تتمتع تركيا بعلاقات تاريخية وثقافية وإثنية مع أفغانستان. إذ يعود أول “اتفاق تحالف” بين البلدين إلى عام 1921. عملت تركيا عام 1930 على دعم التحديث فيها، ووقفت ضد الاجتياح السوفياتي في عام 1979. وخلال الحرب الأهلية في عام 1990، دعمت “حزب الجونبيش” الأوزبكي وزعيمه عبد الرشيد دوستم، الذي هرب إلى أنقرة بعد تولّي “طالبان” السلطة عام 1996.

بعد 20 سنة من حربها عليها بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وافقت الولايات المتحدة الأميركية على سحب قواتها من أفغانستان إثر اتفاق أبرمته مع حركة طالبان العام الماضي.

ذلك أنه بعد مدة طويلة من المفاوضات المتعثرة أبرمت واشنطن مع طالبان اتفاقًا في الـ29 من فبراير/شباط 2020 وصف بالتاريخي، ينص على انسحاب القوات الأميركية من البلاد خلال مدة 14 شهرًا، وتبادل الأسرى وإجراءات لبناء الثقة بين الجانبين، فضلًا عن إطلاق حوار ومفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية.

وعقب خسارة ترامب وفوز بايدن بالرئاسة، لم يتنصل رئيس الولايات المتحدة الجديد من الاتفاق، ولكنه رأى أن الجدول الزمني للانسحاب ليس عمليًّا، واعدًا بإتمامه في الذكرى السنوية للهجمات أي في الـ11 من سبتمبر/أيلول المقبل.

تريد واشنطن الخروج من أفغانستان لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بنتائج تدخلها فيها وأولويات سياستها الخارجية وبعض الديناميات الداخلية، ولكنها لا ترغب بالتأكيد بخسارتها كليًّا أو فقد الدور والتأثير فيها تمامًا، ما يُحوج إلى طرف ما يقوم بهذه المهمة، ويبدو أن تركيا كانت الخيار الأنسب. ذلك أن الأفغان -بمن فيهم طالبان نفسها- لا ينظرون إلى تركيا كما ينظرون إلى الولايات المتحدة، فهي لا عدوة ولا خصمة لهم، من جهة لكونها دولة مسلمة ومن جهة ثانية لأن الأدوار التي اضطلعت بها في أفغانستان طوال السنوات الماضية كانت بعيدة عن المهام القتالية.

ومن هذا الباب، فقد اختيرت إسطنبول لاستكمال مسار “مفاوضات السلام” بين طالبان والحكومة الأفغانية واستضافة مؤتمر بهذا الخصوص ترعاه تركيا بالمشاركة مع قطر والأمم المتحدة، في أبريل/نيسان الماضي، إلا أن الخارجية التركية أعلنت تأجيل المؤتمر لاستكمال ترتيبات الوفود المشاركة في ظل حديث عن رفض طالبان المشاركة.

في هذا الإطار، تُوْلي الولايات المتحدة وحلف الناتو أهمية خاصة لمطار حميد كرزاي الدولي في كابل، بعّدِّه بوابة أفغانستان على الخارج، وبما يجعله صمام الأمان للبعثات الدبلوماسية والهيئات الدولية المقيمة على الأراضي الأفغانية والمترددة عليها، لا سيما في ظل التطورات الميدانية المتفاقمة أخيرًا التي دفعت عددًا من الدول لإغلاق ممثلياتها هناك.

الرؤية التركية

في أكتوبر/تشرين الأول 2001 وافق البرلمان التركي على إرسال الحكومة قوات إلى أفغانستان، ومع قرار مجلس الأمن إنشاء قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن “إيساف” في أفغانستان في ديسمبر/كانون الأول شاركت تركيا في المهمة بـ260 جنديًّا ضمن قوات حلف الناتو.

وعلى مدى سنوات طويلة، ولا سيما بعد الانتقال إلى مهمة “الدعم الحازم” في 2005، اضطلعت القوات التركية بمهمات غير قتالية تركز على التدريب وإدارة بعض المشاريع، وضمان الأمن في محيط كابل، فضلا عن وجودها في مطار حميد كرزاي وإدارة الجزء العسكري منه في السنوات الست الأخيرة، وما زالت تحتفظ هناك بنحو 500 جندي.

الرغبة الأميركية التقت -في ما يبدو- برغبة تركية مماثلة ولكنها مختلفة المنطلقات والدوافع، إذ يمثل بقاء قواتها هناك دورًا مستمرًا لها في منطقة ذات أهمية استثنائية تتخطى حدود أفغانستان، وبما له علاقة بشرق آسيا وآسيا الوسطى من جهة والتنافس مع قوى عالمية وإقليمية مثل الصين وروسيا وإيران، وكذلك على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة.

ذلك أن خطاب واشنطن تجاه أنقرة تبدل تبدلًا ملحوظًا بعد قمة الناتو الأخيرة التي ركزت على ملف أفغانستان من بين ملفات خلافية كثيرة بين الجانبين، حتى إن صحيفة مثل “وول ستريت جورنال” (Wall Street Journal) رجحت أن تستخدم أنقرة هذا الملف ورقة تفاوضية مع واشنطن لتحصيل تنازلات أو مرونة منها في ملفات أخرى في مقدمتها صفقة إس400 الروسية.

وتتلخص الرؤية التركية لفكرة بقاء قوات لها في أفغانستان بـ3 ركائز أساسية:

الأولى، ألا يكون وجودًا تركيًّا بل وجود دولي تنوب عنه أو تديره تركيا، بما يشكل غطاء سياسيًّا دوليًّا أو على أقل تقدير أطلسيًّا لها.

الثانية، ألا تبقى أنقرة هناك بمفردها وإنما مع شركاء آخرين، وقد حددت ترجيحاتها بباكستان والمجر، الأولى بسبب جوارها ونفوذها ودورها في أفغانستان، والثانية رمزيًّا كدولة أوروبية وعضو في حلف الناتو، وليس لها بالضرورة الانطباع السلبي نفسه لدى الأفغان/طالبان مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، فضلًا عن أنها -مثل باكستان- تجمعها بتركيا علاقات جيدة أخيرًا.

الثالثة، أن تضمن سلامة قواتها في كابل، وهو ما يمر عبر طريقين، التزام الناتو توفير الدعم اللازم لا سيما في حال تدهورت الأوضاع الميدانية، وقبول طالبان بذلك أو غض الطرف عنه على أقل تقدير، ولعله العامل الأثقل في ميزان صناعة القرار التركي، وهو ما يفسر قول أردوغان إنه “لا يمكن تجاهل حقيقة طالبان” في أفغانستان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *