ترمب أحدث انقلابًا في العلاقة مع القضية الفلسطينية والشرق الأوسط باعتماد صفقة القرن والشروع في تنفيذها رغباً ورهباً.

صفقة القرن بدأ تنفيذها قبل الإعلان عنها وكثير من بنودها القدس وتهويدها، واعتمادها عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة إليها وتكريس يهودية الدولة بدعم قانون القومية، وضم الجولان السوري، وتكريس وشرعنة الاستيطان في الضفة الغربية، وملاحقة الأونروا وإيقاف التمويل عنها كجزء من خطة إنهاء قضية اللاجئين، وتشديد حصار غزة والإعلان عن خطة نزع سلاحها، والسماح بالإعلان عن ضم الأغوار وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وإطلاق مشروع التطبيع العربي عبر الابتزاز المباشر للأطراف الأكثر هشاشة في الدول العربية.

تعطل إعلان الصفقة عن ضم الضفة الغربية لأسباب كبيرة مرتبطة بمنح أولوية لدى ترمب لمسار التطبيع وخشية تعطله فضلاً عن الانشغال بموجات كورونا والشأن الداخلي الإسرائيلي وصراعات الأقطاب يمين ويمين الوسط.

لم تكن خسارة ترمب الانتخابية بسبب صفقة القرن حيث لا أهمية كبيرة لدى الناخب الأمريكي في الشأن الخارجي عموماً ولكن واضح أن قضية كورونا ومواجهتها كان له دوراً مباشراً فضلاً عن القضايا الداخلية وخاصة نزعة العنصرية القميئة التي مارسها ترمب.

وفي ظل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد بايدن من المتوقع توقف نهائي عن اعلان ضم الضفة والعودة إلى مسار حل الدولتين في إطاره النظري لكن ليس على حدود 67 وإنما وفق مفاهيم الحلول المتفق عليها سواء بتبادل الأراضي أو تبادل السكان ولو بنسب غير متكافئة والدولة في حدود 67 أصبحت من الماضي بفعل خطوات الاحتلال على الأرض أو إجراءات صفقة القرن. وفعلياً تم تجاوز أوسلو وما تقبله السلطة الفلسطينية سواء مسمى دولة أو دويلة أو كنتونات كجسد الضفدع سيشكل الدولة الموعودة فلسطينياً.

العلاقة مع السلطة فهو مرتهن وفق آخر سيناريو برسائل حسين الشيخ وكميل وضابط الركن وسقفها أموال المقاصة والاستمرار في لعبة العبث بمصير القضية الفلسطينية ولن يخرج بايدن عن سقف هذه العلاقة فلن يكون ملكيًا أكبر من الملك ومن يهن يسهل الهوان عليه. وستعود العلاقة عبر بايدن مع السلطة الفلسطينية على أساس من عودتها إلى طاولة المفاوضات ليس على قاعدة التمسك بدولة في حدود 67 وانما تفاوض لا سقف له

التطبيع يسارع في جهود ترمب والذي أسقط وجود السلطة الفلسطينية ولم يعد خيار وجود دولة فلسطينية قائماً بل ونسف المبادرة العربية ولم يعد لها رصيد وابتلعها أصحابها الذين سميت باسمهم في 2002م. وأصبحت في ظل ترمب العربة أهم من الحصان وسقط التفاهم الهش العربي وشيعت جامعة الدول العربية إلى مثواها الأخير.

والتطبيع سيستمر في وجود بايدن ولكن ليس بطريق الابتزاز وربما في ظل بايدن سيكون بطريقة أكثر نعومة ولباقة. وموجة التطبيع لن تكون بذات الهرولة في آخر عهد ترامب والذي راهن من خلال التطبيع وصورته في البيت الأبيض وهو يعلن المزيد من الدول والعواصم تنقاد إلى حظيرة التطبيع كصوت انتخابي في معركته على الرئاسة التي انتهت بهزيمة لم يسلم بها.

حل الدولتين انتهى بدوس ترمب له ولكن الدولة الآن الموعودة سقفها واطي إلى درجة أنها دويلة كنتونات منزوعة السلاح تعمل حرس حدود للمحتل لا سيطرة لها جواً ولا بحراً ولا براً ولا حتى على حفر بئر مياه وإنما هي إدارة مدنية لسكان وليس للأرض وليس لها سلطة على الأرض لا فوقها ولا تحتها ولا في فضائها.

بايدن سوف يستمر بحل الدولتين ولكن ليس بمنهج فرض هذه الدويلة وإنما التفاوض ولكن حل الدولتين في 93 انتهى للأبد وبذلك نحن أمام موجة تفاوض جديدة وصولاً إلى حل الدولتين. وربما يستجيب فوراً بايدن غلي دعوة عباس بعقد مؤتمر دولي ولكن لن يمثل هذا انقاذاً لمشروع حل الدولتين على أساس 67 وإنما نفق مفاوضات جديد وذر رماد في العيون في انتظار 27 سنة تفاوض جديدة على أسس متفق عليها ولكنها غير الأسس التي داستها صفقة القرن.

الأرض مكون رئيسي في مشروع التصفية عبر صفقة القرن بضم القدس وكذلك الجولان السورية وحاليًا ضم أجزاء شاسعة من الضفة الغربية على قاعدة أن الأرض لإسرائيل والحكم الذاتي للسكان الفلسطينيين ولكن بايدن سيعيد الأمر إلى مربعه التفاوض حول تبادل أراضي وربما يشمل تبادل أراض وسكان وموقع الأرض ونسبها محل التفاوض.

قضية اللاجئين كانت مستهدفة في صفقة القرن بمحاصرة الأونروا ومحاولة انهاء عملها وإعلان مشروع التوطين للاجئين مقابل إغراءات مالية للدول وكذلك الإعلان الفج عما اسماه اللاجئين اليهود من الدول العربية وكذلك عرض قضية اللاجئين الفلسطينيين ضمن قضية اللاجئين حول العالم، بايدن سيعود للحديث عن قضية اللاجئين الفلسطينيين ليس على قاعدة العودة ولا حتى لم الشمل بمفهومه الضيق وانما ربما بعض المسكنات في حل آحاد المشكلات الإنسانية، وربما حديث عن التعويض وكل ذلك في سياق التفاهم وليس في سياق فرض شيء على إسرائيل.

القدس اليهودية في صفقة القرن احتلت زخمًا كبيراً وكانت عنوان رئيس وعاصمة موحدة ونقل السفارة وتسجيل السكان الأمريكيين مواليد القدس أنهم من مواليد إسرائيل مجدداً بايدن سيعيد القدس إلي التفاوض لكنه لن يخرج السفارة من القدس.

غزة وردت في صفقة القرن دون فعل والمانع هو واقع قطاع غزة منع من تنفيذ نزع سلاح غزة وبايدن سيعيد العلاقة مع غزة على أنها جزء من مشروع أوسلو وحالة التفاوض تعيد غزة إلى حضن السلطة دون حماس ولن تتكرر تجربة انتخابات 2006م.

الأمن مكون رئيس في صفقة القرن والتي جسدت الرؤية اليمينية للأمن اليهودي والأولوية لأمن إسرائيل وأي مكون محيط بها مهمته حمايتها بشكل أو بآخر، بايدن لا يساوم على قضية أمن إسرائيل ولكن الأسلوب سيكون مختلفًا باعتباره مهمة اختيارية نشأت عبر التفاوض والاتفاقات وليس بفرض املاءات كما فعل ترمب.

المعابر جزء من الأمن ولذلك سيطرة كاملة إسرائيلية وحتى المعابر الفلسطينية الخالصة يسبقها معبر إسرائيلي ينظف الطريق وكذلك حماية حق إسرائيل في الدخول إلى أي أرض. بايدن سيعود إلى تفاوض لإدارة مشتركة بظهور مباشر إسرائيل أو خفي كما كان في معبر رفح في اتفاقية 2005م.

الأسرى متروك أمر الافراج عنهم للتقدير الإسرائيلي والذي ارتهن طويلة لمصطلح أيدي ملوثة بالدماء سيكون لدى بايدن للدرجات أقل وقد يكون تفاهم على افراجات محدودة تعيد الثقة للسلطة خاصة أن الشعب الفلسطيني لم يخرج بعد من ظل وفاء الأحرار.

مقاربة بايدن لـصفقة القرن مختلفة تماماً عن ترمب ولكن الصفقة عدت واقعًا والعودة إلى المفاوضات من يحيي العظام وهي رميم والشعب الفلسطيني وقواه جميعًا بحاجة إلى مقاربة جديدة عنوانها مشروع تحرير وإقامة دولة كاملة السيادة.