ترى إسرائيل في النظام الإيراني عدو مزدوج التوجه كونه نظام ديني يرفع شعارات دينية وثورية منذ أن أطلق الإمام الخميني شعاراته ضد إسرائيل باعتبارها كيانًا سرطانيًا يجب إزالته.
ومن جهة ثانية توجهاته الداخلية ذات بعد إمبراطوري نابع من المخيلة السياسية الإيرانية للإمبراطورية الفارسية، وهو ما يعتبر تحدي خطير لسعي إسرائيل لفرض هيمنتها الإقليمية.
أما في المقابل، فترى القيادة الإيرانية أن الجمهورية الإسلامية تعيش منذ انتصار الثورة عام 1979 في حالة خطر وجودي دائم، تجسدت أبرز ملامحه في الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988) التي فُرضت عليها بدعم غربي، والتي خلّفت صدمة عميقة في الوعي الإيراني، دفعت طهران إلى تبنّي سياسة تقوم على منع تكرار مثل تلك التجربة بأي ثمن.
استراتيجية الدفاع الإيرانية
دفع الشعور المتنامي بالحصار والتهديد إيران إلى بلورة عقيدتها الدفاعية على أساس ما تسميه «مبدأ الدفاع الهجومي»، الذي يقوم على استباق العدو ومهاجمته قبل أن يصل إلى أراضيها.
ومن هذا المنطلق، عملت طهران على بناء شبكة واسعة من التحالفات مع قوى «تحت الدولة» في المنطقة، لاستخدامها كخط دفاع متقدم ونقل المواجهة إلى العمق المعادي.
وبشكل موازي ركزت إيران على بناء منظومة صاروخية لتغطي على الفجوة التكنولوجية وضعف قدرتها الهجومية، خاصة في سلاح الطيران، وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن لدى إيران ما يقارب 30 ألف صاروخ باليستي من مختلف الطرازات، بينها نحو 8 آلاف صاروخ متطور، تشمل الصواريخ الفرط صوتية والانشطارية.
البرنامج النووي عنوان مضلل
رغم أن البرنامج النووي الإيراني يمتد جذوره إلى عهد الشاه، فقد تعاملت إسرائيل معه على الدوام كتهديد وجودي، معتبرة أن أي ضعف في النظام الإيراني قد يدفعه إلى السعي لامتلاك السلاح النووي، في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي ذو أهداف سلمية بحتة، وتخضع جميع منشآته لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومع تصاعد الضغوط والعقوبات الغربية، توصلت إيران عام 2015 إلى اتفاق مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى، يقضي بإخضاع أنشطتها النووية للرقابة الدولية وتحديد نسبة تخصيب اليورانيوم عند 3.67%. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحب من الاتفاق عام 2018، وأعاد فرض عقوبات قاسية، أعادت الملف النووي إلى دائرة التوتر والتصعيد.
المواجهة بين إيران وإسرائيل
الحملة بين الحروب
مرت المواجهة بين إيران وإسرائيل بعدة مراحل، بدأت عام 2013 بما عُرف باسم «الحملة بين الحروب»، والتي استهدفت في بدايتها منع نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله عبر الأراضي السورية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى استهداف مباشر لإيران نفسها، من خلال ضرب مواقع تابعة للحرس الثوري وفيلق القدس داخل الأراضي السورية.
استهداف المقدرات النووية الإيرانية
وفي مرحلة لاحقة، اتجهت إسرائيل إلى استهداف المقدرات النووية الإيرانية، عبر تدمير البنية العلمية والتقنية للبرنامج النووي، وكانت البداية عام 2010 عندما تم استخدام فايروس «ستاكسنت» الذي أدى إلى تعطيل مئات أجهزة الطرد المركزي، تلاه اغتيال عدد من العلماء النوويين الإيرانيين.
وقد أقرّ اللواء أهارون حاليفا، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، بأن «الهجمات داخل الأراضي الإيرانية جعلت إسرائيل الخصم الرئيسي بالنسبة للنظام الإيراني».
الطوفان والمواجهة المباشرة
وشكّلت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 منعطفًا خطيرًا في مسار المواجهة، إذ اتُّهمت طهران – رغم نفيها – بدعم حركة حماس في هجومها، وبالضغط على حزب الله لفتح جبهة من جنوب لبنان لاستنزاف الجيش الإسرائيلي وتخفيف الضغط عن غزة.
عملية الوعد الصادق
بلغ التوتر ذروته في مارس 2024 بعد قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، الذي أدى إلى مقتل عدد من قادة فيلق القدس وخمسة مستشارين عسكريين، وردّت إيران بعملية «الوعد الصادق 1»، حيث أطلقت – وفق المصادر الإسرائيلية – 185 طائرة مسيّرة و36 صاروخ كروز و110 صواريخ أرض-أرض استهدفت القواعد العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما قاعدة نيفاتيم، وقد تمكنت منظومات الدفاع الإسرائيلية من اعتراض نحو 84% من تلك الهجمات.
وفي الأول من أكتوبر 2024، شنت إيران عملية «الوعد الصادق 2» ردًا على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية أثناء زيارته إلى طهران، واغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في سبتمبر من العام نفسه.
استخدمت طهران في هذه العملية نحو 250 صاروخًا باليستيًا من طراز «فتاح-1»، بينها صواريخ فرط صوتية أُطلقت لأول مرة، ما شكّل تطورًا لافتًا في قدراتها الصاروخية. ورغم الأضرار البشرية والمادية المحدودة، فإن الهدف الإيراني كان إرسال رسالة واضحة باستعادة الكرامة القومية، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل.
الهجوم الإسرائيلي على ايران « الأسد الصاعد»
استغلت إسرائيل ما اعتبرته فرصة تاريخية بعد حربها على غزة ولبنان عقب هجوم 7 أكتوبر 2023، ووجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحكم، لتشنّ عملية واسعة ضد إيران تحت اسم «الأسد الصاعد»، وقد برّر ترامب العملية بأنها جاءت نتيجة رفض طهران وقف تخصيب اليورانيوم خلال مفاوضات «ويتكوف – عرقجي».
شن الطيران الإسرائيلي فجر 13 يونيو 2025، هجومًا واسع النطاق استهدف منشآت نووية ومواقع تصنيع وإطلاق الصواريخ ومقرات قيادية للحرس الثوري الإيراني، ولم يكن هذا الهجوم مجرد ضربة عسكرية مفاجئة، بل شكّل صدمة استراتيجية وإذلالًا وطنيًا لإيران، وأظهر في الوقت نفسه حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي داخل بنية النظام الإيراني.
أدّى الهجوم إلى تعطيل مؤقت وجزئي لقدرات إيران الدفاعية، بعد مقتل شخصيات بارزة في المؤسسة العسكرية، من بينهم رئيس الأركان وقائد الحرس الثوري ورؤساء أقسام الاستخبارات والعمليات، إضافة إلى قائد القوة الجوية ، الفضائية للحرس الثوري.
والأخطر من ذلك أن إيران فشلت في استخدام قدراتها الصاروخية بالشكل المخطط له، إذ كانت التقديرات تشير إلى قدرتها على إطلاق نحو 600 صاروخ في اليوم الأول من المواجهة، لكن ذلك لم يحدث بسبب نجاح الطيران الإسرائيلي في تحييد المنظومة الصاروخية.
وقد لجأت إسرائيل إلى أسلوب غير مسبوق تمثل في مهاجمة مداخل الأنفاق التي تُستخدم لإطلاق الصواريخ، ما أدى إلى إغلاقها وتعطيل القدرة على استخدامها. وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن هذه التقنية تعد الأولى من نوعها في مواجهة مباشرة، وأسهمت في شلّ القدرات الصاروخية الإيرانية خلال الأيام الأولى من العملية.
الرد الإيراني الوعد الصادق
جاء الرد الإيراني على الهجوم الإسرائيلي بعملية أطلقت عليها طهران اسم «الوعد الصادق 3»، التي حملت طابعًا انتقاميًا واضحًا.
ووفق المصادر الإسرائيلية، أطلقت إيران نحو 592 صاروخًا، وصل منها إلى الأهداف المحددة فقط نحو خمسين صاروخًا، إضافة إلى 1050 طائرة مسيّرة تمكنت 570 منها من اختراق الحدود، فيما أصابت واحدة فقط هدفها بدقة.
من أبرز النتائج التي سببتها الصواريخ الإيرانية، سواءً من حيث الخسائر البشرية والممتلكات وفقًا لأحدث البيانات التي صدرت عن الجهات الرسمية الإسرائيلية، فقد أودت بحياة 32 شخصًا وإصابة 3508، وتضرر 980 مبنى، وقُدّمت أكثر من 41،650 مطالبة تعويض عن الأضرار، فيما وتُقدر الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالمباني وحدها بأكثر 300 مليون دولار.
ومن أبرز نتائج الهجوم تدمير جزء كبير من معهد وايزمن للعلوم، الذي يُعدّ من أهم المؤسسات البحثية في إسرائيل، في رسالة رمزية من طهران مفادها: «أنتم تستهدفون علماءنا، ونحن نرد بضرب مراكزكم العلمية».
وأكد الخبير الإسرائيلي في الشأن الإيراني يوئال جوزانسكي أن استهداف المعهد لم يكن مصادفة، إذ ترتبط هذه المؤسسة، كغيرها من الجامعات الإسرائيلية الكبرى، ارتباطًا وثيقًا بمؤسسة الدفاع وبشركات تطوير السلاح في إسرائيل. وقد قدّرت الخسائر الناتجة عن استهداف المعهد بنحو 500 مليون دولار، نتيجة تدمير مختبرات ومرافق بحثية رئيسية.
نهاية جولة المواجهة
لولا التدخل الأمريكي المباشر، لكانت المواجهة بين إيران وإسرائيل قد تطورت إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، فبحكم طبيعة الصراع وتشابك الأطراف الإقليمية والدولية فيه، فإن مثل هذه النزاعات لا تنتهي عادة إلا عندما يُرهق أحد الطرفين ويضطر إلى التوقف من جانب واحد
.ومع ذلك، فإن إيران، بدافع من كبريائها ورغبتها في الحفاظ على مكانتها كقوة إقليمية، لم تكن لتتراجع بسهولة، في حين لم تستطع إسرائيل وقف هجومها دون تحقيق إنجاز ملموس يبرر استهدافها المباشر للمواقع النووية المحصنة، وخصوصًا موقعي نطنز وفوردو القابعين في مناطق جبلية على عمق يقارب نصف ميل تحت الأرض.
لذلك جاء التدخل الأمريكي باستخدام القاذفات الاستراتيجية بضرب هذه المراكز، وإعلان ترامب شخصيًا بأن المنشأتين قد لحق بهما أضرارًا كبيرة بحيث لا تستطيع إيران استخدامهما بعد ذلك، مما فتح الباب إلى الخروج من المأزق من خلال اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وقام ترامب بفرضه على نتانياهو.
مستقبل المواجهة بين الطرفين
ستبذل إيران أقصى جهودها لاستعادة قدراتها الصاروخية، وتطوير قدراتها في مجال الدفاع الجوي بالتعاون مع دول مثل الصين لتكون على أهبة الاستعداد للرد على إسرائيل.
تدرك إسرائيل أن إيران ستسعى إلى إعادة ترميم قدراتها النووية مرة أخرى، لذلك من المتوقع أن يعود التصعيد في أي لحظة، وقد تتخذ إسرائيل مسألة حيازة إيران 400 كيلو من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ذريعة لعدوان جديد محتمل، لكن يبقى السؤال إلى أي مدى يوافق ترامب على الدخول في مواجهة جديدة في ظل الرافضين للحروب في الإدارة الأمريكية.
ستشكل نتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول مسألة التخصيب على الأراضي الإيرانية أحد أهم التحديات التي قد تؤدي إلى انفجار المواجهة، أو التوصل إلى اتفاق جديد تحصل فيه أمريكا على مكاسب اقتصادية كبيرة.


