استحضر المشاركون، خلال جلسات المؤتمر العلاقات التاريخية الصينية الفلسطينية، والروابط السياسية والثقافية، مؤكدين على أن التاريخ والحاضر يدفعان العلاقة بين الطرفين إلى بذل المزيد من الجهود التي من شأنها توسيع الأرضية المشتركة، نحو تعزيز الشراكة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، بين الشعب الصيني وشعوب المنطقة العربية والإسلامية عامة، والشعب الفلسطيني خاصة.

ألقى د. وائل المبحوح، باحث في الشؤون السياسية بوزارة الثقافة الفلسطينية ومحاضر غير متفرغ في العديد من الجامعات الفلسطينية، كلمته الأولى في الجلسة البحثية بعنوان “مستقبل الدور الصيني تجاه القضية الفلسطينية، هل يُصلح الخلل في التوازن الدولي؟” “هل يمكن أن تكون الصين بديلاً أفضل عن الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد؟” والتي ذكر فيها د. وائل سمات السياسة الخارجية الصينية التي حددها وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” عام 2011 خلال زيارته إلى السودان، وهي: أن الصين تلتزم دائماً بمبدأ استقلالية السياسة الخارجية، تعارض الصين نزعة الهيمنة إلى حفظ السلام الدولي، تعمل الصين بنشاطٍ على إقامة نظامٍ سياسيٍ واقتصاديٍ دوليٍ جديد عادلٍ ومنصف، تنتهج الصين سياسة الانفتاح شامل الأبعاد على الخارج، تستعد لإجراء التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والفني والتبادل العلمي والثقافي على نطاقٍ واسعٍ مع بلدان العالم، تحرص الصين على إقامة وتطوير علاقات الصداقة والتعاون مع جميع البلدان على أساس المبادئ الخمسة المتمثلة في: الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، عدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، المساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي.

وأوضح د. المبحوح أن الصين لم تكن دولةً استعمارية أو تطمح لذلك، وأن السياسة الخارجية للصين هي سياسة متحفظة وتتحرك بحذرٍ شديد في بيئةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ معقدة. “إن هدف الصين الأساسي هو ضمان المصالح العليا والحفاظ على أكبر قدرٍ من الصداقات وتجاوز عنق الزجاجة الجيو- استراتيجي الذي تهتم به الصين بشكل مباشر.” وكانت الصين أولى الدول الغير عربية التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية، ورفضت في الوقت نفسه الاعتراف ب “إسرائيل” بالرغم من اعتراف “إسرائيل” بالصين الشعبية. وأصبحت الصين أيضاً بعد ذلك الدولة الكبرى التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وعكَس الخطاب السياسي الصيني لهجةً عدائيةً تجاه إسرائيل بوصفها “عميلة الاستعمار وأداة للإمبريالية وشريكة للاستعمار الجديد”.

لكن حدثت بعد ذلك تحولات في هذه السياسة الصينية، حيث بدأت الصين منذ منتصف الثمانينات بالتراجع عن مواقفها المؤيدة علناً للدول العربية في صراعها مع إسرائيل. وذكر د. وائل بعض التصريحات التي وردت حول هذا الموضوع منذ منتصف الثمانينات على لسان رئيس مجلس الدولة الصيني عندما كان يلقي محاضرة في المعهد الملكي للشؤون الدولية وعبر فيها عن الموقف الصيني للقضية الفلسطينية فلم يتطرق في هذه المحاضرة إلى أي تفصيلات حول هذه الحقوق، ولم يُشر إطلاقاً إلى إصرار الصين التقليدي على مبدأ الكفاح المسلح. وهذا التوجه في السياسة الصينية أكده وزير الخارجية الصينية عام 1986 عندما صرح بقوله: “إننا نؤيد المفاوضات السلمية التي تخدم الحل العادل والشامل لمشكلة الشرق الأوسط”. إذاً هذا التطور في موقف الصين أصبح يمثل نهجاً مختلفاً عن النهج السابق، وهذا يؤكد أن السياسة الخارجية لأي بلد تحكمه المصالح فقط وربما تتقدم هذه المصالح على المبادئ في كثيرٍ من الأحيان. واختتم د. وائل المبحوح قوله: “ستستمر الصين بموقفها المؤيد للحق الفلسطيني وانتقاد السياسة الأمريكية لدعمها للاحتلال، بالرغم من تراجع مستوى هذا التأييد مقارنةً بالموقف التاريخي الداعم بقوة للنظام الفلسطيني في عهد ماو تسي تونغ وستحافظ الصين على موقفها المنسجم مع القانون الدولي.”

من جهته، قال أ. بدر الدين صيام، وهو مساعد باحث في جامعة الدفاع الوطني الماليزية، في كلمته بعنوان “الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط”، أن “منطقة الشرق الأوسط وقعت ضمن استراتيجيات طورتها جمهورية الصين الشعبية لتتفادى سياسة الاحتواء والتطويق الأمريكية التي فُرضت عليها في جنوب شرق وشرق آسيا.”  وتطورت هذه الاستراتيجية بعد مجموعة من التغيرات الداخلية والخارجية تأثرت بها جمهورية الصين الشعبية. والتقت هذه المصالح الصينية العليا مع القيمة الاستراتيجية للشرق الأوسط ومنها: تأمين موارد الطاقة، حيث أصبح من الواضح أن الموارد الاقتصادية وتأمين موارد الطاقة واحداً من أهم محددات السياسة الخارجية للصين وخاصةً تجاه دول منطقة الشرق الأوسط الغني بالنفط والغاز والذي يُعتبر المُصدِّر الأول للنفط والغاز إلى الصين. هذه الميزة للشرق الأوسط جعلت منه ذو قيمة استراتيجية للصين.

وأضاف أ. بدر الدين صيام أن من هذه المصالح والاستراتيجيات الأهمية الجغرافية الاستراتيجية للشرق الأوسط. حيث يعتقد الخبراء الصينيون بما أن الشرق الأوسط ذو موقع مركزي وعالمي ومهم في الخريطة السياسية للأرض، ومنطقة تتمتع بأهمية جغرافية كبيرة، فغن الولوج إليه فرصة الصين لتحقيق رغبتها في توسيع نطاقها الجغرافي ونفوذها الاستراتيجي إلى أبعد من جوارها المباشر في دول آسيا والمحيط الهادي. وثالث نقطة من المصالح الصينية هي استراتيجية التوجه غرباً بمعنى إصلاح الأقاليم الداخلية في غرب الصين والانطلاق إلى سياسة فردية جديدة تجاه آسيا ومنها الشرق الأوسط ولتفادي سياسة الاحتواء والتطويق الأمريكية التي كانت تعتقد الصين أنه من الصعب مواجهتها بشكل مباشر لأن هذه الطريقة لا تتناسب مع الصعود الصيني الهادئ.

وصرح أ. صيام أن “الصين تسعى لتحسين علاقاتها مع دول الشرق الأوسط ودول أسيا الوسطى التي لا تملك فيها الولايات المتحدة تحالفات قوية لتطويق الصين واحتوائها في تلك المنطقة ومنها الولوج إلى منطقة الشرق الأوسط وتعزيز وتوسيع نطاقها الجغرافي والسياسي والاقتصادي.” وأعلنت الصين مبادرة الحزام والطريق والشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. هذه المبادرة تحمل سياسة خارجية جديدة تجاه آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وأن الشرق الأوسط له أهمية كبيرة لأنه يجمع بين خطي الحرير البري والبحري. وأخيراً، سعت الصين إلى تأمين المصالح الصينية وموازنة النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. أدركت الصين أنه يجب عليها لحماية هذه المصالح التي تشكلت أن تزيد من تدخلها في هذه المنطقة وقضاياها، ومنها القضية الفلسطينية. وشعرت الصين بضرورة استغلال الفراغات الاستراتيجية الناتجة عن انشغال الولايات المتحدة بترميم صورة هيمنتها في الأقاليم الأخرى غير الشرق الأوسط.

واختتم أ. بدر الدين صيام كلمته بقوله: “ستبقى منطقة الشرق الأوسط أهم المناطق الجغرافية السياسية بالنسبة للصين بعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ومن المرجح أن الصين ستستمر بتطوير علاقاتها مع دول المنطقة رغبةً منها برعاية مصالحها الاستراتيجية العليا وتعزيز شراكاتها السياسية والاقتصادية استمراراً لسياسة الصعود الهادئ الصيني وربما سيشكل هذا الصعود فرصة لكسر الهيمنة الأمريكية في المنطقة وفي القضية الفلسطينية.”

من جهة أخرى، عبرت د. بثينة الزواهرة، وهي مُحَاضِرة في دراسات الشرق الأوسط في الصين ومتخصصة في الشأن الصيني والعلاقات العربية الصينية، في كلمتها بعنوان “دور الصين في تحقيق السلام في الشرق الأوسط” عن قدرة الصين في لعب الدور الذي عجزت عنه أميركا في خضام أزمات الشرق الأوسط اللامتناهية.  

حيث قالت د. الزواهرة: “كانت الولايات المتحدة على الدوام راعيةً للسلام والفوضى في آنٍ معاً. فكانت الوسيط الأهم والأقوى بين الوسطاء الدوليين لحل النزاعات في الشرق الأوسط لاسيما النزاع بين العرب ودولة الاحتلال الإسرائيلي. وبالرغم من تباين الإدارات الأمريكية في وساطتها بين مدٍ وجزرٍ واختلاف الأدوار تارةً كوسيطٍ منحازٍ يسعى للظهور بصورة المعتذر وتارةً كوسيطٍ منحازٍ بشكلٍ صارخٍ نحو الجانب الإسرائيلي. فتشكل لدى الجانب العربي قناعةً بأن أميركا غير قادرة على تحقيق السلام في المنطقة بين العرب ودولة الاحتلال الإسرائيلي بالإضافة إلى اتهامها بخلق أزماتٍ في أماكن مختلفة وذلك لاتباع أميركا لسياسة الفوضى الخلّاقة. الأمر الذي ترتب عليه زيادة تأزيم الأوضاع في الشرق الأوسط على مدار سنواتٍ طويلة وخلق أزماتٍ لا تنتهي، فلا يكاد يخمد وهج أزمةٍ حتى يكاد يشتعل لهيب أزمةٍ أخرى”.

ومن هنا، برزت الحاجة إلى طرفٍ جديدٍ يمتلك القدرة على التأثير ولعب دور الوسيط النزيه وأن يحوز على ثقة كافة الأطراف. فظهرت الصين لتسد الفراغ وتلعب هذا الدور وقد تجلى ذلك من خلال مواقفها الأخيرة لاسيما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة في مايو 2021. وأضافت د. الزواهرة أنه “تمتاز علاقات الصين مع أطرافٍ فاعلةٍ إقليمياً في الشرق الأوسط بالجيدة، وتوصف بالممتازة مع بعض الدول. هذا بالمقابل مع علاقاتٍ أمريكيةٍ متوترةٍ بدرجاتٍ متفاوتة مع بعض الأطراف في الشرق الأوسط.”

وتثبت الدراسات العلمية الحديثة بأن هناك توجه عربي جديد يمتلك القدرة على التأثير ولعب دور الوسيط النزيه وأن يحوذ على ثقة كافة الأطراف. ففي دراسةٍ نُشرت في مطلع 2020 في موقع الباروميتر العربي حول الرأي العام العربي ل 12 دولة عربية، تبين أن 6 من هذه الدول تُفضل علاقاتٍ أقوى مع الصين وأنها تطمح بأن تصبح علاقاتها مع الصين أقوى من علاقاتها مع الولايات المتحدة. كما بينت الدراسة بأن 61% من عموم الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يُفضل تلقي المساعدات الخارجية من الصين ويرى بأن تزايد الدور الصيني سيكون مُرحباً به من قبل شعوب المنطقة. وهذا مؤشرٌ مهمٌ على المستوى الشعبي العربي للطريقة التي يُنظر من خلالها الشعب للصين والولايات المتحدة على حدٍّ سواء.

وبهذا تقول د. بثينة الزواهرة: “ترى الصين وجوب إيجاد تصور جديد في المنطقة يكمن في التعاون الأمني الجماعي المتبادل والدائم وأن يُبنى ذلك على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية لاسيما التدخل العسكري وحل النزاعات بالطرق السلمية وأن يترافق ذلك مع تعاون اقتصادي كبير وعميق.”

بدوره، أكد م. أحمد نصار، كاتب في الشأن الصیني وعضو في الاتحاد الدولي للصحفیین والإعلامیین والكتاب العرب أصدقاء الصین منذ عام ٢٠١٦، حول “تاريخ السياسة الخارجية الصينية تجاه القضية الفلسطينية” على عدالة الصين في سياستها تجاه قضايا الشرق الأوسط في تحقيق سلامة الشعوب والتأكيد على أمنها واستقلالها والحفاظ على الأرواح ونبذ العنف والتوجه للحلول السلمية، ولعل على رأس القضايا في الشرق الأوسط القضية الفلسطينية والتي تبلورت رؤية الصين تجاهها منذ زمن بعيد ولم تتغير هذه الرؤيا المعتدلة مع تغير العوامل والمؤثرات سواء في فلسطين أو في العالم على حدٍ سواء. وقد سُطرت هذه السياسات في مبادئ عدة أهمها مراعاة مصلحة المجتمع الصيني ككل في المرتبة الأولى، والحفاظ على ديمومة التطور الاقتصادي والاجتماعي بنظرة متقدمة مع مرونة التغير السليم العالمي، وقيادة الشعب الصيني على اختلاف قومياته على طريق الإصلاح والانفتاح.

وأضاف م. نصار أن “هذه المسيرة تتسم بالثبات والقوة وقد وصلت الصين إلى صورتها الحالية كدولة معاصرة قوية وعظمى واستطاعت أن تؤكد على صوابية النهج وصلاحية النظريات على مختلف الأصعدة واضعة نصب أعينها الوصول إلى بر الحياة السعيدة كهدف للكفاح والتضحية.”

وقد أبدت الصين تأييداً مستمراً للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في نيل حريته وإقامته لدولته المستقلة. واستمرت سياسة الصين الخارجية بنهجٍ مؤيد ثابت للحقوق العربية. وبدأت أولى ملامح تغير السياسة الخارجية للصين الشعبية بعد قيام الجمهورية باعتراض ممثل الصين داخل مجلس الأمن في 19 آذار 1948 على تدخل الأمم المتحدة عسكرياً وفرض قرار التقسيم على العرب بالقوة. وفي 15 أيار/مايو عام 1948، أعلن المندوب الصيني أسفه لاعتراف الولايات المتحدة بإسرائيل؛ لأن ذلك قد زاد من المصاعب على مجلس الأمن في إيقاف الصراع القائم في فلسطين. كما أن الاعتراف الأمريكي قد أفقد لجنة الهدنة حيادها الذي كان يُعتبر الوسيلة الوحيدة للسيطرة على الصراع، واعتبرت الصين أنه لا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة ما يُخولها حق تقسيم أي دولة لذلك اعترضت على قرار التقسيم وكانت ترى أن الولايات المتحدة منحازة للجانب الإسرائيلي. وكذلك فقد جاء الموقف الصيني في حرب حزيران/ يونيو عام 1967 على المستوى الرسمي مؤيداً سياسياً كاملاً للقضية العربية. وقد تُرجم هذا التأييد جماهيرياً بتظاهرات انطلقت في بكين ل 3 أيام متتالية ضمت حوالي مليون ومئتي ألف صيني تضامناً مع الشعب العربي وتنديداً بالعدوان الإسرائيلي على الدول العربية.

وعلى المستوى الدبلوماسي الرسمي، بادرت الصين عام 1988 بعد إعلان الرئيس الراحل ياسر عرفات عن قيام دولة فلسطين المستقلة في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1988 في دولة الجزائر، إلى الاعتراف بهذه الدولة. وفي أوائل عام 1989، رفعت الحكومة الصينية مستوى التمثيل الفلسطيني إلى مرتبة سفارة دولة كاملة تتمتع بكامل وكافة الحصانات والامتيازات الممنوحة لأي سفارة بأي دولةٍ أخرى. وقد تم اعتماد أوراق أول سفير فلسطيني للصين السيد/ يوسف رجب الرضيع وتم رفع العلم الفلسطيني في مراسم رفيعة المستوى.

أما حاضراً، فقد رفضت الصين بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت عام 2007، التمييز بين أعضاء هذه الحكومة. وبهذا ف “إن الرؤية الصينية الثابتة والواضحة للقضية الفلسطينية تؤكد على حكمة هذه الهوية وعدالة قضيتها في نفس الوقت.” فالصين، الدولة الاقتصادية العظمى وعلى الرغم من مصالحها المرتبطة بالعديد من الدول التي لا تتبنى رؤيتها تجاه فلسطين، فإنها تؤكد على أن جذور الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين تكمن في بقاء القضية الفلسطينية عالقة دون حل. وفي هذا الصدد، “تدعم الصين حق فلسطين في إقامة دولة مستقلة مع ضرورة توفير المساعدات للشعب الفلسطيني. وكذلك فإن الصين دائماً ما تدعو إسرائيل إلى الالتزام بالقانون الدولي والمعاهدات الدولية ذات صلة، كما دعت إلى ذلك في مجلس الأمن في جلسة افتتاحية مفتوحة بتاريخ 16 مايو 2021.”

وحول موضوع “الموقف الصيني من القضية الفلسطينية بين الأيدلوجية والمصالح الاقتصادية” قال أ. تيسير محيسن، مستشار دبلوماسي في وزارة الخارجية الفلسطينية، ومحاضر غير متفرغ في عدد من الجامعات الفلسطينية، وكاتب ومحلل سياسي في الشؤون العربية والدولية وناشط ومقدم برامج سياسية عبر وسائل الاعلام، “إن الصين وفق الأيدلوجية التي بُنيت عليها منذ انتصار الثورة في بداية 1949 كانت مرجعية التفكير الأيدلوجية في بناء السياسة الخارجية للدولة الصينية هي الفكر الاستراتيجي الذي كان ممتداً في العالم ذلك الوقت.”

حافظت الصين على علاقة وطيدة ومتقدمة مع القضية الفلسطينية والثورة الفلسطينية. فمنذ نهاية السبعينات وحتى اللحظة، إن تقدم المصالح للصين على الأيدلوجيا كان مرجعية رسم السياسة الخارجية الدولية في كل تقاطعاتها مع مناطق العالم. وهذا ينسحب أيضاً في القضية الفلسطينية حيث لم يكن هناك اعتراف بإسرائيل من نهاية السبعينات وحتى منتصف الثمانينات. حيث كان هناك تقدماً كبيراً في العلاقات البينية بين الصين و
إسرائيل” مع ازياد في حجم التبادل التجاري بينهما. تمثل الصين الآن ثالث شريك تجاري لإسرائيل، وأول شريك تجاري في منطقة آسيا لإسرائيل.

وأضاف أ. محيسن أن “هذا الابتعاد بمساحة كبيرة عن الأيدلوجية والذهاب إلى أن تكون المصالح هي الحاضرة في رسم معالم وبنية السياسة الخارجية للصين أدى إلى: انخفاض في لهجة الصين العدائية لإسرائيل بشكل مباشر، انخفاض في الدعم الغير محدود الذي كانت تتلقاه منظمة التحرير الفلسطينية، في عام 1989 اعترفت الصين بحق إسرائيل في الاستقلال والبقاء -وهذا لم يكن موجوداً- وسعت في نفس الوقت إلى إقناع الفلسطينيين بضرورة الدخول في عملية سلام مع الإسرائيليين.”

وفي منتصف الثمانينات، بدأت الصين بالتراجع عن مواقفها المؤيدة علناً للصراع العربي الإسرائيلي. فعلى الرغم من مستوى شجاعة وقوة الموقف الصيني في الأمم المتحدة وامتلاكها حق الفيتو، إلا أنه لم يتجاوز حدود الامتناع والرفض والتأييد للفلسطينيين دون التقدم بخطوات عملية أخرى. وصرح أ. تيسير محيسن بأن “هناك سكوت من قبل الصين في الوقت الذي ينبغي لها أن تتحدث بقوة لصالح الشعب الفلسطيني.” فتراجع الأيدلوجية الفكرية المرجعية للسياسة الخارجية الصينية وتقدم الارتباطات الاقتصادية والتجارية لا تمثل عائقاً أمام الدبلوماسية الفلسطينية لأجل استعادة أقصى أدوار يمكن أن تذهب إليها الدولة الصينية في التعامل مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي.

أما الدكتور علي أبو رزق، كاتب دائم في قسم التحليلات السياسية في الأناضول الإنجليزية، صحيفة ديلي صباح، وMENA Affairs، فقد أوضح في كلمته بعنوان “دعوات الصين لاستضافة محادثات السلام بين الفلسطينيين: التوقيت، الفرص، التحديات” أن الصين تتوجه بأن تنخرط بعمق في قضايا الشرق الأوسط كجزء لا يتجزأ من سعي الصين للوصول إلى الموارد والأسواق العالمية ومناطق التأثير الاقتصادي والدبلوماسي، وهذا في قلب الشرق الأوسط. وقد أبدت القيادة الفلسطينية في رام الله ترحيباً لموقف الصين ودعوة الصين لضبط محادثات، ولكن كان هناك تجاهلاً إسرائيلياً واضحاً لتلك الدعوات.

بالنسبة للتوقيت، جاء هذا العرض تزامناً مع مجموعة من الأحداث والتطورات الجيوبولوجية في منطقة الشرق الأوسط والعالم. أولها مبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت في عام 2013 وأُدمجت في دستور جمهورية الصين الشعبية عام 2017. فمنطقة الشرق الأوسط تقع في قلب المشروع الصيني وفي قلب المبادرة لتحويل الحلم الصيني إلى واقع. حيث تقع منطقة الشرق الأوسط في تقاطعات طرق النفط المغذية لكل العالم. بالإضافة إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي المنطقة الأكثر قرباً من مناطق الملاحة البحرية للتجارة العالمية. فهذه المنطقة يوجد فيها منطقة الفسفور ومضيق الدردنيل وباب المندب ومضيق هرمز؛ ولذلك أدركت الصين أن عليها لعب دور سياسي في هذه المنطقة فحاولت التخفيف من ضغط رواية الولايات المتحدة الأمريكية حول القضية الفلسطينية. حيث قالت وزيرة الخارجية الصينية للأمم المتحدة بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة: “عليكم أن تتخذوا موقفاً الآن لأن الفلسطينيين يعانون ويجب وقف المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة وخصوصاً ضد الأطفال.” وأيضاً تأتي هذه المبادرة في ظل التحركات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، فهناك حالة فراغ تتشكل في منطقة الشرق الأوسط وإذا لم تملأ الدول التي لها طموحات في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، فمتى ستمتلئ؟

