السياسة الخارجية الإيرانية في مشهد جيوسياسي متغيّر
مشاهد حسين - السيناتور في مجلس الشيوخ الباكستاني
السياسة الخارجية الإيرانية في مشهد جيوسياسي متغيّر
شهدت المنطقة خلال الصيف الماضي سلسلة تطورات متلاحقة أفرزت واقعًا جيوسياسيًا جديدًا، كان لإيران موقع محوري فيه، فقد أسهمت ثلاثة أحداث كبرى في إعادة تشكيل طبيعة العلاقات الإقليمية، ولا سيما بين إيران وباكستان، وبين إيران ودول الإقليم عمومًا.
الحدث الأول تمثّل في قدرة إيران على الدفاع عن نفسها أمام العدوان الإسرائيلي والردّ عليه بما عُدّ “ضربة موجعة” لتل أبيب، أما الحدث الثاني فكان الهجوم الهندي على باكستان قبل ذلك بأسابيع، وقد تلقت هي الأخرى «ضربة موجعة»، رداً على الهجوم الذي جرى بتنسيق مع إسرائيل، التي كانت الدولة الوحيدة التي تدعم الهند علنًا.
ويبدو أن هذا التنسيق الهندي الإسرائيلي كان يهدف لتليين البيئة الإستراتيجية المحيطة بإيران لتكون في وضع جيوسياسي أضعف وقت تعرضها للهجوم الإسرائيلي، وأما التطور الثالث هو المشهد الجيوسياسي الآخذ في التشكل، حيث يبرز نظام جديد لجنوب عالمي تقوده الصين، تلعب فيه كل من إيران وباكستان دورًا.
وأبرز تجليات ذلك قمة منظمة شنغهاي للتعاون(SCO)، التي استضافتها الصين في تيانجين في الأول من سبتمبر، تلتها العروض العسكرية الضخمة التي استضافها الرئيس شي جين بينغ في بكين في الثالث من سبتمبر، ما غيّر ديناميكيات المنطقة.
ويمكن القول إن الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران واجهت فشلًا على ثلاثة مستويات، الأول ظهر حين شاركت إسرائيل في الهجوم الجوي الهندي على باكستان في السادس والعاشر من مايو عبر طائرات مسيّرة من طراز HAROP تُدار من قبل خبراء إسرائيليين، وقد استخدمت الهند تلك التكنولوجيا الإسرائيلية ضد باكستان بدعم إسرائيلي كامل.
غير أن باكستان تمكنت من إسقاط عدد من الطائرات المهاجمة بفضل طياروزنا الممتازين، كما نجحت في تنفيذ عمليات تشويش إلكتروني أضعفت القدرة الاتصالية الهندية/ وقد تضافر الأداء العملياتي الباكستاني مع التقنيات الصينية ليحقق ما عُدّ انتصارًا كبيرًا.
أما الإخفاق الثاني فكان في الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي المفاجئ على إيران في 13 يونيو، والذي جاء بينما كانت طهران تستعد لجولة تفاوضية مع واشنطن، وعلى الرغم من الخسائر التي طالت قيادات عسكرية وعلماء إيرانيين، فإن طهران استعادت توازنها خلال 48 ساعة، وردّت بضربة مكثفة طالت مواقع عسكرية وأمنية إسرائيلية، بما فيها منشآت بحثية ومقار قيادية.
وقد اضطرت أعداد واسعة من الإسرائيليين إلى البقاء في الملاجئ لأيام، فيما قدم عشرات الآلاف طلبات تعويض عن أضرار مادية، بما شكّل صدمة داخلية لإسرائيل وخسارة معنوية لمشروعها القائم على «تغيير النظام» في إيران.
وتلقت إسرائيل ضربة موجعة، طوال 12 يومًا، حيث ضُرب مقر الموساد، وضُربت مقرات القيادة العسكرية الإسرائيلية، ومعهدهم البحثي الأعلى في حيفا.
أما الفشل الثالث فيتعلق بالتصور الإسرائيلي للواقع الداخلي الإيراني، فسواء أكان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالمشاركة في الهجوم نتيجة ضغط أو ابتزاز سياسي، فقد كان الرهان الإسرائيلي يقوم على الانهيار السريع للنظام الإيراني، وهو ما لم يحدث.
بل على العكس، عززت هذه المواجهة من تماسك القيادة الإيرانية داخليًا، وإن بقيت نقطة ضعف واضحة تمثلت في الاختراق الأمني الذي مكّن من تنفيذ عمليات اغتيال سابقة، من بينها اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وقد تعاملت إيران لاحقًا مع شبكات يشتبه بارتباطها بالموساد داخل حدودها.
وقد جرى استدراج ترامب إلى المشاركة في الهجوم بعدما طمأنه نتنياهو بأن النظام في إيران سينهار سريعًا، كما حدث في العراق وسوريا، ولأجل هذا التغيير المرتقب في النظام، كانت إسرائيل قد اصطفّت مسبقًا إلى جانب نجل شاه إيران الراحل، غير أن هذا الرهان فشل فشلًا ذريعًا أيضًا.
ومن هذه الزاوية، كان لافتًا أن المشهد الجديد أظهر إيران في موقع أقوى، على الأقل داخليًا، إلا أن هناك نقطتي ضعف بارزتين ما زالتا قائمتين.
أولًا: كان الاختراق الأمني الذي نفذه الموساد داخل إيران مدمرًا، وهو يتكرر للمرة الثانية؛ فقد اغتيل سابقًا إسماعيل هنية، زعيم حركة حماس، في طهران خلال أكتوبر الماضي، وفي قلب مقر الحرس الثوري، وأظهر الهجوم الأخير بدوره استمرار هذا الاختراق، إذ تبيّن وجود مشغّلي طائرات مسيّرة داخل إيران يعملون لحساب الموساد ويستهدفون مواقع إيرانية. وقد اتهمت طهران عددًا من الأجانب، بينهم أفغان وهنود، بالتورط في ذلك، ليُعتقل بعضهم ويُرحّل آخرون.
النكسة الثانية تتمثل في أن إيران تكبّدت خسائر في سوريا، إضافةً إلى تراجع نفوذها في لبنان بفعل الضربات التي طالت حزب الله، ومع ذلك، يبقى موقف إيران الإقليمي قويًا، بفضل تحالفها مع روسيا، وروابطها الوثيقة مع الصين، وتماسك علاقاتها مع باكستان، فضلًا عن علاقاتها الجيدة مع السعودية والإمارات وقطر، ويُعد تطور العلاقة بين إيران والسعودية عنصرًا محوريًا في هذا السياق.
وقد أخبرني مسؤولون إيرانيون، من مصدر موثوق، بأن العاهل السعودي الملك سلمان أرسل نجله خالد بن سلمان، وزير الدفاع، وهو الرجل الثاني بعد ولي العهد محمد بن سلمان، حاملًا رسالة مباشرة إلى المرشد الأعلى في إيران، آية الله العظمى السيد علي خامنئي.
ويبدو أن للرسالة ثلاثة مكونات:أولًا، أن السعودية لن تكون طرفًا في أي هجوم ضد إيران، وفي الواقع، ستعارض أي هجوم على طهران، وثانيًا، تدعم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة حول اتفاق نووي، وثالثًا تعهّد السعودية بعدم الاعتراف بإسرائيل ما لم تُقام دولة فلسطينية.
كان لهذه الرسالة أثر مطمئن في طهران، وأسهمت في تعزيز مسار التهدئة الإقليمي، ومن الجدير بالاهتمام أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التقى القائد العسكري الباكستاني، المشير عاصم منير، في واشنطن خلال يونيو 2025، وطلب منه تقييم موقف باكستان تجاه إيران.
وقد أكدت باكستان موقفها بحزم، مشددة على ضرورة تجنب أي هجوم على إيران، وضرورة الوصول إلى حل سلمي، وأن أي محاولة لـ”تغيير النظام” ستؤدي إلى نتائج عكسية وغير مجدية، وقد ساهم هذا الموقف أيضًا في تغيير المعادلة.
وبالمناسبة، كانت باكستان الدولة الوحيدة التي حظيت باعتراف واضح داخل إيران باعتبارها داعمًا كاملًا لها، وقد قال مسؤولون إيرانيون إنهم شعروا وكأن ممثلًا عنهم كان يجلس في مجلس الأمن الدولي وفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) متحدثًا باسم إيران، في إشارة إلى المواقف الباكستانية المؤيدة لطهران في تلك الهيئات.
ولهذا علت هتافات «تشكر، تشكر» — «شكرًا، شكرًا يا باكستان» — في البرلمان الإيراني عندما أعلن الرئيس الإيراني دعم باكستان لبلاده.
ويبرز هنا عنصر مهم يتعلق بالدور غير النزيه والمزدوج المعايير الذي تمارسه بعض الدول الغربية، خاصة القوى الأوروبية، فقد صرّح المستشار الألماني فريدريخ ميرتس بأن إسرائيل «تقوم بالعمل القذر نيابة عن الغرب» في مواجهة إيران.
كما أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 30 يونيو، وهو يوم الهجوم على إيران نفسه، تقريرًا اتهمت فيه طهران بخرق لوائح الوكالة، ما منح إسرائيل غطاءً سياسيًا للمضي في الهجوم. ويشير ذلك بوضوح إلى أن القرار كان منسقًا مع إسرائيل والولايات المتحدة وسائر خصوم إيران.
وبناءً على هذا السياق، يمكن القول إن المشهد قد تغيّر فعليًا، وأبرز هذه التحولات أن إيران أصبحت جزءًا راسخًا من المشروع أو المسار الإستراتيجي الذي يقوده الرئيس الصيني شي جين بينغ. فإيران، إلى جانب باكستان، باتت عنصرًا مهمًا داخل منظمة شنغهاي للتعاون. وقد كان الرئيس مسعود بَزْدَشْيَان في الصين، حيث حضر أيضًا العرض العسكري الكبير.
وخلال خطابه في الثالث من سبتمبر، أكد الرئيس شي جين بينغ بوضوح أن “صعود الصين لا يمكن وقفه”، وأن الصين لن تسمح بأن تُعامَل كدولة يمكن التنمّر عليها، وقد انطوى هذا الخطاب على رؤية لتأسيس نظام عالمي جديد بديل للنظام الدولي القائم بقيادة الغرب، والذي يتداعى حاليًا بسبب ازدواجية المعايير وانتهاك المبادئ، خصوصًا في ما يتعلق بما يجري في غزة، حيث تتواصل الإبادة دون أن يحرّك المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة شيئًا لوقفها أو للتخفيف من معاناة الفلسطينيين.
وفي هذا الإطار، أصبحت الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، إلى جانب دول أخرى من دول الجنوب العالمي، في موقع مختلف تمامًا عن السابق، وباتت تشكّل محورًا دوليًا آخذًا في الصعود.
ومن التطورات اللافتة أيضًا في المنطقة إعلانٌ صدر في واشنطن عن مركز ضغط وبحث مؤيد لإسرائيل يدعى “ميمري” (معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط)، حيث أعلن إطلاق “مشروع دراسات بلوشستان”، الذي يهدف إلى دراسة إقليم بلوشستان وكيفية فصله عن كلٍّ من إيران وباكستان، نظرًا لامتداد الإقليم عبر حدود البلدين، ويأتي هذا ضمن إستراتيجية إسرائيلية خبيثة تستند إلى استغلال الانقسامات العرقية واللغوية والطائفية داخل الدول المسلمة.
وبشكل تاريخي، كان إقليم بلوشستان يشكل نقطة توتر بين الجارين، إذ كانت هناك مجموعات معادية للدولة الباكستانية متمركزة داخل إيران، وأخرى معادية للدولة الإيرانية متمركزة في باكستان، غير أن هذا الملف تمت معالجته حاليًا.
فقد بات يوجد ممثلان عن الأمن الإيراني في مدينة تربت ببلوشستان الباكستانية، كما توجد عناصر من الاستخبارات الباكستانية (ISI) في مدينة زاهدان، عاصمة بلوشستان الإيرانية، إضافة إلى ذلك، أبرمت الدولتان اتفاقًا أمنيًا حدوديًا يهدف إلى إدارة وضبط الحدود بشكل أكثر فاعلية.
وللمرة الأولى، عيّنت إيران محافظًا لبلوشستان من أبناء الإقليم البلوشيين السنّة، وقد رافق المحافظ الجديد الرئيس مسعود بَزْدَشْيَان، والتقيت به خلال لقائي بالرئيس الإيراني، الذي استمر نحو 90 دقيقة، حيث دار بيننا نقاش مطول بحضوره.
نحن أمام مشهد جديد تمامًا يبرز بوضوح أن النظام العالمي يشهد تحولًا ملحوظًا، وأن دول الجنوب العالمي باتت تفرض حضورها بثقة أكبر، وإذا كان صعود الصين يبدو غير قابل للعرقلة، فإن الرابط القائم اليوم بين موسكو وبكين أصبح بدوره رابطًا متينًا وصلبًا، كما أن صعود الجنوب العالمي وتراجع النفوذ الغربي يظهران كمسارين لا رجعة فيهما.
وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى تعزيز موقعها الإقليمي والدولي عبر أدوات دبلوماسية أوسع، وعلى الصعيد الداخلي، ازداد موقع المرشد الأعلى قوة وشعبية، إذ رأت شرائح واسعة من الإيرانيين أن الدولة صمدت أمام الهجوم الإسرائيلي، كما تعزز دور الحرس الثوري الإسلامي، بوصفه «حارس الثورة» وحامي الدولة.
لقد نشأ وضع جديد أدّى إلى توطيد الروابط بين باكستان وإيران، وكذلك بين إيران والسعودية، وهو ما جعل الهجوم الإسرائيلي على إيران يرتد بنتائج عكسية حادة، وبينما لا يزال الرئيس ترامب مهتمًا بالتوصل إلى صفقة نووية مع طهران، تبقى فجوة الثقة واسعة، إذ يشك الإيرانيون في نوايا الغرب وفي قدرة ترامب على كبح جماح نتنياهو أو التحكم في مسار الأحداث.
وتبقى القضية الفلسطينية جوهر الصراع في المنطقة؛ فمن دون حلّها، لن يتحقق أي استقرار، وكان البروفيسور إدوارد سعيد، الأكاديمي الفلسطيني الأميركي في جامعة كولومبيا، قد قال لياسر عرفات في أواخر السبعينيات إن حل القضية الفلسطينية مرهون بتغيّر الرأي العام الغربي والأميركي تجاه إسرائيل.
ويبدو أن هذا التغيّر قد بدأ يتحقق الآن، إذ تظهر استطلاعات حديثة أن نحو 70% من الأميركيين يعارضون الإبادة الجارية في غزة، كما تتجه بعض الدول الأوروبية نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، ما يجعل الكفة الدبلوماسية تميل بصورة متزايدة ضد إسرائيل.
ومع ذلك، فإن إبادة غزة لا تزال مستمرة بلا رادع، وإذا لم تُوقف هذه العملية، ولم تُقم دولة فلسطينية، فإن المنطقة قد تكون مقبلة على مواجهة جديدة، هذه المرة بين المشروع الصهيوني والقومية الإسلامية الجامعة.



