رؤية إيران لعالم متعدد الأقطاب وجهودها لبناء توازن قوى خارج النفوذ الأمريكي
د. أحمد فتحي هنداوي - مختص في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية
تكوّنت السياسة الخارجية الإيرانية ضمن سياقٍ تاريخيٍّ معقّدٍ صاغ وعيها الجمعي وعمّق حذرها من التدخل الأجنبي، وهو إرث ممتدّ تعود جذوره إلى قرونٍ من الغزوات والضغوط التي خلّفت ندوبًا غائرة في الذاكرة الوطنية الإيرانية.
فمنذ الاجتياحات الروسية والبريطانية في القرنين الماضيين، التي أفضت إلى اقتطاع أجزاء من الأراضي الإيرانية وفرض معاهدات غير متكافئة، مرورًا بانقلاب وكالة المخابرات المركزية الأميركية عام 1953 الذي أطاح بحكومة محمد مصدق المنتخبة ديمقراطيًّا بعد قراره بتأميم النفط، ترسّخ لدى الإيرانيين شعورٌ عميق بعدم الثقة تجاه القوى الغربية، وبوجهٍ خاص تجاه الولايات المتحدة.
هذا التاريخ ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو حجر الزاوية الذي بنيت عليه هوية إيران ما بعد الثورة، حيث باتت ترى في الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر» الذي يمثل رأس الهيمنة العالمية، ما جعل هذا التصور ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو قناعة راسخة تشكل دافعها العميق نحو الاستقلال الاستراتيجي ومقاومة الهيمنة بأشكالها كافة.
لقد دفعت هذه الخلفية التاريخية إيران، خاصة بعد الثورة الإسلامية في عام 1979 والتي حملت شعار «لا شرقية ولا غربية»، إلى السعي لإيجاد مسار يمكن من خلاله أن تحقق مصالحها الوطنية دون أن تخضع للقوى العظمى الدولية.
إذ عبَّر هذا الشعار عن رغبة في التحرر الكامل من أي شكل من أشكال التبعية، ورفضاً قاطعاً للقطبين السائدين آنذاك «الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي»، ومنذ ذلك الحين، لم تكتفِ إيران بتأكيد استقلاليتها، بل سعت جاهدة لترسيخ نفسها كقوة إقليمية وعالمية لا يمكن تجاهلها.
ترى طهران في النظام العالمي المتعدد الأقطاب، الذي يشهد تراجعًا تدريجيًا في النفوذ الأمريكي وصعود قوى دولية جديدة كالصين وروسيا، الإطار الأنسب لضمان مصالحها الوطنية وصون أمنها القومي.
فهي تنظر إلى النظام الدولي القائم، الذي تتزعمه واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، بوصفه نظاماً معادياً يهدف إلى الحد من قدراتها الاستراتيجية، وتطويق نفوذها الإقليمي، وتقويض شرعيتها على الساحة الدولية.
وانطلاقًا من هذا الإدراك، تبنّت استراتيجية شاملة ومتعددة المسارات، تسعى من خلالها إلى المساهمة في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، بما يؤدي تدريجيًا إلى تقليص هيمنة الولايات المتحدة.
وترتكز هذه الاستراتيجية على جملة من الركائز الأساسية، من أبرزها: تعميق الشراكات السياسية والاقتصادية مع القوى الصاعدة، وتوسيع شبكة التحالفات الإقليمية، وتفعيل أدوات القوة الناعمة إلى جانب القوة الصلبة، فضلًا عن ابتكار آليات مالية وتجارية جديدة تمكّنها من مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية، بما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة في بيئة دولية تتّسم بالتحوّل المستمر.
أركان الاستراتيجية الإيرانية لبناء توازن قوى جديد
يُعَدّ أحد أبرز ملامح هذه الاستراتيجية التحوّل الجذري نحو «سياسة التوجّه شرقًا»، وهو تحوّل استراتيجي جوهري لا يقتصر على كونه تكتيكًا مرحليًا، بل يشكّل إعادة توجيه شاملة للمحور الجيوسياسي الإيراني.
فقد تجاوزت إيران شعارها الثوري القديم «لا شرقية ولا غربية»، لتتجه بقوة نحو تعزيز علاقاتها مع القوى الشرقية الصاعدة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
وترى طهران أن صعود هذه القوى يمنحها فرصة تاريخية لتقليص اعتمادها على الغرب والمساهمة في تشكيل نظامٍ عالميٍّ أكثر توازنًا، يحدّ من قدرة واشنطن على فرض إرادتها على بقية الدول.
وقد عمّقت إيران تعاونها مع بكين وموسكو عبر شراكاتٍ استراتيجيةٍ متعدّدة الأبعاد لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل تمتدّ لتشمل مجالات التعاون العسكري والأمني أيضًا.
تُعدّ مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تُشارك فيها إيران، نموذجًا واضحًا على سعي طهران إلى توظيف البنية التحتية الاقتصادية التي توفرها الصين لتعزيز مكانتها الدولية والتقليل من تأثير العقوبات الأمريكية عليها.
وفي هذا الإطار، تعمل إيران بنشاط على الانضمام إلى المنظمات الدولية والإقليمية التي تراها بدائل للمؤسسات التي يهيمن عليها الغرب، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، ويعكس هذا التوجّه رغبةً إيرانية واضحة في بناء شبكة من التحالفات والعلاقات الاستراتيجية خارج الإطار الغربي التقليدي، بما يرسّخ موقعها ضمن القوى الساعية إلى نظامٍ عالميٍّ أكثر توازنًا وعدالة.
أما من الجانب الصيني، فإن التعاون مع إيران يُعدّ جزءًا لا يتجزّأ من استراتيجيةٍ أشمل تهدف إلى توسيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي لبكين في منطقة الشرق الأوسط، وتُعدّ الاتفاقية الاستراتيجية الممتدة لـ 25 عامًا، التي وُقّعت بين البلدين عام 2021، دليلًا واضحًا على هذا التوجّه، فالاتفاقية تتضمن استثماراتٍ صينيةً ضخمة في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية الإيرانية، مقابل إمداداتٍ نفطيةٍ مستقرة بأسعارٍ تفضيلية.
وبذلك تُتيح هذه الشراكة لطهران تصدير نفطها رغم العقوبات الأمريكية، وتوفّر لها شريان حياةٍ اقتصاديًّا حيويًّا يعزّز قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الخارجية.
أما بالنسبة لروسيا، فقد تطوّر التعاون معها إلى شراكةٍ استراتيجيةٍ متقدّمة في عددٍ من الساحات، أبرزها سوريا، حيث عمل البلدان جنبًا إلى جنب في دعم نظام بشار الأسد، في تنسيقٍ عسكريٍّ واستخباراتيٍّ غير مسبوق.
وامتدّ هذا التعاون ليشمل تدريباتٍ بحريةً مشتركة في بحر عُمان، وصفقات تسليحٍ متطورة، من بينها الطائرات المسيّرة، وتشير بعض التقارير إلى أن موسكو قدّمت بيانات أقمارٍ صناعية للحوثيين عبر وسطاء من الحرس الثوري الإيراني، كما لعب فيكتور بوت « تاجر الأسلحة والسياسي الروسي المعروف» دوراً في ترتيب صفقات أسلحةٍ خفيفة لصالحهم.
وتمنح هذه الشراكة مع روسيا، التي تواجه هي الأخرى عقوباتٍ غربيةً مشدّدة، إيرانَ قدرةً أكبر على تحدي منظومة الهيمنة الغربية، وإظهار قدرتها على إقامة تحالفاتٍ قويةٍ وفاعلةٍ خارج الفلك الغربي التقليدي.
أما على المستوى الإقليمي، فتعتمد إيران على استراتيجية موازية تعرف باسم -محور المقاومة-، والذي يضم شبكة واسعة من الحلفاء من الدول وغير الدول، مثل حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والحوثيين في اليمن وغيرها.
وتقدّم طهران لهذه الأطراف دعمًا سياسيًا وماليًا وعسكريًا، بما يتيح لها ممارسة نفوذٍ إقليميٍّ فاعلٍ، ومواجهة خصومها الرئيسيين – الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية – دون الدخول في مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرة.
وفي الوقت ذاته، لم تُهمِل إيران البُعد الدبلوماسي، بل انخرطت في جهود تقاربٍ مع قوى إقليمية منافسة، مثل المملكة العربية السعودية، بوساطةٍ صينيةٍ فاعلة، وتستهدف طهران من خلال هذا المسار تخفيف التوترات الإقليمية وتقليص مبررات الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بما يُعزّز فكرة أن القوى الإقليمية قادرةٌ على حلّ خلافاتها بنفسها، ويساهم في بناء نظامٍ إقليميٍّ أكثر استقلالية عن واشنطن.
كما تُعد رؤية إيران لعالم متعدد الأقطاب أيضاً استجابة مباشرة لسياسة -الضغط الأقصى- التي انتهجتها الولايات المتحدة والعقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها عليها، إذ دفعت هذه العقوبات التي تُعيق التنمية الاقتصادية وتُعمق العزلة الدولية، طهران إلى العمل بشكل مكثف مع شركائها لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في التجارة الدولية، مما يُظهر كيف أن الضغوط الخارجية يمكن أن تُشكل مسارات استراتيجية غير متوقعة.
وقد أصبحت إيران ماهرة في التحايل على هذه العقوبات، غالباً بمساعدة روسيا والصين، من خلال استخدام شركات واجهة وعمليات سرية لنقل النفط والسلع، حيث تُعد هذه التكتيكات ضرورية لبقاء إيران الاقتصادي، كما أنها وسيلة لإثبات مرونتها وقدرتها على الصمود في وجه الإكراه الاقتصادي الأمريكي، وإظهار أن العقوبات لم تعد الأداة الفعالة التي كانت عليها في الماضي.
تحديات وقيود على الطموحات الإيرانية
على الرغم من النجاحات التي حققتها إيران في تنفيذ استراتيجيتها، فإن طريقها نحو تحقيق أهدافها لا يخلو من تحدياتٍ جوهريةٍ وقيودٍ بنيوية قد تحدّ من قدرتها على المضيّ قدمًا في طموحاتها.
فالاقتصاد الإيراني يواجه أزمةً خانقةً تتجلّى في معدلات تضخّمٍ مرتفعة وصلت إلى مستوياتٍ قياسية، إلى جانب الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية، ما أدّى إلى تآكل القوة الشرائية للطبقة الوسطى وتصاعد حالة السخط الشعبي.
وهذه الأزمات الداخلية لا يمكن معالجتها عبر التوجهات الخارجية وحدها، بل إنها تُلقي بظلالها على قدرة النظام الإيراني في الاستمرار بتنفيذ سياساته الخارجية الطموحة، خصوصًا مع استنزاف الموارد الاقتصادية في دعم «محور المقاومة» أو تمويل الاستثمارات الخارجية، وهو ما يزيد من حدة الضغوط الداخلية.
إلى جانب ذلك، فإن شراكات إيران مع كلٍّ من الصين وروسيا ليست قائمة على توافقٍ أيديولوجيٍّ أو تحالفٍ مبدئيٍّ عميق، بل هي شراكاتٌ براغماتية محكومة بحسابات المصالح المتبادلة في مواجهة الولايات المتحدة.
فكلتا الدولتين تُقدّمان مصالحهما الاستراتيجية على حساب مصالح طهران، الأمر الذي يضع إيران في موقع التبعية الجزئية بدلًا من الشراكة المتكافئة.
فالصين، على سبيل المثال، تهتم باستقرار تدفق النفط، لكنها ليست مستعدة للمخاطرة بعلاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا من أجل دعم إيران بشكل كامل.
أما روسيا، فرغم كونها شريكًا استراتيجيًا لإيران في بعض الملفات، فإنها تُعَدّ أيضًا منافسًا مباشرًا لها في سوق الطاقة.
ولم تُبدِ موسكو استعدادًا لدعم تطوير الموارد النفطية الإيرانية بالكامل، بل سعت إلى الاستحواذ على الأسواق الإيرانية التقليدية في آسيا – بما في ذلك الصين – عبر تقديم خصوماتٍ كبيرة بعد حظر صادراتها النفطية إلى أوروبا، كما تُعارض روسيا أي تعاونٍ واسع بين إيران ودول الاتحاد السوفيتي السابق مثل أرمينيا.
ومن هنا، يُمكن القول إنّ إيران تواجه خطر التحوّل إلى أداةٍ في صراع القوى الكبرى، بدلًا من أن تكون فاعلًا مستقلًّا يسهم في صياغة موازين القوى العالمية الجديدة.
جدلية البقاء بين الأيديولوجيا والبراغماتية
في الختام، تسعى إيران ببراغماتيةٍ واضحة إلى استثمار التحولات الجيوسياسية العالمية نحو تعدد الأقطاب لكسر عزلتها الدبلوماسية والاقتصادية، ورغم أن هذا المسعى يُقدَّم على أنه رؤية استراتيجية بعيدة المدى، فإنه في جوهره يعكس استراتيجية براغماتية للبقاء في مواجهة الضغوط الأمريكية والغربية المتواصلة.
ويبرز في هذا السياق التفاعل الجدلي بين الأيديولوجيا الثورية والضرورات البراغماتية في السياسة الخارجية الإيرانية، وهو تفاعل يتجلّى بوضوح في علاقاتها مع القوى الشرقية وتقاربها مع بعض خصومها الإقليميين.
فعلى الرغم من أن الأيديولوجيا الثورية الإيرانية – القائمة على مناهضة الإمبريالية، ورفض الصهيونية، والدفاع عن المستضعفين، وتصدير الثورة – ما تزال تمثل الإطار النظري الثابت لسياستها الخارجية، فإن آليات تطبيقها تتغيّر وفقًا للظروف الإقليمية والدولية.
إذ تُظهر إيران في سياستها الخارجية نموذج جدلي معقد بين المُثل العليا التي تدعو إلى التحرر من الهيمنة، والواقع العملي الذي يفرض عليها التنازل عن بعض مبادئها من أجل البقاء.
وقد مكّنها هذا النهج من الحفاظ على نفوذها الإقليمي رغم عزلتها الطويلة، ويسمح لها اليوم بالانخراط النشط مع القوى غير الغربية في إطار نظامٍ دوليٍّ آخذٍ في التشكّل.
وفي نهاية المطاف، سيبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت إيران ستنجح في تحقيق رؤيتها لتكون قوة فاعلة في عالم متعدد الأقطاب، أم ستظل أسيرة للعبة القوى الكبرى التي تسعى كل منها لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الآخرين؟.