أما بالنسبة للفرص، فقد دعت الصين لاستضافة محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والذي بدوره يحتوي على مجموعة من الفرص والتحديات. فهو بالمرتبة الأولى فرصة للصين، فدخول دولة بحجم الصين في دور الوساطات بمنطقة صراعات مثل الشرق الأوسط يُعطي دولة الصين زخماً سياسياً كبيراً ويزيد من وزن هذه الدولة في المستوى الدبلوماسي الدولي. ويأتي بعدها تراجعاً واضحاً في السياسة الأمريكية وفشلها في إيجاد حلول لأزمات منطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها القضية الفلسطينية. وأيضاً فرصة للصين لأن هناك فشل أمريكي متكرر في ممارسة ضغط على الجانب الإسرائيلي وأن تظهر الصين بموقف “القائد الأخلاقي الدولي”. فإذا دخلت الصين إلى خط القضية الفلسطينية وانتقدت الممارسات الإسرائيلية ودعت أكثر من مرة في مجلس الأمن إلى وقف ارتكاب المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، فهذه فرصة مهمة للصين. وهو أيضاً فرصة للفلسطينيين لأن إدارة ملف الوساطة الدائمة تاريخياً يتم من قبل دولة تدعم القضية الفلسطينية.

وذكر د. علي أبو رزق مجموعة من التحديات تواجهها الصين لاستضافة محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فالتحدي الأكبر هو حالة الرفض الإسرائيلي لأي وساطة لا تكون فيها الولايات المتحدة اليد العليا في إدارة الملف. ثانياً، أن دعوة الصين لاستضافة المحادثات تأتي على مقترح حل الدولتين وهذا الحل أُفشل إسرائيلياً وزالت كل أسباب نجاحه بعد فرض الكثير من الوقائع على هذه الأرض. ثالثاً، أن الصين بمثل هذه الطموحات والعلاقات الفلسطينية الصينية إلى هذه المرحلة لا تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الدراماتيكية في الجانب الفلسطيني وصعود حركات المقاومة وتصدرها للمشهد الفلسطيني منذ عام 2006، بالإضافة للتحولات الداخلية التي أحدثتها حرب غزة 2021 وظهور المقاومة الفلسطينية في معركة سيف القدس والتي صعَّدت بشكل كبير من أسهم حركة حماس في الشارع الفلسطيني. مع الأسف، الطموحات الصينية حتى هذه اللحظة تتجاهل التغيرات الدراماتيكية وصعود قوى المقاومة بشكل كبير في الشارع الفلسطيني. النقطة الرابعة أن هناك غياب لعنصر الضغط والتأثير الصيني على الجانب الإسرائيلي وهذا يتمثل في انعدام الحاجة الإسرائيلية في دعم المال الصيني؛ لأن الاحتلال الإسرائيلي مكتفي مادياً ومكتفي من الصناعات الأمريكية عالية الجودة والمساعدات المالية المقدمة من الولايات المتحدة. والأهم من ذلك أن هناك حاجة صينية للمنتجات الإسرائيلية التقنية بسبب التفوق التقني التكنولوجي عند الاحتلال الإسرائيلي وخصوصاً تقنيات التجسس التي تُصدرها إسرائيل لمعظم دول العالم. أما التحدي الخامس فهو غياب الخبرات الصينية في هذا الإطار. فبعد رفض “إسرائيل” حضور اجتماع الصين لمفاوضات السلام، قامت الصين بدعوة أصدقاء السلام لحضور الاجتماع. فأصدقاء السلام هم غير مؤثرين ولا يُمثلون شيئاً في الشارع الفلسطيني.

واختتم د. علي قوله بأنه: “بات من الواضح أن هناك توجهاً صينياً رسمياً للانخراط بشكل أكبر بقضايا الشرق الأوسط وفي القلب منها القضية الفلسطينية.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *