الملاحظ في سياسات الحكومات الغربية عموما أنها رغم ادعائها بأنها تسعى لخدمة مصالحها الاستراتيجية البعيدة الأمد، إلا أنها في الحقيقة تخدم في أحيان كثيرة مصالح آنية قصيرة الأمد، تمكِّن الحكومات القائمة من البقاء في السلطة لفترة أطول.

ومن هذه الأهداف القصيرة الأمد تخفيض البطالة ومعدل التضخم، ورفع معدل النمو الاقتصادي قبل حلول الانتخابات المقبلة، بهدف إعادة انتخاب الرئيس أو رئيس الوزراء وباقي أعضاء حزبه.

في عام 1995، أقدمت الدول الصناعية على تأسيس منظمة التجارة العالمية بهدف تسهيل التبادل التجاري العالمي وتنظيم المنافسة التجارية بشكل سليم وانسابي وعادل، ووضع ضوابط واضحة وقابلة للتطبيق يحتكم إليها الجميع، تكون بديلة للاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة، المعروفة اختصارا بـ “غات” (GATT)، التي وُقِّعت عام 1947 ونظمت التجارة العالمية بين الدول الثلاث والعشرين المؤسسة لها ابتداءً، ثم الدول الأخرى التي انضمت لها لاحقا.

الأعضاء المؤسسون لمنظمة التجارة العالمية وضعوا شروطا وضوابط لانضمام الأعضاء الجدد، كما وضعوا آليات لحل النزاعات والانتهاكات المحتملة للضوابط واللوائح التي أقرتها المنظمة.

وتقتضي ضوابط منظمة التجارة العالمية أن يسعى الأعضاء لإزالة العقبات والإجراءات الحمائية من طريق التبادل التجاري العالمي، وأن تكون نسبة التعرفات الجمركية المفروضة على الواردات موحدة، بحيث لا تميز بين الدول الأعضاء، إلا عند وجود مبرر يتفق عليه العضو مع المنظمة عند نيل العضوية أو عند الحاجة لفرض التعرفات الجديدة. أي أن الدول الأعضاء، التي بلغ عددها الآن 164 عضوا، تتعامل مع بعضها البعض وفق مبدأ (الدولة الأكثر تفضيلا)، وهو المبدأ الذي كان سائدا في اتفاقية الغات السابقة، فلا تعرِفاتٍ متفاوتةً ولا دعم حكوميا للمنتجات، يُحدِث تشويها لأسعارها، ولا مساعي للإغراق (بيع المنتجات بأقل من كلفة الإنتاج بهدف إرباك المنافسة).

لا شك أن تخفيف التعرفات الجمركية على التبادل التجاري يعود بالنفع على الدول الصناعية الكبرى أكثر من غيرها، باعتبار أن لديها الكثير مما يمكنها تصديره للدول الأخرى، ولأنها قادرة على تصنيع البضائع والسلع والأجهزة والمعدات والصناعات التي يحتاجها العالم بدرجات أكثر تطورا وبجودة أكبر.

لكن الدول الفقيرة يمكنها أيضا أن تحصل على (تفضيل)، أو إعفاء، تقدمه الدول الصناعية لها بحيث يمكنها أن تصدر بعض منتجاتها دون تعرفة جمركية، لكن مثل هذا التفضيل اختياري ولا يخضع لضوابط محددة، ويعتمد على حاجة الدول الأخرى لتلك المنتجات. 

كانت الصين تسعى لتسهيل تجارتها مع الدول الغربية، وقد سعت للحصول على وضع (المفضل تجاريا) باعتبارها من دول العالم الثالث قبل تقدمها لنيل عضوية منظمة التجارة العالمية، لكن الدول الغربية، والولايات المتحدة تحديدا، كانت تعرقل انضمامها إلى المنظمة باعتبار أنها لا تتقيد بالضوابط المتبعة فيما يتعلق الإنتاج وظروف العمل وحقوق العمال، وهناك سبب آخر وهو أنها لا تريد لنظامها الشيوعي أن يحقق نجاحا اقتصاديا يمكن أن يطيل عمره. لكن هذه النظرة تغيرت في التسعينيات بعد انهيار الشيوعية، في روسيا ودول أوروبا الشرقية وباقي دول العالم، ولم يبقَ غير الصين وكوبا وكوريا الشمالية، متمسكة بالنظام الشيوعي.

كان الرأي السائد في إدارة الرئيس بِل كلنتِن حينها أن تسهيل انضمام الصين إلى منظمة التجارة سوف يمكِّن الشعب الصيني من تحسين وضعه المعاشي وأن هذا التحسن لابد أن يقود إلى مطالبة الشعب الصيني بمزيد من الحريات وبذلك يتهرأ النظام الشيوعي من الداخل.

كانت الصين حينها تصنِّع سلعا بلاستيكية ومنتجاتٍ صناعية خفيفة، رخيصة الثمن، ولكن مطلوبة في الدول الغربية كمواد أولية في صناعاتها المتطورة، أو من أجل توفير البضائع والسلع الاستهلاكية الرخيصة لمواطنيها بهدف خفض معدل التضخم وتقليص البطالة. وفعلا ساهمت الصادرات الصينية التي كانت تحصل عبر اتفاقيات ثنائية مع الولايات المتحدة في تنشيط الاقتصاد الأميركي في عهد الرئيس كلنتن، إذ شهد نموا مطردا في تلك الفترة.

وبعد مفاوضات دامت 13 عاما، وافقت منظمة التجارة العالمية على انضمام الصين إليها وكان ذلك في 11 ديسمبر 2001، أي بعد ثلاثة أشهر من هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي أقلقت العالم كله والمجتمعات الغربية تحديدا.

كانت هناك أجواء تضامنية في العالم حينها لمواجهة الإرهاب، وكان الرئيس جورج بوش (43) قد تسلم السلطة قبل أقل من عام وكانت لديه خطط طموحة لإحداث تغيير في النظام العالمي، وقد بدأها بغزو أفغانستان في مثل هذه الأيام من عام 2001، ثم تلا ذلك بغزو العراق بعد خمسة عشر شهرا، لذلك كان يريد أن يحفز الدول الكبرى على مساندته أو على الأقل يحيد موقفها، وهذا ما حصل فعلا، فلم تعترض كلا من الصين وروسيا عمليا على الخطط الامريكية، بل اكتفت بإدانة غزو العراق.

ولكن ماهي أهداف الصين الشيوعية من الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والتفاعل مع العالم الغربي الرأسمالي المناهض لنظامها؟

بعد انهيار الشيوعية في العالم في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، أدركت قيادة الحزب الشيوعي الصيني أنها لا تستطيع تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة المطلوبة لانتشال الشعب الصيني من الفقر وتحسين وضعه المعاشي عبر الاقتصاد الشيوعي الموجه، وأنها بحاجة إلى الانفتاح اقتصاديا وتجاريا على العالم، وتحسين أدائها الاقتصادي. كانت نسبة الفقر عالية جدا، وكان هناك على الأقل مليار من البشر يعيشون على ما يعادل خمسة دولارات يوميا، حسب إحصائيات بلومبيرغ. لكن هذا العدد انخفض إلى أقل من 300 مليون عام 2020، ما يعني أن الصين حققت إنجازا كبيرا بانفتاحها على العالم وقبولها عضوا في منظمة التجارة العالمية.

كما أن حجم الاقتصاد الصيني قد تضاعف بأكثر من ثمانية أضعاف خلال عشرين عاما من عضويتها في منظمة التجارة العالمية، ففي عام 2000، كان حجم الناتج المحلي الإجمالي لا يتعدى ترليوني دولار، لكنه قفز إلى أكثر من 17 ترليون عام 2020 حسب مؤشرات بلومبيرغ! أصبحت الصين تتصدر الإنتاج العالمي في العديد من الصناعات المهمة مثل الفولاذ والأجهزة الألكترونية والملابس ولعب الأطفال والأثاث المنزلي، الأمر الذي أدى إلى انخفاض أسعار هذه المواد عالميا، والتسبب في رفع نسبة البطالة في البلدان الغربية المنتجة لها.

هناك جانب آخر مهم في النهضة الصينية، الذي يهمله البعض وهو عودة هونكونغ، باقتصادها المتطور وشعبها المتعلم وأيديها العاملة الماهرة وعلاقاتها التجارية الدولية وبنيتها الأساسية المتطورة، إلى السيادة الصينية، بعد مئة عام من الارتباط الاقتصادي والسياسي ببريطانيا. هذه العودة ساهمت في تسريع النهضة الاقتصادية الصينية، رغم أن البر الصيني فرض تدريجيا على الجزيرة العديد من القوانين، خصوصا في مجال الأمن، والتي قلصت من الحريات التي كانت متاحة لسكان المقاطعة في ظل السيطرة البريطانية، إذ تراجع مؤشر الحريات في هونكونغ إلى 52 بالمئة حسب مؤشر (فريدوم هاوس)، بعد أن كان مماثلا للمستوى السائد في بريطانيا.

لم يكن متوقعا أن تحقق الصين هذه النقلة النوعية خلال عشرين عاما، وتتمكن من منافسة البلدان الغربية في الصناعات المتطورة بهذه السرعة، بل وتتسبب في انكماش اقتصادات مهمة كالاقتصاد الأمريكي بسبب انخفاض أسعار منتجاتها. لكنها تمكنت فعلا من إحداث تحول جذري في الاقتصاد وتطوير القدرات الصناعية للبلد ورفع المستوى المعاشي لمعظم الصينيين، غير أن النظام السياسي الشيوعي لم يتغير مع ارتفاع مستوى المعيشة، على عكس التوقعات الغربية.

ولكن هل فترة 20 عاما كافية فعلا لتغيير التفكير والثقافة السائدين في أي بلد؟ الصين تعمل بالنظام الشيوعي منذ 70 عاما، وهي فترة طويلة مكَّنت النظام من ترسيخ مفاهيمه وثقافته وأساليبه، وتعزيز سلطته، والنظام السياسي الراسخ يصبح مألوفا لدى الشعوب، والناس بطبيعتها الحذرة تميل إلى التمسك بالمألوف والمجرب، بدلا من المغامرة بتغيير جذري قد يعود بضرر أكبر من النفع المحتمل، خصوصا في ظل نظام شمولي مستعد لاستخدام القوة ضد خصومه. إضافة إلى ذلك، فإن نجاح النظام السياسي اقتصاديا، يعزز سلطته ويوسع التأييد الشعبي له.

 لكن التجديد في كل المجالات، بما فيها السياسي، لابد أن يحصل مع تواصل النمو الاقتصادي وتحسن المستوى المعاشي، ولكن بشكل تدريجي. سوف يضطر الحزب الشيوعي الصيني إلى إجراء إصلاحات سياسية أيضا، ترافق الإصلاحات الاقتصادية وتنسجم مع ارتفاع مستوى المعيشة، وازدياد التعامل مع بلدان العالم الأخرى التي تعيش في ظل أنظمة رأسمالية حرة.

(المصدر: منتدى آسيا والشرق الأوسط + وكالات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *