل محل رئيس الوزراء القوي ناريندرا مودي، ولكن مع ذلك فإنّ هذه الاستطلاعات تبيّن أنّ ناخبين يريدون معاقبة الحزب الحاكم لأسباب تتصل بسوء أدائه في الدورة السابقة، ولذا من المرجح أن تتوزع الأصوات التي سيخسرها الحزب الحاكم على الأحزاب المحلية وينال حزب المؤتمر جانباً هاماً منها أيضاً، بَيْد أنّ هناك أزمة حقيقة عند المعارضة التي لا تستطيع أن تتفق على ترشيح أحد قياديها كمنافس لمودي على منصب رئيس الوزراء.

لماذا فقد الحزب الحاكم الزخم الانتخابي

أظهرت نتائج الانتخابات الولائية التي جرت في بعض الولايات في نهاية العام 2018م تراجعاً حاداً في أداء الحزب الحاكم الانتخابي لصالح المعارضة، وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي المحايدة والتي أظهرت هي أيضاً أن أداءه في الانتخابات العامة سيواجه صعوبات حقيقية، وفيما يلي أهم أسباب هذا التراجع:

قرارات اقتصادية غير موفقة

كان السبب الرئيسي لفقدان مودي لشعبيته قراران اقتصاديان مثيران للجدل:

أولاً: سحب الأوراق النقدية ذات القيمة العالية من التداول بشكل مفاجئ في نوفمبر/تشرين ثان 2016، وثانياً: تطبيق ضريبة السلع والخدمات في يوليو/تموز 2017.

لقد أضرت هذه القرارات بالأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة وعقدّت وضع الاقتصاد الهندي، وقد تلقّى هذان القراران انتقادات حادة من قبل الاقتصاديين البارزين، والأهم من ذلك أنّهما لم يلقيا الرضى من أغلبية المواطنين العاديين.

البطالة

من المتوقع كذلك أن تتسبّب البطالة المتزايدة والضغط المتصاعد على قطاع الزراعة، بحدوث بعض الصدمات الانتخابية لمودي في عام 2019، إذ ارتفع معدل البطالة مرتفع باضطراد، ووصل إلى أعلى مستوى له في 45 عامًا، بالغاً ما نسبته 6.1 % في يونيو 2018، وفقًا لتقرير حكومي تم تسريبه إلى مجلة بزنيس ستاندرد، ويشير التقرير إلى أنّ واحدًا من بين كل خمسة هنود تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عامًا عاطلون عن العمل.

الزراعة

تواجه الزراعة ظروفًا متزايدة الصعوبة، مع ارتفاع التكاليف وانخفاض أسعار المحاصيل، علماً بأنّ هناك ما يقدر بنحو 263 مليون مواطناً يعملون في هذا القطاع، في الهند، مما يجعلها دائرة سياسية ضخمة.

موقف الجيش في الانتخابات الهندية

مثّل الهجوم الدموي على القوات الهندية في كشمير، في شهر فبراير 2019م والتي راح ضحيته أكثر من 40 جندي هندي، علامة فارقة في علاقة الجيش مع رئيس الوزراء والحزب الحاكم، إذ بدا واضحاً للمراقبين أنّ هذه الحادثة قد وقعت في وقت مواتٍ جداً بالنسبة للحزب الحاكم، وأنّه بطبيعته اليمنية وتاريخه المعروف بالعداء لباكستان، سيوظفها كرافعة في الانتخابات والتي بات على الأبواب، خصوصاً بعد تراجع أدائه في الانتخابات الولائية التي جرت قبل أشهر قليلة من الهجوم.

ترافق مع ردود الفعل العسكرية التي قامت بها الهند حملات إعلامية ضخمة، اضطرت المعارضة إلى تأييد الحكومة في إجراءاتها ولم يُسمع سوى صوت نقد خافت من بعض النشطاء للقصور في تأمين القوات ومساءلة المسؤولين عن ذلك، وقد رفعت، بكل تأكيد، التأييد الشعبي لرئيس الوزراء وحزبه، الذي ادعى أنّه أوقع خسارات فادحة في معسكرات الإرهابيين على الجانب الباكستاني وأدّب حكومته، فيما كشفت وسائل الإعلام العالمية أنّه هذه الدعاوى لا رصيد لها من الواقع، في وقت حرصت فيه باكستان على تبريد الوضع بسرعة من خلال تسليم الطيّار الهندي الأسير الذي وقع في قبضتها عقب اسقاط طائرته، فبدأ النقد يتصاعد تدريجياً لأداء الحكومة، واستغلال الجيش من أجل تجييش العواطف الشعبية لصالحها، وهو ما أثار على ما يبدو، حتى بعض قيادات الجيش التي طالما التزمت الحيادية في موضوع السياسة الداخلية، أبرز تجليات ذلك كانت الرسالة التي نشرتها وسائل الإعلام الهندية الموقعة من قبل مجموعة من كبار الضباط المتقاعدين، ثمانية منهم رؤساء أركان سابقين وأكثر من 100 من المحاربين القدامى، والتي وجهوها إلى رئيس الدولة رام ناث كوفيند، يطالبون فيها بعدم توظيف الأحزاب السياسية للجيش سياساً، وجاء فيها المطالبة أيضاً بالمحافظة على علمانية الجيش وحياديته، وجاء في الرسالة “نناشدكم التأكد من الحفاظ على الطابع العلماني والسياسي للقوات المسلحة، وأشارت إلى ممارسات غير مقبولة قام بها القادة السياسيون بكشف الإجراءات العسكرية، ووصف القوات المسلحة بأنها “جيش مودي”.

ورغم نفي مكتب الرئيس بتلقي رسالة من هذا النوع وتنصل بعض الموقعين منها، فإنّها تطور مثير للاهتمام، لأنّها ظهرت في اليوم الأول من التصويت في انتخابات ينظر إليها إلى حد كبير على أنها استفتاء على رئيس الوزراء ناريندرا مودي[2].

مواقف القوى الدولية وتأثير ذلك المحتمل على الانتخابات

الموقف الأمريكي

هناك سببان هامان يجعلان الولايات المتحدة الأمريكية تفضّل بقاء مودي في الحكم، أهمها أنّها تعوّل كثيراً على الهند في مواجهة الصعود الصيني، ولذا فإنّها معنية بأنّ من يحكم الهند حكومة قوية تستطيع إدارة الدولة بكفاءة، وذات توجه يميني يمكنها أن تحشد الشعب خلفها تحت دعاوى وطنية، وهذا أمر لا يتوافر مع أية حكومة غير حكومة مودي، سواء شكلها حزب المؤتمر الذي يتعتبر تاريخياً حزب معارض للاستعمار رغم خلافه مع الصين، أو حكومة ائتلافية ستكون ضعيفة وغير قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في موضوع بهذا الحجم.

السبب الثاني، وهو التوافق الكبير بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ذو الخلفية اليمينية ورئيس الوزراء ناريندرا مودي، ولن يجد ترامب من يتكامل معه في السياسات والتوجهات مثل مودي وخصوصاً أنّ لديه علاقة قوية جداً مع بنيامين نتنياهو، وهو أمر هام للغاية في هذا السياق.

الموقف الصيني

خلافاً للولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو أن الصين لا تفضل بقاء اليمين في السلطة، بسبب سياسته المتصلّبة بخصوص التكامل مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية واليابان لإجهاض الصعود الصيني في قارة آسيا، ولذا فإنّه على الأرجح سيفضل حكومة أكثر براغماتية يمكنها أن تضمن الاستقرار في المنطقة وعدم استنزافها بمواجهات سواء مع الصين أو حليفها المقرب باكستان، وهو ما ينسجم مع سياسة الصين التي تقوم على ترسيخ الاستقرار كأرضية حتمية للنمو الاقتصادي.

الموقف الباكستاني

من الواضح أنّ باكستان ليست معنية اليوم بمواجهات مع الهند تستنزف وضعها الاقتصادي المتردي، وخصوصاً وأن رئيس الوزراء الجديد جعل مهمته المعلنة اصلاح الاقتصاد والارتقاء بالمستوى المعيشي للناس، وهو يشترك مع الصين في هذا التوجه، وقد انعكس ذلك في المواجهة القصيرة الأخيرة مع الهند والتي عمل على إنهائها بأقصر وقت ممكن مع توظيف الجوانب الدعائية لمصلحته، وكان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قد عبّر لبعض الصحفيين قبل أيام عن اعتقاده أنّ حكومة هندية يمينيّة قوية وحدها قادرة على تسوية المشكلات بين البلدين، وخصوصاً في كشمير، وهو ما يؤكده استقراء العلاقة بين البلدين في ظل حكم اليمين الهندي، أمّا إذا جاءت حكومة ائتلافية فإنّها ستكون أضعف من أن تقوم بهذا الدور، لذا فرغم عدم التوافق الأيدولوجي والسياسي بين الطرفين، فإنّ الباكستانيين اليوم قد يكونون راغبين بدعم حكومة يرأسها مودي أكثر من غيره.

الموقف الخليجي

بات من المعروف أن الموقف الخليجي قريب جداً من الموقف الأمريكي الإسرائيلي، والذي يرى في اليمين الهندي مكملاً له، ولذا فإنّ دول الخليج وخصوصاً الإمارات ستنسجم مع حكومة مودي أكثر من أية حكومة أخرى يمكن أن تأتي إلى السلطة، كما أنّ العديد من المشاريع البينية والسياسات الاقتصادية والأمنية تم توقيعها في زمنه، ويمكن أن يؤدي تغييره إلى قدر من الضرر أو عدم الاستقرار لهذه الملفات، ولذا فإنّ دول الخليج ستكون راغبة باستمرار مودي في الحكم، وخصوصاً أن البديل سيكون حكومة إتلافية-على الأرجح- وستكون أضعف من أن تتخذ سياسات جريئة في العلاقات الخارجية.

الموقف الإسرائيلي

تعد إسرائيل وبنيامين نتنياهو من أشد المؤيدين لناريندرا مودي وحكومته، وستعمل بكل ما أوتيت من علاقات ومقدرات على بقائها في الحكم وخصوصاً بعد نجاح نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخرى، وهو يعوّل على تحوّل أكبر في موقف الهند تجاه القضية الفلسطينية، ومزيد من التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري.

غرد ناريندرا مودي عشية فوز بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية قائلاً: “صديقي العزيز بيبي، مبروك! أنت صديق عظيم للهند، وأتطلع إلى مواصلة العمل معكم من أجل الارتقاء بشراكتنا الثنائية إلى آفاق جديدة”. في إشارة واضحة أنّه يتوقع الاستمرار في الحكم.

السيناريوهات المحتملة

هناك العديد من السيناريوهات النظرية التي يمكن أن تطرح في سياق التنبؤ بمآلات الانتخابات العامة الهندية، منها على سبيل المثال فوز الحزب الحاكم بأغلبية مقاعد مجلس النواب، وهو بالنظر إلى الأداء السلبي للحزب الحاكم خلال الدورة السابقة، وانحدار نتائجه في الانتخابات الولائية التي أجريت في نهاية عام 2018م، وتراجع أدائه في استطلاعات الرأي، فإنّه من غير المرجح أن يحصل عدد المقاعد التي تؤهله أن يُشكّل الحكومة منفرداً، ولذا فإن هذا السيناريو غير مرجح على الإطلاق، أمّا الثاني، فهو فوز أحد أحزاب المعارضة بأكبر كتلة من المقاعد النيابية، ويبدو هذا السيناريو من خلال الاستناد على استطلاعات الرأي غير مرجح، وإن كان أداء أحزاب المعارضة سيتحسن بشكل كبير وسيؤدي ذلك إلى تآكل حصة الحزب الحاكم، ولذا فإنّنا لن نرى على الأرجح حزباً واحداً سيتفوق انتخابياً على الحزب الحاكم، حتى حزب المؤتمر الوطني الهندي الذي حكم الهند لعقود.

السيناريو الثالث هو تحالف بين الحزب الحاكم وأحزاب من المعارضة، يمكن أن يكون هذا السيناريو وارداً ولكنّه غير مرجح أيضاً، إذ أنّ أحد أهم أسباب نجاج أحزاب المعارضة هو معارضتها لسياسات الحزب الحاكم الممقوتة شعبياً، ولذا فإنّ التحالف معه سيضعه في موقف أقوى ويمكن أن يقدم بعض المكاسب لهذه الأحزاب، إلاّ أنّ سيطيح بشعبيتها ويمكن أن يؤدي إلى انشقاقات كبيرة فيها، وهو ما يُعد محاولة للانتحار، لذا فمن غير المرجح أن تنضم أحزاب معارضة كبيرة إلى الحزب الحاكم حتى لو كانت المغريات كبيرة.

السيناريو المرجح

لكن بالنظر إلى مجريات السياسة الداخلية الهندية فإننا يمكن أن نحصرها بسيناريوهات محدودة، فيبدو أن السيناريوهين الأقوى هما إمّا أن يحكم الحزب الحاكم بتحالف مع بعض الأحزاب الولائية، وهو الأرجح على ما يبدو بسبب أنّه ما زال يتمتع برصيد شعبي كبير وخصوصاً داخل قطاعات واسعة من الأغلبية الهندوسيّة، ولكن سيكون أمام تشكيل تحالف من هذا النوع صعوبات كبيرة، لأنّ غالبية الأحزاب التي انضمت إلى تحالف الحكومة سابقاً، لم تنضم لأسباب فكريّة، بل لأنّ أداء الحزب الحاكم كان كاسحاً وأرادت هذه الأحزاب أن تحقق بعض المصالح من الانضمام إليه، ولكن عندما يضعف أداؤه فإنّ مصلحة تشكيل تحالف من هذا النوع ستكون أضعف، ولذا فإنّ الأحزاب التي ستنضم إلى هذا التحالف ستطالب بمصالح أكبر وحصص أكبر في الحكومة، وهو ما سيضعف أداء الحزب الحاكم بكل تأكيد ويقوده إلى مزيد من تآكل شعبيته ومصداقيته، الأمر الذي يمكن أن يودي بفرصه بالعودة إلى الحكم في المستقبل.

السيناريو القوي الثاني وهو الأقل ترجيحاً بينهما، وهو أن يحكم تحالف المعارضة ما يعني أنّ الهدف من الانتخابات سيتلخص بمعاقبة الحزب الحاكم على إخفاقاته أثناء فترة حكمه، وليس وضع ثقة الناخبين في زعامة يمكن أن تقود البلاد نحو وضع أفضل، بالطبع يمكن للمعارضة أن تفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب، ولكن ليس من المضمون أن تشكّل تحالفاً حاكماً، وخصوصاً أنّ شعبية راهول غاندي رئيس حزب المؤتمر، وهو أكبر أحزاب المعارضة وأعرقها، في استطلاعات الرأي متدنيّة للغاية، وهذا يفسر سبب عدم تسمية المعارضة لمرشح لرئاسة الوزراء مقابل ناريندرا مودي، وكما أنّ أداء هذه الأحزاب أثناء فترة الإعداد للانتخابات وخلافاتها الكبيرة على تقاسم الدوائر، ينبؤ بخلافات أكبر على السلطة في حالة الفوز، وهي إن استطاعت أن تشكل الحكومة، فإنّها ستكون حكومة ضعيفة تتحكم بها مجموعة كبيرة من الأحزاب التي لها مصالحها المتعددة والمتعارضة أحياناً أمام حزب معارض قوي لها أيدولوجية صلبة وكوادر مخلصين ذوو تأهيل سياسي وتنظيمي عال، الأمر الذي لن يمكنها من تقديم إنجازات حقيقية وقد لا تستطيع إكمال دورتها كاملة واللجوء إلى انتخابات مبكرة، وخصوصاً إذا كان وصول المعارضة إلى الحكم قد تمّ بإرادة وترتيب حزب بهراتيا جانتا، على أمل أن تكون فترة حكم تحالف المعارضة بالغة السوء، فيضطر الناخبون إلى العودة إلى تأييده في الدورة الانتخابية القادمة.

في أي من هذين الاحتمالين فإنّ البلاد مقدمة، على الأرجح، على فترة من الاضطراب السياسي بسبب اضطرار كلا الفريقين، إن وصل إلى الحكم، إلى اللجوء إلى التحالف مع الأحزاب الصغيرة، والتي ستضعف الحكومة بطلباتها وتنازعها، ولن تمكنها من اتخاذ خطوات جريئة في أي من الملفات الهامة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومحاولة المعارضة التي ستكون قوية، تعطيل الطرف الحاكم واثبات أنّه لا يستحق موقعه في الحكومة.

توصيات

يمكن تقديم بعض التوصيات المتصلة بالانتخابات بنتائجها المتوقعة إلى القوى العربية والإسلامية التي لها علاقة بالهند، أهمها ما يأتي:

أولاً: عدم الإعلان عن انحياز لأي من الفرقاء السياسيين، لأنّ ذلك لن يسهم سوى في إضعاف الطرف المرغوب وبنفس الوقت استعداء لخصومه، وخصوصاً في حالة فوزهم.

ثانياً: التأنّي باتخاذات أية مبادرات اقتصادية أو سياسيّة تجاه الهند ودراستها مطولاً، لأنّ هامش المخاطرة في المرحلة القادمة، على الأرجح، سيكون أكبر.

ثالثاً: عدم توقع أي تغير جوهري بالسياسة الخارجية الهندية، بغض النظر عمّن سيحكم في الفترة المقبلة.

الخلاصة

ستقود الانتخابات الهندية الحالية، إلى حكومة تمارس أعمالها في وضع قلق بسبب اضطرارها إلى نسج تحالفات مع الأحزاب الصغيرة، الأمر الذي من المرجح أن يترك أثراً سلبياً على الاستقرار السياسي والاقتصادي في المرحلة القادمة، وتصعف قدرتها على عمل اخترقات ذات بال في مجال علاقاتها الدولية، بغض النظر عمّن يحكم البلاد

للمزيد

المقالات والأبحاث والمنتديات الخارجية

الانتخابات الهندية 2019: الفواعل والإجراءات

تم النشر قبل

في

بواسطة

د. محمد مكرم بلعاوي ..

كيف تجري الانتخابات:

بدأت الانتخابات الهندية العامة الحالية في نسختها السابعة عشرة، في 11 أبريل لانتخاب مجلس النواب (لوك سابها) في البرلمان الهندي والذي يتكون من مجلسين، لدورة مدتها خمس سنوات، يصل عدد الناخبين في الانتخابات العامة للعام الحالي 2019م، ما يقرب من 900 مليون مواطن، لذا فإنّه يُطلق على الهند لقب أكبر ديمقراطية في العالم، علماً بأنّ أول انتخابات لـمجلس النواب كانت قد أُجريت في عام 1951.

ستتم الانتخابات على سبع مراحل حتى 19 مايو، وستجرى عملية الفرز في 23 أيار (مايو) ويتم الإعلان عنها في نفس اليوم[1]، يعزي سبب تقسيم عملية الاقتراع إلى سبع مراحل وامتدادها أكثر من خمسة أسابيع، إلى صعوبة تأمينها بسبب عدم الاعتماد على قوى الأمن المحلية والتي ينظر إليها عادة على أنّها غير محايدة واعتماد قوة مركزية تضطر إلى تأمين المناطق الانتخابية بالتناوب، وكذلك إلى حجمها الكبير.

أرقام هامة:

يوجد في الهند 29 ولاية، لديها حكومات ولايات منتخبة بعد كل خمس سنوات، باستثناء جامو وكشمير التي لها ولاية مدتها ست سنوات، و7 أقاليم واحدة منها تحكمها الحكومة المركزية مباشرة، وبعض هذه الولايات تتوافق انتخابات مجالسها التشريعية مع الانتخابات العامة هذه المرة، وهي كل من ولايات أندرا براديش، أرونشال براديش، أوديسا وسيكّيم، أمّا عدد الدوائر الانتخابية هو 543 تمثّل كل المقاعد المتاح التنافس عليها، وسيكون هناك 1035918 مركز اقتراع، إذ تنص القواعد الانتخابية في الهند على أنه يجب أن يكون هناك مكان اقتراع على بعد كيلومترين من كل منطقة سكن، يمكن للناخبين التصويت في أغلبها بطريقة الاقتراع الإلكتروني.

وفقًا لمفوضية الانتخابات الهندية (ECI)، فإنّ عدد الناخبين في انتخابات العام الحالي 2019م ستكون حوالي 900 مليون ناخب، بزيادة مقدارها أكثر من 84 مليون ناخب منذ الانتخابات الأخيرة في عام 2014م، منهم حوالي 468 مليون من الرجال و423 مليون من النساء والباقي غير معرّف الجنس، علماً بأنّ سن الانتخاب هو 18 عامًا، من ضمنهم 15 مليون ناخب في الفئة العمرية من 18 إلى 19 سنة، عدد الناخبين المسجلين في بلدان الاغتراب هو 71735 شخص.

عدد الأحزاب والمرشحين:

تشير بيانات مفوضية الانتخابات الهندية، كذلك إلى أنّ لديها ما مجموعه 2،293 من الأحزاب السياسية المسجلة للعام 2019م، أمّا في انتخابات لوك سابها لعام 2014، فقد بلغت نسبة التصويت أكثر من ثلثي مجموع الناخبين، بينما بلغ عدد المرشحين 8251 مرشحًا يمثلون 464 حزبًا فيما تم الاعتراف بما مجموعه 1841 حزبًا في الهند، وفاز 35 حزبًا منها بتمثيل في مجلس النواب.

الأحزاب الوطنية:

سبعة أحزاب منها فقط لديها قاعدة من المؤيدين عبر ولايات مختلفة، ويطلق عليها الأحزاب الوطنية، أمّا الأخرى فهي محليّة، يصبح الحزب السياسي مؤهلاً للاعتراف به من قبل مفوضية الانتخابات الهندية، كحزب وطني إذا فاز بـ 2 في المائة من المقاعد في مجلس النواب، من ثلاث ولايات مختلفة على الأقل في الانتخابات العامة الأخيرة؛ أو إلى الفوز بأربعة مقاعد في مجلس النواب بالإضافة الحصول على 6 في المائة من إجمالي الأصوات في أربع ولايات على الأقل في انتخابات مجلس النواب أو المجالس التشريعية الولائية؛ أو تم الاعتراف به كحزب ولائي في أربع ولايات على الأقل.

يضمن هذا التصنيف أن تحصل هذه الأحزاب على مجموعة من الميزات منها الحصول على أبنية خاصة بها من الحكومة، وتسهيلات خاصة لمجموعة من مرشحيها، وأهم من ذلك أن تكون رموز الأحزاب الوطنية لها حصراً في عموم الهند وأن تكون موجودة على آلات الاقتراع في كل الدوائر الانتخابية.[2]

أما الأحزاب السبعة فهي كل من الأحزاب التالية:

حزب المؤتمر الوطني الهندي (Congress-I) برئاسة راهول غاندي

حزب الشعب الهندي (بهراتيا جانتا بارتي BJP) برئاسة ناريندرا مودي

حزب الشيوعي الهندي CPI برئاسة سورافارام سودهاكر ريدي

حزب أغلبية الشعب BSP برئاسة كوماري ماواتي

حزب الشيوعي الماركسي الهندي CPI-M برئاسة سيتارام يتشوري

حزب مؤتمر تراينموول لعموم الهند (All India Trinamool Congress) برئاسة ماماتا بينارجي.

حزب المؤتمر الوطني NCP شاراد باوار

أهم الولايات التي ستحدد مصير الفائز:

تُعدّ ولاية أوتار براديش (UP) ساحة المواجهة الرئيسة في الانتخابات الهندية، وهي التي تحدّد غالباً نتيجة الانتخابات العامة، إذ إنّها الولاية الأكثر اكتظاظاً بالسكان في الهند، حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 200 مليون نسمة، ويحلو للبعض القول بإنّ هذه الولاية الشمالية المجاورة للعاصمة دلهي لو كانت دولة، فستكون خامس أكبر دولة في العالم، تستحوذ هذه الولاية على 80 مقعدًا في مجلس النواب، أي حوالي سُدس المقاعد، ممّا يجعلها حاسمة في تشكيل أية حكومة هندية.

يلي ولاية أوتارا براديش من ناحية الحجم والتأثير، ولاية ماهاراشترا والتي تقع في وسط غرب الهند، وتحوز على 48 مقعدًا في مجلس النواب، ثم ولاية البنغال الغربية في أقصى شرق الهند ولديها 42 مقعداً، يتبعها ولاية بيهار في الشمال، وهي ممثلة بـ 40 مقعداً، أمّا في جنوب الهند فولاية تاميل نادو هي أكبر ولايات الجنوب، ولها 39 مقعدًا.

فئات الناخبين المؤثرة:

النساء:

تشكل النساء شريحة كبيرة من الناخبين في الانتخابات الهندية، إذ يشكّلن حوالي 48 بالمائة من الناخبين المسجلين، ولكنّهن لا يشغلن سوى 11 بالمائة فقط من المقاعد في مجلس النواب، ولذا فإنّ على المرشحين والأحزاب المتنافسة أن تحسن مخاطبة هذه الشريحة الهامة، وتعالج مشاكلها التي من أهمها، الزواج القسري، والعمل القسري، والاغتصاب الجماعي والذي أصبح ظاهرة مقلقة للمجتمع الهندي وخصوصاً النساء، وضعف التمكين الاجتماعي والسياسي، ولا شك أنّ الذي ينجح بإقناع هذه الشريحة من الاصطفاف إلى جانبه ستكون حظوظه بالفوز كبيرة للغاية.

الشباب:

يعتبر الشعب الهندي شعباً فتيّاً إذ أنّ أكثر من 50% من سكان الهند تحت سن 25 سنة، وأكثر من 65% تحت سن 35 سنة، علماً بأنّ تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أنّ الهند ستتجاوز الصين بعدد سكان بحلول عام 2024، ولعل من أكبر التحديات التي ستواجه الحكومة في مجال التعاطي مع هذه الحقائق هي الحاجة إلى خلق فرص العمل لهذه الأعداد الكبيرة من الشباب، خصوصاً إذا علمنا أنّه خلال الثلاثين عامًا القادمة، سيدخل أكثر من 200 مليون هندي كلهم من الشباب إلى سوق العمل، مما يزيد الضغط على الاقتصاد الذي يواجه بالفعل بطالة قياسية.[3]

تشير الدراسات أنّ البطالة تعتبر الهم الأهم في أذهان الناخبين، إذ رغم توفر فرص عمل في مجالات العمل غير المهني فإنّ هناك مشكلة حقيقية في توفر فرص عمل في القطاعات المهنية وخصوصاً للمتعلمين تعليماً عالياً، رغم غياب التقارير الحكوميّة، يُعتقد أنّ البطالة قد وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ 45 عامًا، فتشير بعض التقارير إلى وجود حوالي 23 مليون شخص عاطل عن العمل في البلاد، وأكثر من ثلثهم لديهم مستويات عليا من التعليم، أيّ أنّ ما يقرب من واحد من كل ستة هنود من ذوي التعليم العالي عاطلون عن العمل.

ويمكننا تصور كيف أنّ من سيكسب ثقة هذه الشريحة التي تُعد بمئات الملايين، ويقنعها على قدرته بتوفير الوظائف المناسبة، سيكتسب الأفضلية في الانتخابات الهندية.

المزارعون:

رغم ضخامة المدن والمراكز الحضرية الهندية والتي يُعد سكانها بمئات الملايين من السكان إلاّ أنّ معظم الهنود، في الحقيقة، ما زالوا يعيشون في المناطق الريفية، إذ يشكل سكان الريف في الهند أكثر من 70 في المائة من السكان، علماً بأنّ أكثر من 60 في المئة من الأصوات التي حصل عليها الحزب الحاكم في انتخابات عام 2014، قد وردت من الناخبين في المناطق الريفية.

يبدو أنّ شعبية الحزب الحاكم قد تراجعت بحدة في شريحة المزارعين، والتي يصل عددها إلى 260 مليون هندي، وذلك لتزايد الضغط الاقتصادي الشديد الناجم عن الجفاف الشديد ووقوع أعداد كبيرة من المزارعين تحت وطأة الديون، وعدم قدرتهم على توفير لقمة العيش، وعدم قدرة الحكومة على إخراج قطاع الزراعة حالة من الركود التي مرت بها، وهو ما يمكن أن يصب في خانة المعارضة ويؤثر بشدة على فرص الحزب الحاكم بالعودة إلى الحكم.

الأقليات:

من أهم الأقليات في الهند طبقة المهمشين المسماة بالداليت، وهي تشكل حوالي 15%-20% من السكان، وهم يقبعون في أسفل السلم الاجتماعي في الهندوسيّة، ورغم ادعاء الحزب الحاكم الوقوف إلى جانبهم فإنّ العديد منهم يشعرون بالقلق إزاء عدد مرات استهدافهم بجرائم الكراهية.

استطاع الحزب الحاكم في الانتخابات الأخيرة عام 2014م، الحصول على حوالي 24 في المائة من أصوات الداليت مستنداً إلى ترقية وضع هذه الأقلية ولكن يبدو أنّ الوعود التي لم تتحقق ستكون سبباً أساسيّاً بإحجام فئات واسعة من هذه الطبقة الاجتماعية عن دعم الحزب الحاكم وصب أصواتها في أحزاب محلية يقودها زعماء من الطائفة وهو ما سيعد خسارة كبيرة له.

المسلمون:

عبّر زعماء مسلمون عديدون خلال الفترة الماضية عن خيبتهم أملهم في الأحزاب السياسيّة التي همشتهم وأضرت بمصالحهم، وكان منهم سيد أحمد بخاري، إمام المسجد الجامع في دلهي والذي يعتبر أحد أهم المرجعيات الدينية في الهند، إذ قال مؤخراً في بيان له، إنّ على المسلمين أنّ يضعوا في اعتبارهم أنّ “جميع الأحزاب السياسية تقريبًا قد خيبت آمالهم”[4]، في إشارة إلى تخليه عن دعم الأحزاب السياسية الكبرى وخصوصاً حزب المؤتمر الوطني والذي كان عادة ما يحصل على أغلبية أصوات المسلمين.

ومما يثير كثيراً من الأسى في أنفس المسلمين أنّ نسبتهم حسب التقديرات هي بين 15% من السكان، ولكن نسبتهم في مجلس النواب الماضي كانت فقط 4.2 في المائة، أي 23 من أصل 543 عضواً، رغم شعور مسلمي الهند بالتهميش والإقصاء فإنّهم ما زالوا رقماً مهماً في الانتخابات الهندية، إذ أنّ عددهم يقدّر بحوالي 200 مليون نسمة، نتيجة لتبني الحزب الحاكم أيدولوجية يمينية قائمة على تبني خطاب هندوسي، فإنّ المسلمين الذين يشعرون أن هذا الخطاب قد أضر بهم، سيصوتون، على الأرجح، للأحزاب المحلية أو لحزب المؤتمر الوطني برئاسة راهول غاندي، ولكن نتيجة للمشاعر الطائفية السائدة اليوم في الهند، فإنّ هذا الحزب لا يريد أن يخسر الأغلبية الهندوسيّة بظهوره حزباً للمسلمين[5].

انتخابات مجلس الشيوخ (راجيا سبها):

ينقسم مجلس الشعب الهندي إلى مجلس كما سبق وذكرنا، أحدهما هو مجلس النواب (لوك سبها)، والآخر وهو مجلس الشيوخ أو الأعيان، وهو أقل تأثيراً وعدداً، إذ يبلغ عدد مقاعده 245 مقعداً، يتم انتخاب أعضائه بطريقة هجينة وفق معادلة تجمع بين فائض الأصوات في الانتخابات الولائية وتفضيلات أعضاء مجلس النواب[6].

كيف تجري الانتخابات؟

توقفت عملية الاقتراع الورقي في الهند منذ زمن بسبب كمية الأوراق الهائلة التي يجب إحصاءها، ويقوم الناخبون بالاقتراح الحر المباشر بوضع حبر خاص على الأصبع السبابة، ويجب على الناخب الضغط على زر يحمل الرمز الانتخابي للحزب السياسي الذي يختاره على آلات التصويت الإلكترونية والتي تعرف اختصاراً، بـ EVM، لكن أحزاب المعارضة وجهات مدنية احتجت على استخدامها بدعوى إساءة استخدامها، وسهولة التلاعب بها.

الأحزاب السياسية الكبرى:

حزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا):

أهم أحزب الهند اليوم هو حزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا) اليميني القومي الحاكم، المعروف اختصاراً بـ BJP هو أكبر المتنافسين في الانتخابات، حيث يسعى رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي لولاية ثانية، وقد شكّل حكومة ائتلافية في عام 2014، بعد فوزه بـ 284 مقعدًا في الانتخابات العامة، مع حلفائه الذين حصلوا على 54 مقعدًا.

حزب المؤتمر الوطني الهندي:

خسر حزب المؤتمر الوطني الهندي أعرق الأحزاب الهندية، الذي يتزعمه حالياً راهول غاندي، السلطة عام 2014، ولكنّه أعاد بعض الاعتبار لنفسه بعد فوزه في نهاية العام الماضي، بثلاثة انتخابات ولائية، ولذا فإنّه يأمل أن تكون له فرصة حقيقية للعودة إلى السلطة في هذه الانتخابات ولو بالتحالف مع قوى أخرى، غير أن قوى المعارضة ما زالت لم تقدم مرشحها لرئاسة الوزراء.

قادة الأحزاب الكبرى:

رئيس الوزراء ناريندرا مودي

رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي، شخصية قوية ذات حضور جماهيري قوي، ولا يوجد لدى قوى المعارضة من ينافسه في هذا المجال حتى الساعة، وهو أستاذ في التعامل مع وسائط التواصل الاجتماعية ويفضل التواصل مباشرة مع الناخبين، بما في ذلك عبر تطبيق الهاتف الذكي الخاص به، لم يعقد مودي مؤتمراً صحفياً واحداً أثناء تواجده في منصبه، وقد واجه الصحفيون الناقدون للحكومة ضغوطاً متزايدة، أثناء فترة حكمه، وتفيد التقارير أنّ أعمال العنف من قبل الجماعات الهندوسية المتطرفة قد ارتفعت خلال فترة ولايته[7].

زعيم المعارضة راهول غاندي

يأتي راهول غاندي زعيم حزب المؤتمر، من عائلة سياسية بامتياز حكمت الهند لعقود فهو ابن رئيس الوزراء السابق راجيف غاندي وحفيد رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي التي بدورها ابنة أول رئيس وزراء للهند جواهر لال نهرو، ولكنّه يعد شخصية غير شعبية في الهند بسبب النظر إليه على أنّه شاب مترف، ووالدته من أصول إيطالية، ولكنّه رغم ذلك قد أظهر خلال الفترة الماضية قابلية متصاعدة لتبوء الأدوار السياسية المهمة ومخاطبة الجماهير، ولكنّه بكل تأكيد ما زال غير قادر على مجاراة خصمه، الذي تعطيه استطلاعات الرأي أفضلية كبيرة في هذا المجال.

البرامج الانتخابية

حزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا بارتي)

  • اتخذ حزب بهاراتيا جاناتا شعار “الهند المُصممة .. الهند المُمَكّنة”، لحشد الجماهير وقطع على نفسه في بيانه الانتخابي أن يحقق 75 وعدًا، حتى عام 2022م والذي يصادف الذكرى 75 لاستقلال الهند إن تم إعادة انتخابه للسلطة، كما وعد بأن يزيل الحقوق الخاصة التي استمرت لعقود لسكان جامو وكشمير الخاضعين لإدارة الهند، من الدستور واعتبرها عقبة أمام الوحدة الوطنية.

حزب المؤتمر الوطني الهندي

أما حزب المؤتمر الوطني الهندي فقد ركز بيانه الانتخابي على الأزمة الزراعية والبطالة، إلى جانب ضمان تمرير مشروع قانون حماية المرأة في البرلمان وتخصيص أموال مزدوجة للتعليم، بالإضافة إلى إلغاء “قانون التمرد” المثير للجدل من الدستور الهندي، إلى جانب إحداث إصلاحات في ملكية المؤسسات الإعلامية الكبيرة، ولعل واحد من أهم وعوده وضع خطة لاعتماد “الحد الأدنى من الأجور”، والتي ستشمل حوالي 20٪ من الأسر الهندية.

تحالف مهاغثبندان (Mahagathbandhan)

هي كلمة هندية تعني “التحالف الكبير”، أطلق على تجمع لأحزاب المعارضة التي تعتقد بأنّها إذا حصلت على عدد كاف من المقاعد، فيمكنها بتوحيد صفوفها يمكنها إسقاط رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا، والتي من بينها حزب المؤتمر، ومؤتمر تريناموول، وحزب الإنسان العادي، وحزب سامجوادي، ممّا جعل الكثيرين يعتقدون أنّ هذا التحالف يمكن أن ينجح بمهمته.

تحديات أمام إجراء الانتخابات وسلبياتها

تكلفة الانتخابات

قد تكون انتخابات الهند العامة للعام 2019، أكثر انتخابات في العام كلفة على الإطلاق، ففي انتخابات الدورة السابقة لعام 2014، أنفقت الأحزاب أكثر من 5 مليارات دولار، والمتوقع أن يرتفع هذا العام، ليتفوق على الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونجرس لعام 2016 في الولايات المتحدة، التي أُنفق فيها حوالي 6.5 مليار دولار، ومع أنّ الحد الأقصى المسموح به نظرياً هو مليون دولار للمرشح، إلاّ أن المبالغ التي يتم صرفها خارج نطاق القانون أكبر من ذلك بكثير، مما يجعل خوض الانتخابات عملية مكلفة جداً لا يستطيعها سوى الأغنياء، أو الذين رهنوا أنفسهم لأصحاب الثروات من رجال أعمال وإقطاعيين، وهذا ما يجعل الكثيرين يشككون في قدرة انتخابات من هذا النوع على تمثيل جماهير الشعب العريضة التي تعاني من مشكلات تختلف كثيراً عما تعرفه هذه الطبقة العليا من السياسيين.

كبر الحجم

لا شك أنّ اتساع الهند وكثرة دوائرها الانتخابات وعدد الناخبين الذي يصل إلى 900 مليون ناخب يجعل إدارة هذه الانتخابات عملية بالغة التعقيد والصعوبة، يكفي لإدراك ذلك النظر إلى انتخابات عام 2014، حيث كان هناك 913,000 مركز اقتراع، و1,3 مليون آلة تصويت إلكترونية مزودة بأكثر من 4 ملايين من موظفي الانتخابات وأكثر من مليوني ضابط شرطة يشرفون على الأمن، وكانت أكبر دائرة الانتخابية 3 ملايين شخص، أمّا الانتخابات الحالية فسيدلي الناخبون بأصواتهم في حوالي مليون مركز اقتراع، وسيشارك بإدارتها أكثر من 11 مليون موظف، كما أنّ القوانين الانتخابية في الهند تضمن حق المشاركة للجميع حتى أولئك الذين يعيشون في المناطق النائية، فاشترطت على توافر مكان اقتراع على بعد كيلومترين كحد أقصى عن أقرب تجمع سكني.

النزاهة

يعتبر ضمان نزاهة الانتخابات من أهم التحديات التي تواجه انتخابات ضخمة كالانتخابات الهندية وذات استقطاب سياسي وطائفي عالٍ، ولعل أبرز الانتقادات التي تساق في هذا المجال تنصب على مجالات ثلاثة، وهي:

إدارة الانتخابات

معلوم أن من أهم التحديات أمام أية انتخابات هو حيادية أجهزة الأمن والمشرفين على العملية الانتخابية، ولضمان أعلى مستوى من نزاهة الانتخابات في الهند، فقد تم استبعاد الشرطة والإدارات المحلية من الإشراف على الانتخابات، وإعطاء هذه المهمة إلى الشرطة المركزية، وهذا من الأسباب التي دعت إلى تقسيم العملية الانتخابية إلى سبع مراحل وتمتد إلى خمسة أسابيع، وذلك حتى تتمكن الجهات المسؤولة من أداء واجبها في جميع أرجاء الهند.

آلات تصويت الإلكترونية

من أهم الانتقادات التي توجه اليوم إلى نزاهة الانتخابات في الهند، هو اعتمادها على آلات التصويت الإلكتروني، ويجادل الناقدون أن هذا النوع من التصويت، قابل للتلاعب به والتأثير عليه من خلال اختراق أنظمة وبرامج هذه المنظومة، ويستشهدون بما حدث في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، والجدل الدائر حولها.

استخدام المال وشراء الأصوات

أشرنا سابقاً إلى أن تكلفة الانتخابات العالية تجعل الانتخابات لعبة الأغنياء وتستبعد الفقراء وهم أغلبية الشعب، ولكن يضاف إلى ذلك الاستخدام السياسي للمال من خلال شراء أصوات الناخبين، والتأثير على الإعلام ومؤسسات قياس الرأي، وتقديم الرشاوى للموظفين ورجال الأمن، وأساليب لا حصر لها يمكن توظيفها للفوز بالانتخابات، ولا شك أنّ هذا النوع من التلاعب له أثر كبير في بلد ما زالت فئات كبيرة من مجتمعه تعيش تحت خط الفقر

المصدر/ المعهد المصري للدراسات

للمزيد

Trending