نشرت العاصمة بكين صوراً لمصافحة وزير الخارجية وانغ يي للقيادي في طالبان عبد الغني برادار، وهذا منح الحركة قوة وشرعية بين الدول الآسيوية العظمى.

حدثت حالة من الدهشة في مختلف أنحاء العالم إثر استيلاء طالبان على العاصمة كابول، وخصوصاً في الدول الثلاث المجاورة لأفغانستان: باكستان والهند والصين.

وحسب تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” (washingtonpost) الأميركية، أفاد الكتّاب جيري تشيه، وريبيكا تان، ونيها ماسيه، أن حكومات الدول الثلاث عملت على تسريع من وتيرة اتصالاتها الدبلوماسية مع حركة طالبان في الأشهر الأخيرة؛ وذلك تحسباً لاحتمال أن تصبح قوة سياسية رئيسية في أفغانستان. لكن ما فعلته طالبان فاق التوقعات، حيث سيطرت على البلاد بشكل كامل وغيّرت المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

انتصار باكستان

وأضافت الصحيفة الأمريكية أن سيطرة طالبان على كابل يُعد انتصاراً استراتيجياً على الهند،ولكنها في المقابل من الممكن أن تُشكل أيضاً كابوساً في حالة صدام طالبان مع الحكومة الباكستانية.

ومن جهة أخرى، تخشى الهند بشأن الوضع في كشمير والتوترات الحدودية مع باكستان.

أما الصين، فقد زادت مخاوفها من انتشار الجماعات المتشددة التي تهدد مشاريع البنية التحتية الطموحة التابعة لبكين غرباً عبر أوراسيا.

ومما زاد حجم التهديدات بشكل واضح في يوليو/تموز الماضي هو استهداف تفجير انتحاري حافلة تقل عمال بناء صينيين شمال غربي باكستان، مما أسفر عن مقتل 13 شخصاً.

وعقب وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي على الهجوم قائلاً بأنه كان بمساعدة الهند والحكومة الأفغانية. وقد رفضت الهند هذا الادعاء ووصفته بأنه “سخيف”. وحاولت حركة طالبان باكستان في أبريل/ نيسان الماضي اغتيال السفير الصيني في إسلام آباد بسيارة مفخخة خارج فندقه في كويته.

ويقول أندرو سمول، الباحث في “صندوق مارشال الألماني” ومؤلف كتاب “المحور الصيني الباكستاني: الجغرافيا السياسية الجديدة لآسيا”، إن سهولة وسرعة استيلاء طالبان على السلطة جعل هناك مستويات متفاوتة من المخاوف في إسلام آباد ونيودلهي وبكين.

ويرى سموث بعد تسهيل باكستان عودة طالبان إلى السلطة “لم ترحب على الأرجح بالطريقة التي تمت بها الأمور. ستكون هناك الآن مواقف صينية أكثر صرامة وضغوط لضمان الاستقرار في الجوار”.

ودعت وزارة الخارجية الباكستانية القادة الأفغان إلى العمل يداً بيد وقالت إنها “أكدت باستمرار على أن الحل السياسي لا غنى عنه”. ومن جانبها، قالت الصين إنها “تحترم إرادة واختيار الشعب الأفغاني”، ولم يعلق المسؤولون الهنود على ذلك.

الموقف الصيني المُتغَيِّر

وذكرت الصحيفة الأميركية أن الموقف الصيني غير المتشدد من طالبان متغير مقارنة بالعقود السابقة، عندما كانت بكين تعبر عن مخاوفها من قيام طالبان بإيواء مقاتلين من الأويغور.

في نهاية يوليو/تموز الماضي، نشرت وكالة أنباء الصين (شينخوا) صورا لوزير الخارجية الصيني وانغ يي يلتقي بالملا عبد الغني بارادار، الزعيم السياسي لحركة طالبان الأفغانية، في تيانجين (الفرنسية).

وبرَّر المتحدث باسم الخارجية الصينية تشاو ليجيان ذلك باعتبار طالبان حركة سياسية مختلفة عن المتطرفين الإسلاميين الناشطين في باكستان.

ونشرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية عن “انهيار المشروع الأميركي الذي استمر عقدين في أفغانستان”، وأفادت أن التهديدات المرتبطة بمقاطعة سنجان (شينجيانغ) ليست كما كانت سابقاً.

وكتب هو تشيجين -المحرر البارز في صحيفة “غلوبال تايمز” الحكومية الصينية- أن “الولايات المتحدة دولة غير موثوق بها ويمكنها التخلي عن حلفائها في الأوقات الحرجة، والوضع في أفغانستان يلخص ذلك”.

وعلق تلفزيون “فينيكس تي في” على سيطرة طالبان على العاصمة كابل بأن الصين كانت مستعدة للتعامل مع أي تداعيات على الساحة الأفغانية بالضغط على طالبان للنأي بنفسها علنا عن “القوات المرتبطة بسنجان”، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع روسيا ودول أخرى في المنطقة لتعزيز الرقابة على الحدود.

وأفاد دان ماركي، الباحث البارز في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكينز أن الاهتمام الأول للصين هو الشأن الأمني، أي تدفق اللاجئين والمقاتلين. “الناس والأيديولوجيا والمقاتلين المدربين -هذا ما يحتل أولوية التفكير”.

قلق الهند

بعد مطالبة نيودلهي بمقاسمة السلطة في أفغانستان منذ فترة طويلة، زادت المخاوف في الأشهر الأخيرة بعد تراجع قوات الرئيس الأفغاني أشرف غني. وقد أفاد بعض المسؤولين الهنود أن سيطرة طالبان على أفغانستان من شأنه أن يجعل الجماعات الإسلامية المقاتلة أكثر قوة وعنفاً من كشمير إلى شينجيانغ.

وقال ديفيفرا هودا، وهو ضابط متقاعد تولى قيادة القوات الهندية في كشمير حتى عام 2016، إنه لا يتوقع تدفق المقاتلون الأجانب إلى كشمير من أفغانستان وخلق تأجيج حالة التمرد كما حدث في تسعينيات القرن الماضي. حيث عززت الهند سلامة حدودها بشكل كبير في السنوات الماضية.

لكن الضابط الهندي يعتقد “أن عودة طالبان ستعزز الروح المعنوية للجماعات المسلحة التي تتخذ من باكستان مقرا لها، مثل عسكر طيبة وجيش محمد وطالبان الباكستانية، ويوضح في هذا السياق إنه نصر معنوي قد تستغله بعض الجماعات الإرهابية لمحاولة تجنيد المزيد من الشباب في مناطق مثل كشمير”، على حد قوله للصحيفة الأميركية.

هجرة أفغانية جديدة

هناك 3 ملايين لاجئ أفغاني يقيمون في باكستان منذ أكثر من 40 عاماً، نصفهم تعترف بوجوده منظمات دولية وتقدم لهم المساعدة، والنصف الآخر يعتبر مقيما بطريقة غير شرعية.

ومن جهة أخرى، لا تحتضن الهند عدداً كبيراً من اللاجئين الأفغان.

ويبلغ عدد اللاجئين الأفغان في إيران -حسب إحصاء أجري في 2016- مليونا و583 ألف و979 لاجئا، ينتشر معظمهم في مدن طهران، ومشهد، وقم، وكرمان، وسط توقعات بأن العدد أكبر من ذلك بالنظر إلى أن نصف اللاجئين في إيران غير مسجلين، وأعلنت إيران أنها ستقيم مخيمات لتوفير ملاذ مؤقت للاجئين الأفغان في 3 مقاطعات حدودية.

ووفقًا للبيانات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن إيران تستضيف ما يقرب من 3 ملايين مواطن أفغاني منهم 800 ألف فقط مسجلين رسميًا.

ويستمر تدفق اللاجئين الأفغان إلى تركيا مع تصاعد الاشتباكات في البلاد بين الحكومة الأفغانية ومسلحي طالبان. كما قررت وزارة الدفاع التركية تعزيز قواتها على الحدود مع إيران بهدف منع العبور غير القانوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *