هذه #المقالة ضمن سلسلة مقالات تتناول طبيعة استراتيجية #الصين وتفاعلاتها الدولية، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، وفق استراتيجيتها في بناء الاقتصاد العالمي والوقوف على ركائز هذه الاستراتيجيات والعمليات التي تعمل على تحقيقها.

بين صعود القارة الآسيوية واستعادة مكانتها التاريخية من جديد كمنطقة ثقل اقتصادي مؤثر في الاقتصاد العالمي، تعمل قوى آسيوية: (باكستان الصين وروسيا) على تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي وتستعيد شبكة تفاعلاتها البينية، في مقابل قوى أخرى ما زالت متعهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل الهند نتيجة تحديات ناجمة أيضاً عن مخاطر التوازن ومشكلات الحدود، وفي هذا السياق تلعب باكستان والصين دوراً فاعلاً في تحقيق شراكة تتحقق من خلالها مكتسبات مهمة لها علاقة باستعادة الثقل الاقتصادي الذي هو جزء مهم من خطة الحزام والطريق، الواصل إلي باكستان عبر كشمير والممتد إلي (غرب القارة الآسيوية) الشرق الأوسط، والذي يمثل عمق هذا الثقل والتوازن، والذي تتماوج فيه الخريطة السياسية بشكل كبير، مستفيدة تلك القوي من السيولة الحاصلة التي تخلق سهولة في الاختراق، والذي ينطلق فيه هذا المقال بالتركيز على فاعلية ميناء غوادر الباكستاني ودوره في هذا التفاعل.

وهنا فإن ميناء غوادر الباكستاني يعد جزء مهم من خطة الحزام والطريق، والذي دشن أول رحلاته التجريبية في نقل البضائع الصينية الى ساحل بحر العرب عبر الأراضي الباكستانية عام “2016” اذ ان التجارة الصينية تنقل برا على طول مساحة باكستان من خلال الطرق التي تم انشاؤها لتصل الى غوادر، ومن هناك تنقل البضائع الى دول الخليج والشرق الأوسط.

المميزات التي يتمتع بها ميناء غوادر:

1. يقع في الجنوب الغربي لباكستان، وهو ما يعطيه أهمية استراتيجية حيث يطلّ على بحر العرب بالقرب من مضيق هرمز الذي تعبر منه ثلث تجارة النفط العالمية، والذي تسيطر عليه حاليًا الإمارات من خلال ميناء دبي.

2. يساعد موقع الميناء في تقليل الوقت والمال على الرحلات التجارية، ويعدّ موقع الميناء ذا أهمية استراتيجية أخرى لوقوعه بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.

3. كما يمثل جزءًا هامًا من طريق الحرير القديم الذي يربط الصين مع أوروبا وآسيا وإفريقيا.

“نقل بتصرف الباحث”

وفي هذا السياق فإن العلاقات التاريخية للبلدين مكنتها من تطور التفاعلات بينهما، حيث تعود هذه العلاقات إلى السنوات الأولى من تأسيس باكستان في سنة 1947، وقد شهدت هذه العلاقات منذ ذلك التاريخ تطورات مهمّة، في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويتركز الجهد الحالي بين البلدين، على تطوير ميناء “غوادر”.

هذا الميناء الواقع على مياه دافئة عميقة عند نقطة التقاء بحر العرب، وخليج عمان. وفي هذا الإطار: فقد تم توقيع اتفاقية ثنائية بين البلدين في عام “2015” مدتها “40” عام، قائمة على استئجار الميناء، وقد قدّرت تكلفته بـ 46 مليار دولار، ويعتبر هذا الممر بوابة اقتصادية تمتد لمسافة 3000 كم، تبدأ من إقليم سنغان الصيني الذي يعاني من بعض الاضطرابات والقلاقل، مرورًا بباكستان وصولًا إلى الشرق الأوسط. ويعتبر هذا الممر طريقًا مختصرًا للوصول إلى المحيط الهندي دون الحاجة للمرور عبر مضيق ملقا الاستراتيجي والمكتظّ بالحركة البحرية.

مخاوف ميناء “غوادر” على الهند والإمارات:

يعتبر ميناء جبل علي الإماراتي، الخط الملاحي الكبير والطامح التي عملت الإمارات على تطويره وتعظيم دوره بكل الوسائل والطرق، وهو ما جعلها تقف على التحديات التي يمكن أن تبنيها على استراتيجيتها في تحقيق موقع استراتيجيي هام عالمياً.

وفي هذا السياق فهي تعمل على تطوير موانئها وتدشن موانئ قريبة منها من خلال شركة موانئ دبي العالمية، التي تستثمر وتدير شبكة واسعة من الموانئ والمنشآت البحرية تقدر وفقا لموقعها على الانترنت بـ 78 ميناء ومحطة بحرية تتوزع في نحو 40 بلدا على امتداد قارات العالم الست.

كذلك وفي ظل تدشين الصين لميناء غوادر وفي المقابل وجود ميناء جاباهار القريب من الخليج الذي عملت الهند على تدشينه سابقاً وفق اتفاق مع إيران توجهت الحكومة الهندية الى إيران وقامت بتعجيل تطوير ميناء جابهار الإيراني، الذي يبعد 165 كم من غوادر، وقامت بتسليم الميناء بالكامل للهند ضمن خطة تبلغ كلفتها حوالي نصف مليار دولار، فوقع الجانب الهندي مع الإيراني إضافة الى الجانب الافغاني اتفاقية ثلاثية في أيار 2016، لتأسيس ممر شحن دولي من الهند الى الشواطئ الإيرانية مرورا بأفغانستان الحبيسة مائيا.

خاتمة:

عملت الصين على تعزز تفاعلها وفق استراتيجيات عدة للالتفاف على كل حالات المنع التي يمكن أن تعترض طريقها، وعملت على تحقيق اتفاق ثنائي مع إيران لمدة 40 عام بقيمية 400 مليار دولار على الرغم من أن الاتفاق يعتريه بعض الشكوك إلا أنه سيتحقق في الأيام القادمة نظراً لعوامل عدة، وهو قد اغلق هذا الاتفاق الطريق على الهند في استثمارها في جابهار، وهو ما يعزز فرص التعاون الصيني الباكستاني الإيراني، والذي يضمن حصص سوقية عالية بين الصين والبلدين وخط آمن لتحقيق شراكات استراتيجية بعيداً عن الولايات المتحدة الأمريكية.