أحمد نادري، عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني :: الصهيونية والنظام المزيّف المنبثق عنها تأسّسا على قاعدة الصراع الجوهري مع العالم الإسلامي
هيئة التحرير
التقت «آسيا بوست» عضو هيئة رئاسة البرلمان الايراني أحمد نادري، في لقاء مطول بحث كثير التفاصيل المتعلقة بالشأن الايراني وقضايا الشرق الاوسط والصراع مع الاحتلال الاسرائيلي والرؤية المستقبلية لايران وعلاقاتها الدولية، والبرنامج النووي الايراني والمفاوضات مع الولايات المتحدة الامريكية، كما تم الافادة حول العقوبات الغربية بحق ايران ومشروع الجمهورية الاسلامية الايرانية في دعم مشروع المقاومة.
- كيف تقيّمون طبيعة التصعيد الأخير بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، وما أبرز المؤشرات العملياتية أو الدبلوماسية التي اعتمدتم عليها في هذا التقييم؟
أودّ أن أقول أولاً إن طبيعة الصهيونية والنظام المزيّف المنبثق عنها ليسا سوى قراءة وفكرة استعمارية، وقد تأسّسا على قاعدة الصراع الجوهري مع العالم الإسلامي، وطبيعة هذا التوتر ليست حصراً مع إيران، بل هي امتداد للحرب التاريخية والدائمة التي تخوضها الصهيونية ضد الأمة الإسلامية منذ عام 1948، تاريخ اغتصاب فلسطين؛ وكانت غايتها الأساسية إضعاف المسلمين، وإخماد روح العدالة، وبسط الهيمنة على أراضيهم.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تحوّلت إيران إلى راية للنهضة الإسلامية والمقاومة، وهذا التوتر الجديد هو تجلٍّ واضح للمؤامرة المشتركة الصهيونية الأمريكية الرامية إلى القضاء على محور المقاومة ومنع تقدّم البرنامج النووي السلمي لنا، وهي امتداد للجرائم المستمرة التي يرتكبها الكيان المصطنع ضد الشعوب المظلومة في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، والتي تُنفَّذ بدعم أمريكي كامل.
وفي الحقيقة، هذه الحرب تمثّل اختباراً للثبات على مبادئ الإمام الراحل وتوجيهات القائد الأعلى للثورة، إذ إن إيران باعتمادها على الإيمان، والوحدة الوطنية، والقدرات الدفاعية المحلية ستحوّل هذه المؤامرة إلى فرصة لتعزيز جبهة المقاومة وزيادة وعي الأمة الإسلامية.
أما على الصعيد الدبلوماسي، لم يُتخذ إجراء خاص خلال التوتر الأخير، لأننا كنا في خضم مفاوضات مع الولايات المتحدة بوساطة سلطنة عُمان، ومع ذلك، قاموا بالاعتداء علينا، الأمر الذي يثبت أن الطرف الغربي لا يُعير الدبلوماسية أي اهتمام.
وحتى بعد الحرب والاتفاقات التي توصلنا إليها مع الوكالة الدولية لعدم تفعيل آلية الزناد، عادوا ليبرهنوا على عدم التزامهم من خلال تفعيل هذه الآلية مجدداً.
وفيما يتعلق بالمجال العملياتي البارز، يجب الإشارة إلى قوة وقدرة إيران الصاروخية التي تعتمد على المعرفة الوطنية مئة بالمئة، حيث أدّت عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في 21 موجة ضد القواعد الإسرائيلية في الأراضي المحتلة إلى إلحاق خسائر فادحة بالبنى التحتية الصهيونية، وأثبتت قدرة الردع الإيرانية.
كما أن الهجوم الصاروخي على قاعدة العديد الأمريكية في قطر في 23 يونيو كان ردّاً حاسماً على التدخل المباشر لواشنطن في قصف نطنز وفردو، من دون وقوع خسائر بشرية أمريكية، وهو ما يعكس الذكاء الاستراتيجي الذي تتمتع به إيران.
- وفي ضوء ذلك، ما الذي يمكن اعتباره نجاحاً أو خطأً في الحسابات، وهل ترون أن مواجهة مباشرة مع الاحتلال باتت وشيكة؟
إنّ النجاح الاستراتيجي الكبير لإيران يتمثّل في الحفاظ على قوة الردع وإثبات حقيقة مفادها أن أيّ اعتداء على ترابها سيُواجَه بردّ ساحق يفوق توقعات العدو، وإنّ اضطرار الكيان الصهيوني إلى قبول وقف إطلاق النار بعد 12 يوماً من حرب شاملة، هو دليل قاطع على هزيمته الاستراتيجية.
لقد كان الخطأ الحسابي للصهاينة نابعاً من ثقتهم المفرطة بتفوّقهم الجوي وبالمعلومات الخاطئة التي قدّمتها الـ CIA والموساد، إذ كانوا يظنون أن إيران ستُشلّ بعد الضربة الأولى، ولا سيما بعد استشهاد عدد من كبار القادة العسكريين في الساعات الأولى للحرب.
لكن قائد الثورة، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، قام فوراً بتعيين بدائل لهم، ومن جهة أخرى، ورغم الحملات الإعلامية المُضلِّلة التي قادتها وسائل الإعلام التابعة لهم والناطقة بالفارسية، والتي سعت لإثارة البلبلة بين الناس، فإن الوحدة بين الشعب والحكومة زادت رغم الصعوبات الاقتصادية، وكان جميع أبناء الشعب يقفون ضد المجرمين الأمريكيين والصهاينة، في مشهد تتعمد وسائل الإعلام الغربية تجاهله، وهو ما يكشف جوهرها الاستعماري وموقفها المنحاز.
أما ما يُشاع حول مواجهة شاملة وشيكة، والذي يتكرر في طرح الإعلاميين والخبراء، فأؤكد أنها ليست وشيكة؛ لأن الولايات المتحدة، بوصفها الداعم المطلق لإسرائيل، تركز حالياً على ملف السلام بين أوكرانيا وروسيا، إلى جانب التحضير لعمليات عسكرية ضد فنزويلا ولاحقاً كوبا وغيرها.
ومن جهة أخرى، يسعى الكيان للهجوم على جنوب لبنان، لكنه متردد حتى الآن بسبب قوة حزب الله الردعية، وبرأيي، فإن هجوم إسرائيل على الجنوب اللبناني أمر محتوم، لكنه سينتهي بهزيمتها كما حصل في حرب 2006، أي حرب الـ33 يوماً.
وفي اليمن، لن ينجحوا ويجب النظر إلى اليمن بوصفه «مقبرة الإمبراطوريات»، فمن جيش أبرهة إلى الاستعماريين، جميعهم جاءوا وحاربوا وهُزموا ورحلوا، وخلال عجزهم العسكري، لجأوا الآن إلى دعم أبناء الدكتاتور السابق، لكن ذلك يتم في صمت داخل اليمن.
أما فيما يتعلق بإيران، فإن الصهاينة حالياً يمارسون ضغوطاً شاملة عبر لوبيات قوية، وحرباً هجينة شاملة على المستويات السياسية والأكاديمية والتنفيذية، ويعتبرون العدوان العسكري المتجدد أمراً حتمياً وفق تقديراتهم.
لكن، وبرغم المؤشرات القائمة، أرى أن الإقدام على هجوم جديد ليس وشيكاً، لأن العدو بات يدرك حجم الكلفة الباهظة، ولأن الولايات المتحدة لا ترغب في إشعال حرب إقليمية واسعة، ومع ذلك، فإن أي خرق للخطوط الحمراء من خلال اعتداء جديد على المنشآت النووية أو العسكرية أو البنى التحتية، أو تنفيذ عمليات اغتيال لقادة عسكريين أو شخصيات دينية رفيعة، سيقابَل وبلا شك بردٍّ إيراني حاسم، شامل، وغير محدود جغرافياً، على خلاف الحرب الـ12 يوماً، وسيكون متعدد المستويات وذا مدى طويل، وستكون هذه المرحلة بداية عصر جديد من الردع الإيراني الفعّال، لاسيما في ظل الإجراءات الأمنية والاستخباراتية التي اتُّخذت بعد الحرب، والتي أفشلت المخططات الخبيثة التي أشرنا إليها.
- أين تتموضع نظرية الردع الإيرانية اليوم، وكيف أثّر الهجوم الإسرائيلي على قواعد الاشتباك والاستراتيجية الإيرانية التي كانت تعرف بالصبر الاستراتيجي؟
نظرية الردع في إيران الإسلامية تقوم اليوم على مستوى الردع الفعّال؛ فبعد 12 يوماً من عملية «الدفاع المقدس» في يونيو 2025، ورغم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية والصاروخية، أثبتت إيران من خلال إطلاق مئات الصواريخ والمسيّرات أن أي عدوان صهيوني سيُواجَه بردّ ساحق وغير متماثل، وهو ما أجبر العدو على القبول بوقف إطلاق النار.
إنّ هجوم النظام المحتل، المدعوم من الولايات المتحدة، وضع الصبر الاستراتيجي القائم على ضبط النفس حفاظاً على وحدة الأمة الإسلامية وتجنّب الحرب الشاملة تحت تحدٍّ حقيقي، لكنه لم يُدمّره؛ بل حوّله إلى مرحلة أكثر تطوراً، حيث أصبح الصبر ممزوجاً بردّ حازم وذكي يمنع تكرار الاعتداء.
هذا التحول هو درس إلهي مستفاد من القرآن الكريم يؤكد أن النصر يتحقق بالإيمان والاستراتيجية معاً، ولقد حوّلت إيران عبر إعادة الإعمار الصاروخي السريع مع الحفاظ على أكثر من 70% من القدرة العملياتية، إلى جانب الدبلوماسية النشطة مع دول منظمة التعاون الإسلامي أن تحوّل الصبر إلى أداة من أدوات النصر، وأن تضع الكيان في أزمة اقتصادية وفي موقع العزلة الدولية.
- كيف تقرأ طهران المواجهة الأخيرة بين حزب الله والاحتلال وتعقيدات الوضع في لبنان وانعكاسه على المنطقة والمصالح الإيرانية؟
ترى طهران، بصفتها حامل راية محور المقاومة، أن المواجهة الأخيرة ولا سيما استشهاد هيثم علي طباطبائي، رئيس الأركان العسكرية لحزب الله، في 23 نوفمبر 2025 على يد الكيان الصهيوني تجسيد واضح لانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر 2024 واعتداء على سيادة لبنان والأمة الإسلامية.
إن تعقيدات الوضع في لبنان من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لنزع سلاح حزب الله قبل نهاية عام 2025، وضعف الحكومة اللبنانية في تنفيذ خطة نزع السلاح، مروراً بإعادة بناء القدرات العسكرية للحزب تشكل فرصة لتحقيق الوحدة الوطنية للبنانيين في مواجهة الاستكبار، وتمثل أيضاً اختباراً للصبر الاستراتيجي الإيراني من أجل الحفاظ على الردع دون الانجرار إلى حرب شاملة.
أما على مستوى المنطقة، فمن المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من يقظة العالم الإسلامي تجاه الصهيونية، وإلى إضعاف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
- كيف تقيّمون واقع البرنامج النووي اليوم، وما الحدّ الأقصى المقبول من إجراءات الثقة المتبادلة دون المساس بالخطوط السيادية للبرنامج، وبأي ضمانات يمكن تفادي تكرار أخطاء التجارب السابقة؟
يقف البرنامج النووي السلمي الإيراني، بعد الجرائم الصهيونية في يونيو وبعد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في نوفمبر 2025، على أعتاب تحوّل استراتيجي، وهو حق مشروع لنا لن نتخلى عنه مطلقاً، وسيستمر كما كان في السابق.
وأثبتت اعتداءات إسرائيل والولايات المتحدة أن معاهدة NPT قائمة على التمييز، وأن الانسحاب منها والذي أعدّ البرلمان الإيراني مسودته في يونيو لكنه لم يُقرّ ويُعتمد بعد يُعد خطوة ضرورية، خصوصاً أن التعاون مع الوكالة قد تم تعليقه حالياً.
وبرأيي، من الضروري التوجّه نحو الردع النووي، فهو حقيقة تفرضها بنية النظام الدولي، كما يخدم المصلحة الوطنية، والتخصيب حتى 90% وصُنع السلاح يُعدّان ضرورة للحفاظ على العزة الإسلامية ومنع تكرار حرب الأيام الاثني عشر، إذ إن معاهدة NPT لم تستطع منع الهجمات على نطنز وفردو، رغم كل إجراءات بناء الثقة والرقابة المكثفة التي قدّمتها إيران للوكالة الدولية على منشآتها النووية.
أما بشأن الضمانات، فيجب أن تُعتمد عبر التصديق البرلماني القانوني على أي اتفاق، وضمانة من مجلس الأمن الدولي تتضمّن معاقبة أي انسحاب أحادي، وآلية «سناب باك معكوس، لكن لا يبدو أن هناك أملاً كبيراً في ذلك، ولهذا فإن الانسحاب من معاهدة NPT هو الأولوية، حتى تتحول إيران إلى قوة نووية مستقلة وتتمكن من حماية محور المقاومة.
- كيف تقيمون الحوار مع الولايات المتحدة، وما شروط طهران لأي مسار تفاوضي جاد مع واشنطن؟
تجسد المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة في ديسمبر 2025، عقب تعليق الجولة السادسة في عُمان بسبب الهجمات وسياسة الضغط الأقصى التي انتهجها ترامب، مقرونة بمهلة الشهرين والتهديد العسكري، سياسة «لا حرب، ولا تفاوض».
هذه المفاوضات، التي بدأت في أبريل مع رسالة ترامب إلى القائد الأعلى، لم تكن بنّاءة حتى الآن، بل امتلأت بالتناقضات الأمريكية، ومنها الإصرار على الوقف الكامل للتخصيب وعدم رفع العقوبات، وهو ما يعكس جذور العداء التاريخي الذي يحمله الاستكبار ضد الثورة الإسلامية.
وترى طهران أن هذا النهج ليس سوى مؤامرة لإخضاع إيران والقضاء على حقها المشروع في البرنامج النووي السلمي، في حين أن دبلوماسيتنا المقاومة، تحت ظل ولاية الفقيه، لم تغادر طاولة التفاوض قط، لكنها تتقدم من موقع القوة.
أما شروط طهران لأي مفاوضات جادة وعادلة، فتشمل: الرفع الفوري والكامل لكل العقوبات غير القانونية، ضماناً خطياً من مجلس الأمن بعدم الانسحاب الأحادي، الاعتراف بحق التخصيب حتى 60% في إطار معاهدة NPT، ووقف التدخلات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.
ومن دون هذه الشروط، فإن أي حوار ليس إلا فخاً يُراد به إضعاف محور المقاومة، بينما تبقى الاقتصاد المقاوم أولويتنا الأساسية.
- كيف تنظرون إلى تقلبات السياسة الأمريكية خاصة مع إدارة ترامب ضد إيران، وتأثيرها على إمكانية أي تفاهمات عملية؟
تذبذب السياسات الأمريكية في عهد ترامب، والانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، إلى سياسة الضغط الأقصى، وصولاً إلى اغتيال الشهيد الفريق قاسم سليماني في ولايته الأولى، ثم التهديد بالقصف في مارس 2025، ولاحقاً الرسالة الموجّهة إلى القائد الأعلى للثورة لفتح باب التفاوض مع مهلة شهرين خلال الولاية الثانية رمزاً للفوضى المتأصّلة في الاستكبار لسعيه إلى إخضاع إيران الإسلامية.
هذه التناقضات نابعة من العداء للثورة ودعم الصهيونية، وقد دفعت بمفاوضات 2025 في عُمان وروما إلى طريق مسدود، حيث أصرّ ترامب على التفكيك الكامل للبرنامج النووي، في حين تعتبر إيران التخصيب حقاً مشروعاً لها.
هذه التقلبات ليست سوى مؤامرة لإضعاف الاقتصاد المقاوم ومحور المقاومة، وقد بلغت ذروتها مع تفعيل آلية «سناب باك» في أغسطس 2025، ومع حرب الأيام الـ12 في يونيو من العام نفسه.
وتأثير هذه التطورات كما تم بيانه على احتمال التوصل إلى أي تفاهم عملي هو تأثير سلبي يكاد يقترب من الصفر، لأن الثقة قد فُقدت بالكامل، والعقوبات الجديدة تجعل من أي اتفاق محتمل فخاً يهدف إلى إخضاع إيران، بينما تؤكد إيران إصرارها على الدبلوماسية المقاومة والردع الفعّال، لا التفاوض من موقع الضعف.
- ما تقييمكم لاستراتيجية العقوبات الغربية وما مؤشرات نجاح إيران في الحد من أثرها اقتصادياً وتقنياً؟
إنّ استراتيجية العقوبات الغربية، ولا سيما بعد تفعيل آلية السناب بك في مجلس الأمن في سبتمبر 2025 وفرض العقوبات الأمريكية الجديدة في أكتوبر، تركت بلا شك آثاراً سلبية على الاقتصاد ومعيشة المواطنين، وهي مؤامرة واضحة تهدف إلى إخضاع الجمهورية وتدمير الاقتصاد المقاوم.
لكنها فشلت، لأن هذه الإجراءات صُمّمت للضغط على الشعب ودفعه نحو الاضطرابات ضد النظام، غير أن الشعب يدرك تماماً أنها مؤامرة من العدو، وإلى جانب ذلك، فإن حلولاً معيشية على مختلف المستويات في الأجهزة التنفيذية قيد العمل وأنا شخصياً أتابعها في البرلمان وأرى تنفيذها بشكل ملموس إضافة إلى أن الإجراءات الداعمة مستمرة وستتواصل.
وقد أثبتت إيران، من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي، ونمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3% في 2025 رغم توقع البنك الدولي لانكماش بنسبة 1.7%، وبفضل السيطرة النسبية على التضخم ليصل إلى أقل من 40%، أن آثار العقوبات يمكن الحد منها. وإذا أردتُ ذكر مؤشرات نجاح إيران، فهي كالتالي:
- ارتفاع الصادرات غير النفطية بنسبة 25% لتصل إلى 50 مليار دولار في عام 2025، مما خفّض الاعتماد على النفط إلى 30% وتحقيق 80% من الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا الصاروخية والنووية المحلية، مع إنتاج 500 صاروخ باليستي سنوياً من دون أي واردات.
ونمو قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 15% رغم القيود، عبر الالتفاف على العقوبات من خلال التجارة مع الصين وروسيا، وخفض تأثير العقوبات على الطبقة المتوسطة إلى 12% بفضل السياسات الداعمة، والانضمام إلى بريكس، وهو إنجاز يعزز مكانة إيران.
هذه النجاحات جعلت إيران نموذجاً للعالم الإسلامي، فيما أسهمت في إضعاف الاستكبار ودفعه نحو العزلة.
- ما فرص حوار أمني إقليمي يوازن هواجس الخليج مع مصالح إيران؟
آفاق الحوار الأمني الإقليمي في الخليج تُعد فرصة لإحياء نظرية الأمة الإسلامية والتصدي لمؤامرات الاستكبار، وترتكز هذه الحوارات على إعادة إحياء العلاقات الإيرانية السعودية منذ مارس 2023 بوساطة الصين، وعلى اللقاءات الأخيرة بين المسؤولين السعوديين وكلٍّ من القائد الأعلى للثورة والرئيس مسعود پزشكيان، والتي تقوم على الأمن الجماعي والتعاون الاقتصادي والثقافي.
وفي هذا الإطار، يتمّ موازنة مخاوف مجلس التعاون الخليجي مثل الملفين الصاروخي والنووي الإيراني في ظل وجود التهديد المشترك المتمثل في الكيان الصهيوني، وتصرّ إيران، بصفتها راية محور المقاومة، على نموذج بغداد 2021-2025 الذي يضمن أمن الطاقة والتجارة من دون تدخل الولايات المتحدة.
- أين تتقاطع المصالح وأين تتصادم الإيرانية التركية، وهل هناك صفقات تبادلية؟
تتقاطع مصالح إيران وتركيا في مواجهة الاستكبار الأمريكي الصهيوني وفي الحدّ من النفوذ الغربي في الشرق الأوسط؛ فكلا البلدين يُصرّان على أمن الطاقة، والتجارة الثنائية، ووحدة الأمة الإسلامية في مواجهة اعتداءات إسرائيل، حيث تستفيد تركيا، بوصفها دولة مجاورة، من استقرار المنطقة في ما يتعلق بتصدير الغاز الإيراني.
لكن فيما يخصّ القضية الفلسطينية، فإن تركيا-برأيي-قصّرت، ولم تستجب لمطلب إيران بفرض عقوبات على الكيان بما يمكن أن يكون بلسمًا لجراح الشعب المظلوم في غزة خلال العامين الماضيين، ولم تتخذ خطوات ملموسة في هذا الاتجاه.
أما نقاط التباين، فتتركز أساساً في سوريا والعراق؛ حيث تشن تركيا عمليات ضد PKK و YPG، وهي جماعات تعتبرها إيران تهديداً مشتركاً، غير أن النفوذ التركي في كردستان العراق مع وجود أكثر من 80 قاعدة عسكرية يُعد تحدياً لسيادة إيران الوطنية، كذلك فإن النزعة الطورانية في تركيا والبرنامج النووي السلمي الإيراني أدّيا إلى توترات، من بينها استدعاء السفراء في مارس 2025.
ورغم ذلك، فإن الاتفاقات المتبادلة بين البلدين كثيرة، من بينها: خارطة الطريق التجارية بقيمة 30 مليار دولار في نوفمبر 2025، بهدف الوصول إلى 16 ملياراً بحلول مارس، نموذج التعاون في مجال النقل في يناير 2025، وعام الثقافة 2025 لتعميق الروابط بين الشعبين.
- ما مقاربة إيران لاستدامة الدعم الأمني للعراق، ورؤيتها للنظام في سوريا؟
إنّ مقاربة إيران في الحفاظ على الدعم الأمني للعراق تقوم على تعزيز محور المقاومة والتصدي لنفوذ الاستكبار الأمريكي الصهيوني، بحيث أعلنت طهران مراراً أن أمن العراق هو أمن إيران. ومن خلال دعم الحشد الشعبي، عززت إيران نفوذها السياسي الأمني، خصوصاً بعد إقرار قانون دمج الفصائل المسلحة في الهيكل الحكومي في نوفمبر 2025، حيث حصلت فصائل بدر وعصائب أهل الحق على 37 مقعداً في البرلمان.
ويشمل هذا الدعم أيضاً التعاون الحدودي مع بغداد لاحتواء الجماعات الكردية المعارضة مثل «بيجاك»، بما يوفّر فرصة للوحدة والتعاون بين أبناء الأمة الإسلامية.
- كيف تُصنّفون دور إيران في دعم المقاومة بعد التطورات الأخيرة، وما رؤيتكم لمعركة طوفان الأقصى وانعكساتها على القضية الفلسطينية؟
دور إيران في دعم محور المقاومة بعد التحولات الأخيرة ومنها سقوط الأسد في ديسمبر 2024 وحرب الأيام الـ12 في يونيو 2025 ما يزال دوراً ريادياً، فإيران، بقدراتها تقف على رأس هرم جبهة المقاومة، وتحافظ على وحدة صفّها، وتُربك الاستكبار، رغم ضغوط ترامب لوقف هذا الدعم، والذي ما يزال مستمراً.
أما بشأن تداعيات عملية طوفان الأقصى على قضية فلسطين، فيجب القول إنها انتصار استراتيجي؛ إذ إن المقاومة رغم الجرائم التي ارتكبها الكيان الصهيوني والتي تجاوزت أكثر من 67 ألف شهيد تحوّلت إلى رمز عالمي للعدالة، كما أسهمت في وقف مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني.
- ما سقف الشراكة بينكم وبين الصين، وهل ترون مظلّة دبلوماسية صينية لخفض التصعيد، وهل هناك أفق لتعاون عسكري مشترك؟
يستند نطاق التعاون بين إيران والصين، إلى اتفاقية الـ25 عاماً الموقّعة في 2021، يمتد عبر مجالات عدّة؛ ففي المجال الاقتصادي يشمل استثمارات صينية بقيمة 400 مليار دولار وتصدير 90% من نفط إيران إلى بكين، وفي المجال الدبلوماسي يتجلى في عضوية إيران في منظمة شنغهاي ودور الوساطة الصينية في إعادة العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023، وفي المجال التكنولوجي من خلال التعاون في قطاع الذكاء الاصطناعي، هذا الارتباط يُحبط مؤامرات الاستكبار ويُعزز الاقتصاد المقاوم.
أما المظلة الدبلوماسية الصينية فهي فرصة لحماية إيران من الضغوط الغربية والإسرائيلية، إذ أدانت بكين في يونيو 2025 الهجمات الصهيونية وطالبت بوقف إطلاق النار عبر منظمة شنغهاي والأمم المتحدة، وهو دور وساطة شبيه بما فعلته بين السعودية وإيران، وساهم في تقويض هيمنة الولايات المتحدة.
وفي ما يتعلق بآفاق التعاون العسكري المشترك، فهي واضحة واستراتيجية، وتتضمن المشاركة في المناورات العسكرية، وتبادل التكنولوجيا الصاروخية، والزيارات الدفاعية، بما يعزز الردع، لكن يجب التأكيد على أن إيران لا تعتمد على القدرات العسكرية لأي دولة، وأن قوتها العسكرية محلية 100%، ولا ترى ضرورة في التعويل على الدعم الخارجي، لأن اعتمادها الأساسي هو على أرضها وشبابها وكوادرها المتخصصة، وبالطبع، فإن الطابع المحلي للصناعة العسكرية لا يعني نفي إمكانية التعاون والتبادل العسكري بين الدول.
- ما حدود التلاقي والتباين مع روسيا في مواضيع (سوريا/السلاح/الطاقة/أوكرانيا)؟
التقارب بين إيران وروسيا في سوريا كان قائماً على الدعم المشترك للأسد حتى ديسمبر 2024، غير أنّ حدود هذا التقارب بدأت بالظهور بعد ذلك، إذ إنّ روسيا من خلال حفاظها على قواعدها في حميميم وطرطوس واتباعها نهجاً براغماتياً في التعامل مع السلطة الحاكمة الجديدة في سوريا عملت على تقليص نفوذ إيران، بينما اتجهت طهران إلى تعزيز الفصائل العلوية والكردية، وهو ما أبرز التنافس على أدوات النفوذ العسكري.
وفي مجال التسليح، كان هناك تقارب عميق تمثّل في بيع طائرات شاهد المسيّرة والصواريخ الإيرانية لروسيا، لكنه واجه محدوديات، من بينها غياب الالتزام بالدفاع المتبادل وتأخر موسكو- بحكم ظروف الحرب في أوكرانيا-في إرسال منظومة S-400للدفاع الجوي.
أما في قطاع الطاقة، فيوجد تقارب عبر استيراد الغاز الروسي عبر أذربيجان بمعدل 2 مليار متر مكعب سنوياً، إضافة إلى اتفاق شركة غازبروم بقيمة 40 مليار دولار لتطوير حقول الطاقة في إيران؛ غير أن التحديات قائمة، ومنها العقوبات الغربية، وصعوبات النقل عبر بحر قزوين، واعتماد إيران على التكنولوجيا الروسية.
وفي الملف الأوكراني، يبرز التقارب الاستراتيجي عبر دعم إيران لروسيا في مواجهة الناتو، لكن يظهر التباعد في عدم حاجة موسكو المتزايدة إلى السلاح الإيراني- مثل إنتاجها المحلي لـ 2700 طائرة مسيّرة خلال الأشهر الستة الماضية اعتماداً على المعرفة الإيرانية-وكذلك عدم دعم روسيا لإيران خلال الحرب الـ12 يوماً، مما يعكس حدود المقايضة بين الجانبين. وإلى جانب جميع عوامل التباعد هذه، تجدر الإشارة إلى أن الإعلام الفارسي الناطق من الخارج، وكذلك منصات التواصل الاجتماعي، لا يتوانون عن محاولة تقويض العلاقات بين البلدين بين عامة الناس..





