مقالات

المواجهة الإيرانية الإسرائيلية إلى أين؟

د. مأمون أبو عامر - كاتب وباحث في الشأن الإسرائيلي

ترى‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬عدو‭ ‬مزدوج‭ ‬التوجه‭ ‬كونه‭ ‬نظام‭ ‬ديني‭ ‬يرفع‭ ‬شعارات‭ ‬دينية‭ ‬وثورية‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬أطلق‭ ‬الإمام‭ ‬الخميني‭ ‬شعاراته‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬باعتبارها‭ ‬كيانًا‭ ‬سرطانيًا‭ ‬يجب‭ ‬إزالته‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬توجهاته‭ ‬الداخلية‭ ‬ذات‭ ‬بعد‭ ‬إمبراطوري‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬المخيلة‭ ‬السياسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬الفارسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬تحدي‭ ‬خطير‭ ‬لسعي‭ ‬إسرائيل‭ ‬لفرض‭ ‬هيمنتها‭ ‬الإقليمية‭. ‬

أما‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬فترى‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬تعيش‭ ‬منذ‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬خطر‭ ‬وجودي‭ ‬دائم،‭ ‬تجسدت‭ ‬أبرز‭ ‬ملامحه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ – ‬العراقية‭ (‬1980-1988‭) ‬التي‭ ‬فُرضت‭ ‬عليها‭ ‬بدعم‭ ‬غربي،‭ ‬والتي‭ ‬خلّفت‭ ‬صدمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإيراني،‭ ‬دفعت‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬سياسة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬بأي‭ ‬ثمن‭.‬

استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الإيرانية‭ ‬

دفع‭ ‬الشعور‭ ‬المتنامي‭ ‬بالحصار‭ ‬والتهديد‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬بلورة‭ ‬عقيدتها‭ ‬الدفاعية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ما‭ ‬تسميه‭ ‬‮«‬مبدأ‭ ‬الدفاع‭ ‬الهجومي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬استباق‭ ‬العدو‭ ‬ومهاجمته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أراضيها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬عملت‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التحالفات‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬‮«‬تحت‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬لاستخدامها‭ ‬كخط‭ ‬دفاع‭ ‬متقدم‭ ‬ونقل‭ ‬المواجهة‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬المعادي‭.‬

وبشكل‭ ‬موازي‭ ‬ركزت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬صاروخية‭ ‬لتغطي‭ ‬على‭ ‬الفجوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬وضعف‭ ‬قدرتها‭ ‬الهجومية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬سلاح‭ ‬الطيران،‭ ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬لدى‭ ‬إيران‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬صاروخ‭ ‬باليستي‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الطرازات،‭ ‬بينها‭ ‬نحو‭ ‬8‭ ‬آلاف‭ ‬صاروخ‭ ‬متطور،‭ ‬تشمل‭ ‬الصواريخ‭ ‬الفرط‭ ‬صوتية‭ ‬والانشطارية‭.‬

البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬عنوان‭ ‬مضلل

رغم‭ ‬أن‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬يمتد‭ ‬جذوره‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬الشاه،‭ ‬فقد‭ ‬تعاملت‭ ‬إسرائيل‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬كتهديد‭ ‬وجودي،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬قد‭ ‬يدفعه‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬لامتلاك‭ ‬السلاح‭ ‬النووي،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤكد‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ ‬ذو‭ ‬أهداف‭ ‬سلمية‭ ‬بحتة،‭ ‬وتخضع‭ ‬جميع‭ ‬منشآته‭ ‬لرقابة‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬والعقوبات‭ ‬الغربية،‭ ‬توصلت‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والقوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬يقضي‭ ‬بإخضاع‭ ‬أنشطتها‭ ‬النووية‭ ‬للرقابة‭ ‬الدولية‭ ‬وتحديد‭ ‬نسبة‭ ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم‭ ‬عند‭ ‬3‭.‬67‭%. ‬لكن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬انسحب‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬وأعاد‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬قاسية،‭ ‬أعادت‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬التوتر‭ ‬والتصعيد‭.‬

المواجهة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬

الحملة‭ ‬بين‭ ‬الحروب‭ 

مرت‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بعدة‭ ‬مراحل،‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬بما‭ ‬عُرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الحملة‭ ‬بين‭ ‬الحروب‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬استهدفت‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬منع‭ ‬نقل‭ ‬الأسلحة‭ ‬المتطورة‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬مباشر‭ ‬لإيران‭ ‬نفسها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضرب‭ ‬مواقع‭ ‬تابعة‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وفيلق‭ ‬القدس‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.‬

استهداف‭ ‬المقدرات‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية

وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة،‭ ‬اتجهت‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬المقدرات‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬عبر‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية‭ ‬للبرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬وكانت‭ ‬البداية‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬استخدام‭ ‬فايروس‭ ‬‮«‬ستاكسنت‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬مئات‭ ‬أجهزة‭ ‬الطرد‭ ‬المركزي،‭ ‬تلاه‭ ‬اغتيال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬النوويين‭ ‬الإيرانيين‭. ‬

وقد‭ ‬أقرّ‭ ‬اللواء‭ ‬أهارون‭ ‬حاليفا،‭ ‬رئيس‭ ‬شعبة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬‮«‬أمان‮»‬،‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬الهجمات‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭ ‬جعلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬الخصم‭ ‬الرئيسي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‮»‬‭.‬

الطوفان‭ ‬والمواجهة‭ ‬المباشرة

وشكّلت‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬منعطفًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬المواجهة،‭ ‬إذ‭ ‬اتُّهمت‭ ‬طهران‭ – ‬رغم‭ ‬نفيها‭ – ‬بدعم‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬هجومها،‭ ‬وبالضغط‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬لفتح‭ ‬جبهة‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬لاستنزاف‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬غزة‭.‬

عملية‭ ‬الوعد‭ ‬الصادق

بلغ‭ ‬التوتر‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2024‭ ‬بعد‭ ‬قصف‭ ‬القنصلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬دمشق،‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬فيلق‭ ‬القدس‭ ‬وخمسة‭ ‬مستشارين‭ ‬عسكريين،‭ ‬وردّت‭ ‬إيران‭ ‬بعملية‭ ‬‮«‬الوعد‭ ‬الصادق‭ ‬1‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬أطلقت‭ – ‬وفق‭ ‬المصادر‭ ‬الإسرائيلية‭ – ‬185‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬و36‭ ‬صاروخ‭ ‬كروز‭ ‬و110‭ ‬صواريخ‭ ‬أرض‭-‬أرض‭ ‬استهدفت‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬قاعدة‭ ‬نيفاتيم،‭ ‬وقد‭ ‬تمكنت‭ ‬منظومات‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬اعتراض‭ ‬نحو‭ ‬84‭% ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الهجمات‭.‬

وفي‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2024،‭ ‬شنت‭ ‬إيران‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬الوعد‭ ‬الصادق‭ ‬2‮»‬‭ ‬ردًا‭ ‬على‭ ‬اغتيال‭ ‬رئيس‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي‭ ‬لحركة‭ ‬حماس‭ ‬إسماعيل‭ ‬هنية‭ ‬أثناء‭ ‬زيارته‭ ‬إلى‭ ‬طهران،‭ ‬واغتيال‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬حسن‭ ‬نصر‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭.‬

استخدمت‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬نحو‭ ‬250‭ ‬صاروخًا‭ ‬باليستيًا‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬فتاح‭-‬1‮»‬،‭ ‬بينها‭ ‬صواريخ‭ ‬فرط‭ ‬صوتية‭ ‬أُطلقت‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬تطورًا‭ ‬لافتًا‭ ‬في‭ ‬قدراتها‭ ‬الصاروخية‭. ‬ورغم‭ ‬الأضرار‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬المحدودة،‭ ‬فإن‭ ‬الهدف‭ ‬الإيراني‭ ‬كان‭ ‬إرسال‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬باستعادة‭ ‬الكرامة‭ ‬القومية،‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

الهجوم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬ايران‭ ‬‮«‬‭ ‬الأسد‭ ‬الصاعد‮»‬

استغلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬بعد‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان‭ ‬عقب‭ ‬هجوم‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬ووجود‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الحكم،‭ ‬لتشنّ‭ ‬عملية‭ ‬واسعة‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الأسد‭ ‬الصاعد‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬برّر‭ ‬ترامب‭ ‬العملية‭ ‬بأنها‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬رفض‭ ‬طهران‭ ‬وقف‭ ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم‭ ‬خلال‭ ‬مفاوضات‭ ‬‮«‬ويتكوف‭ – ‬عرقجي‮»‬‭.‬

شن‭ ‬الطيران‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬فجر‭ ‬13‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬هجومًا‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬استهدف‭ ‬منشآت‭ ‬نووية‭ ‬ومواقع‭ ‬تصنيع‭ ‬وإطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬ومقرات‭ ‬قيادية‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬مجرد‭ ‬ضربة‭ ‬عسكرية‭ ‬مفاجئة،‭ ‬بل‭ ‬شكّل‭ ‬صدمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬وإذلالًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬لإيران،‭ ‬وأظهر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬حجم‭ ‬الاختراق‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭.‬

أدّى‭ ‬الهجوم‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬مؤقت‭ ‬وجزئي‭ ‬لقدرات‭ ‬إيران‭ ‬الدفاعية،‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬شخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬وقائد‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬ورؤساء‭ ‬أقسام‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والعمليات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬قائد‭ ‬القوة‭ ‬الجوية‭ ‬،‭ ‬الفضائية‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭. ‬

والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬قدراتها‭ ‬الصاروخية‭ ‬بالشكل‭ ‬المخطط‭ ‬له،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬التقديرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬صاروخ‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬المواجهة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬بسبب‭ ‬نجاح‭ ‬الطيران‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬تحييد‭ ‬المنظومة‭ ‬الصاروخية‭.‬

وقد‭ ‬لجأت‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬مهاجمة‭ ‬مداخل‭ ‬الأنفاق‭ ‬التي‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإطلاق‭ ‬الصواريخ،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إغلاقها‭ ‬وتعطيل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استخدامها‭. ‬وبحسب‭ ‬مصادر‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬تعد‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬شلّ‭ ‬القدرات‭ ‬الصاروخية‭ ‬الإيرانية‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العملية‭.‬

الرد‭ ‬الإيراني‭ ‬الوعد‭ ‬الصادق

جاء‭ ‬الرد‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬الهجوم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بعملية‭ ‬أطلقت‭ ‬عليها‭ ‬طهران‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الوعد‭ ‬الصادق‭ ‬3‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬طابعًا‭ ‬انتقاميًا‭ ‬واضحًا‭. ‬

ووفق‭ ‬المصادر‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬أطلقت‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬592‭ ‬صاروخًا،‭ ‬وصل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الأهداف‭ ‬المحددة‭ ‬فقط‭ ‬نحو‭ ‬خمسين‭ ‬صاروخًا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬1050‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬تمكنت‭ ‬570‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬اختراق‭ ‬الحدود،‭ ‬فيما‭ ‬أصابت‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬هدفها‭ ‬بدقة‭.‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬سببتها‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية،‭ ‬سواءً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والممتلكات‭ ‬وفقًا‭ ‬لأحدث‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬فقد‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬32‭ ‬شخصًا‭ ‬وإصابة‭ ‬3508،‭ ‬وتضرر‭ ‬980‭ ‬مبنى،‭ ‬وقُدّمت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬41،650‭ ‬مطالبة‭ ‬تعويض‭ ‬عن‭ ‬الأضرار،‭ ‬فيما‭ ‬وتُقدر‭ ‬الأضرار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بالمباني‭ ‬وحدها‭ ‬بأكثر‭ ‬300‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬نتائج‭ ‬الهجوم‭ ‬تدمير‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬وايزمن‭ ‬للعلوم،‭ ‬الذي‭ ‬يُعدّ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المؤسسات‭ ‬البحثية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬رمزية‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬مفادها‭: ‬‮«‬أنتم‭ ‬تستهدفون‭ ‬علماءنا،‭ ‬ونحن‭ ‬نرد‭ ‬بضرب‭ ‬مراكزكم‭ ‬العلمية‮»‬‭. ‬

وأكد‭ ‬الخبير‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الإيراني‭ ‬يوئال‭ ‬جوزانسكي‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬المعهد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مصادفة،‭ ‬إذ‭ ‬ترتبط‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة،‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بمؤسسة‭ ‬الدفاع‭ ‬وبشركات‭ ‬تطوير‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭. ‬وقد‭ ‬قدّرت‭ ‬الخسائر‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬استهداف‭ ‬المعهد‭ ‬بنحو‭ ‬500‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬نتيجة‭ ‬تدمير‭ ‬مختبرات‭ ‬ومرافق‭ ‬بحثية‭ ‬رئيسية‭.‬

نهاية‭ ‬جولة‭ ‬المواجهة‭ 

لولا‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬المباشر،‭ ‬لكانت‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬قد‭ ‬تطورت‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬فبحكم‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬وتشابك‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬فيه،‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النزاعات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬عادة‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يُرهق‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬ويضطر‭ ‬إلى‭ ‬التوقف‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد

‭.‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬إيران،‭ ‬بدافع‭ ‬من‭ ‬كبريائها‭ ‬ورغبتها‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتتراجع‭ ‬بسهولة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وقف‭ ‬هجومها‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬إنجاز‭ ‬ملموس‭ ‬يبرر‭ ‬استهدافها‭ ‬المباشر‭ ‬للمواقع‭ ‬النووية‭ ‬المحصنة،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬موقعي‭ ‬نطنز‭ ‬وفوردو‭ ‬القابعين‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬جبلية‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬ميل‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭.‬

لذلك‭ ‬جاء‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬باستخدام‭ ‬القاذفات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بضرب‭ ‬هذه‭ ‬المراكز،‭ ‬وإعلان‭ ‬ترامب‭ ‬شخصيًا‭ ‬بأن‭ ‬المنشأتين‭ ‬قد‭ ‬لحق‭ ‬بهما‭ ‬أضرارًا‭ ‬كبيرة‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إيران‭ ‬استخدامهما‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬مما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المأزق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬وقام‭ ‬ترامب‭ ‬بفرضه‭ ‬على‭ ‬نتانياهو‭.‬

مستقبل‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين

ستبذل‭ ‬إيران‭ ‬أقصى‭ ‬جهودها‭ ‬لاستعادة‭ ‬قدراتها‭ ‬الصاروخية،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬لتكون‭ ‬على‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭. ‬

تدرك‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ستسعى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترميم‭ ‬قدراتها‭ ‬النووية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬التصعيد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة،‭ ‬وقد‭ ‬تتخذ‭ ‬إسرائيل‭ ‬مسألة‭ ‬حيازة‭ ‬إيران‭ ‬400‭ ‬كيلو‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭% ‬ذريعة‭ ‬لعدوان‭ ‬جديد‭ ‬محتمل،‭ ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يوافق‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الرافضين‭ ‬للحروب‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭.‬

ستشكل‭ ‬نتائج‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬التخصيب‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انفجار‭ ‬المواجهة،‭ ‬أو‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬جديد‭ ‬تحصل‭ ‬فيه‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبيرة‭.‬

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى