مقالات

سياسة الهنــد تجاه غرب آسيا: هل تتغير؟

د. ذاكر حسين - خبير في شؤون غرب آسيا

تقاسمَت‭ ‬الهند‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا‭ ‬نحو‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬المتجذّرة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والأعمال‭ ‬والتبادل‭ ‬الثقافي،‭ ‬وتطوّرت‭ ‬هذه‭ ‬الروابط‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬متأثرةً‭ ‬بتحولات‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الثنائي‭ ‬والدولي،‭ ‬وبينما‭ ‬حافظت‭ ‬الهند‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭ ‬وسط‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكيات‭ ‬المتغيّرة،‭ ‬انتقلت‭ ‬مقاربتها‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬الموازنة‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬مدفوعةً‭ ‬بتنامي‭ ‬مكانتها‭ ‬وتبدّل‭ ‬معادلات‭ ‬المنطقة‭.‬

ومع‭ ‬اكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬وتدخّل‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬أصبحت‭ ‬علاقات‭ ‬الهند‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬وتعقيداً‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الطابع‭ ‬المعاملي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬فكرية‭ ‬أو‭ ‬استراتيجية‭.‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬حيوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للهند؛‭ ‬إذ‭ ‬توفّر‭ ‬أكبر‭ ‬حجم‭ ‬من‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية،‭ ‬وتشكل‭ ‬سوقاً‭ ‬تجارية‭ ‬مستقرة،‭ ‬وتلبّي‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬بتكاليف‭ ‬منخفضة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬أقصر‭ ‬المسارات‭ ‬البحرية،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬بادلت‭ ‬الهند‭ ‬ذلك‭ ‬بتوصيف‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ -‬جوارها‭ ‬البحري‭-‬،‭ ‬مشاركةً‭ ‬إياها‭ ‬ثمار‭ ‬نموها‭.‬

ومع‭ ‬تولي‭ ‬حزب‭ ‬بهاراتيا‭ ‬جاناتا‭ ‬الحكم‭ ‬بقيادة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ناريندرا‭ ‬مودي،‭ ‬بدأت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التجريب‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭. ‬واستهدف‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬مستويين‭ ‬أساسيين‭: ‬إعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬التبادلات‭ ‬الفكرية،‭ ‬وتوظيف‭ ‬المنطقة‭ ‬لتعزيز‭ ‬علاقات‭ ‬الهند‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بهدف‭ ‬مواجهة‭ ‬تصاعد‭ ‬التهديدات‭ ‬الإرهابية‭ ‬ومجابهة‭ ‬الصين‭ ‬وحلفائها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬باكستان،‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬وخارجها‭.‬

ولا‭ ‬شكّ‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬تطوّرت‭ ‬تبعاً‭ ‬للديناميكيات‭ ‬الداخلية‭ ‬والعالمية‭ ‬المتقلبة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬نصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬الموازنة‭ ‬إلى‭ ‬نهجٍ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬والبراغماتية‭ ‬والحزم‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭. ‬وتحررت‭ ‬من‭ ‬إكراهات‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وتوقفت‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬بوصفها‭ -‬عشيقة‭-‬،‭ ‬وتخلّت‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬الموازنة‭ ‬المتساوية،‭ ‬كما‭ ‬أعادت‭ ‬موضعة‭ ‬إيران‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬الخليجي‭-‬الأميركي،‭ ‬ويمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬بعض‭ ‬التحولات‭ ‬التالية‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭.‬

  ‬التسمية‭: ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬مقابل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط

أولُ‭ ‬تحولٍ‭ ‬ملحوظ‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬تسمية‭ ‬المنطقة؛‭ ‬إذ‭ ‬بات‭ ‬الأكاديميون‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬يستخدمون‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬غرب‭ ‬آسيا‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُفضَّل‭ ‬استخدامه‭ ‬لسببين‭ ‬أساسيين‭: ‬الأول‭ ‬جغرافي،‭ ‬إذ‭ ‬تقع‭ ‬المنطقة‭ ‬غرب‭ ‬الهند،‭ ‬والثاني‭ ‬لأن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬يحمل‭ ‬إرثاً‭ ‬استعمارياً‭. ‬

وقد‭ ‬عارض‭ ‬المهاتما‭ ‬غاندي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قادة‭ ‬مثل‭ ‬سعد‭ ‬زغلول،‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬ودعموا‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وشكّل‭ ‬قول‭ ‬غاندي‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬فلسطين‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬فرنسا‭ ‬للفرنسيين‮»‬‭ ‬مرتكزًا‭ ‬لسياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬فلسطين‭.‬

اليوم،‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يتساءل‭ ‬الجيل‭ ‬الهندي‭ ‬الأصغر‭ ‬سناً‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬بل‭ ‬يزداد‭ ‬تبنّيهم‭ ‬للمصطلحات‭ ‬الغربية،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬غرب‭ ‬آسيا‮»‬،‭ ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬الذي‭ ‬ازداد‭ ‬وضوحًا‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬تصاعد‭ ‬النفوذ‭ ‬الغربي،‭ ‬وقد‭ ‬تعزّز‭ ‬بعودة‭ ‬باحثين‭ ‬تلقّوا‭ ‬تعليمهم‭ ‬في‭ ‬جامعات‭ ‬إسرائيلية‭.‬

  ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا

كان‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬البارزة‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬هو‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬فمع‭ ‬تعمّق‭ ‬الرهانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬للهند‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬تطوّر‭ ‬منظورها‭ ‬الإقليمي‭ ‬أيضًا،‭ ‬واكتسبت‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬أهمية‭ ‬حيوية‭ ‬لأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬الهندي،‭ ‬والتحويلات‭ ‬المالية،‭ ‬والتجارة،‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وموازنة‭ ‬سياسات‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسارات‭ ‬الاتصال‭ ‬البحري‭ ‬مثل‭ ‬ممر‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الهند‭ ‬بأسواق‭ ‬أوروبا‭ ‬بقيمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬200‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬نظرت‭ ‬الهند‭ ‬إلى‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬من‭ ‬زاويتين‭ ‬رئيسيتين‭: ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حركة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭ ‬والتضامن‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬وثيقة‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬مدعومين‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬مثل‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وصدام‭ ‬حسين‭ ‬وعائلة‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬أما‭ ‬الثانية،‭ ‬فتمثلت‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬باكستان‭ ‬ومنعها‭ ‬من‭ ‬توحيد‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ضد‭ ‬الهند‭.‬

وبناءً‭ ‬على‭ ‬ديناميكيات‭ ‬المنطقة‭ ‬واعتبارات‭ ‬الهند‭ ‬الخاصة،‭ ‬صاغت‭ ‬نيودلهي‭ ‬سياستها‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬ضمن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطر‭ ‬عامة‭: ‬عدم‭ ‬التدخل،‭ ‬والموازنة‭ ‬المتساوية‭ ‬بين‭ ‬الكتل‭ ‬الثلاث‭ ‬المتصارعة‭ (‬الكتلة‭ ‬السنية‭ ‬بقيادة‭ ‬السعودية،‭ ‬والكتلة‭ ‬الشيعية‭ ‬بقيادة‭ ‬إيران،‭ ‬وإسرائيل‭)‬،‭ ‬وعدم‭ ‬الإملاء،‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تمارسه‭ ‬الكتلتان‭ ‬الاشتراكية‭ ‬والرأسمالية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬استثمرت‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬واليد‭ ‬العاملة‭ ‬وسوق‭ ‬الطاقة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفوذها‭ ‬ومنع‭ ‬تشكّل‭ ‬موقف‭ ‬عربي‭ ‬موحّد‭ ‬ضدها‭.‬

واستخدمت‭ ‬أنديرا‭ ‬غاندي‭ ‬‮«‬دبلوماسية‭ ‬النفط‮»‬‭ ‬لتخفيف‭ ‬التوتر‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬بنغلاديش‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬فحصلت‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬تزويد‭ ‬نفطي‭ ‬لثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬مع‭ ‬السعودية‭ ‬عام‭ ‬1982،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬محطة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الطاقة‭ ‬الهندية‭.‬

وكانت‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬المؤيدة‭ ‬لفلسطين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حُسن‭ ‬تعامل‭ ‬ملوك‭ ‬الخليج‭ ‬ذوي‭ ‬التوجه‭ ‬التجاري،‭ ‬بمثابة‭ ‬درعين‭ ‬حاميين‭ ‬لمصالحها‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الهند‭ ‬اعترفت‭ ‬بإسرائيل‭ ‬عام‭ ‬1950،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تُقِم‭ ‬علاقات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬رسمية‭ ‬معها‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1992،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬نقلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الهامش‭ ‬إلى‭ ‬المتن‮»‬‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الهندية‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭.‬

  ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة

ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭ ‬دفعت‭ ‬الهند‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬سياستها‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬من‭ ‬نهج‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬براغماتية‭ ‬ومرتكزة‭ ‬على‭ ‬المصالح‭.‬

أولها‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭ ‬الهند‭ ‬من‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تحظَ‭ ‬بدعم‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬كشمير،‭ ‬رغم‭ ‬تأييدها‭ ‬المتواصل‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬القادة‭ ‬العرب‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬باكستان‭ -‬أخًا‭- ‬وفي‭ ‬الهند‭ ‬مجرد‭ -‬صديقة‭-.‬

أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬تبدّل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬دبلوماسية‭ ‬الاصطفاف‭ ‬المتعدد،‭ ‬وسعت‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الانقسامات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬القديمة‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬تمثل‭ ‬العامل‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬الهند‭ ‬منذ‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بفضل‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السريع،‭ ‬وتزايد‭ ‬احتياجات‭ ‬الطاقة،‭ ‬والتقدّم‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والدفاع‭ ‬والأمن،‭ ‬ما‭ ‬عزّز‭ ‬مكانتها‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬العالمية‭.‬

هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬لم‭ ‬يبدّل‭ ‬موقف‭ ‬الهند‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬غيّر‭ ‬أيضًا‭ ‬نظرة‭ ‬العرب‭ ‬إليها؛‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬الهند‭ ‬شريكًا‭ ‬ملائمًا‭ ‬لسياساتهم‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التنويع‭ ‬والتوجّه‭ ‬شرقًا،‭ ‬وهكذا،‭ ‬أوجد‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬عوامل‭ ‬‮«‬دفع‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬جذب‮»‬‭ ‬جديدة‭ ‬أعادت‭ ‬تعريف‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا‭. ‬

كما‭ ‬ساهمت‭ ‬شواغل‭ ‬مشتركة‭ ‬مثل‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والقرصنة‭ ‬وأمن‭ ‬الملاحة‭ ‬بعد‭ ‬هجمات‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬في‭ ‬تقوية‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬بينما‭ ‬تراجعت‭ ‬باكستان‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والدبلوماسي‭.‬

  ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين

مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬بدأت‭ ‬الهند‭ ‬تُكيّف‭ ‬سياستها‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬الحقائق‭ ‬الجيوستراتيجية‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬أوجدت‭ ‬لنيودلهي‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للمناورة،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬إكراهات‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬أو‭ ‬الحاجة‭ ‬المستمرة‭ ‬إلى‭ ‬موازنة‭ ‬النفوذ‭ ‬الباكستاني‭ ‬أو‭ ‬الالتزام‭ ‬بالحماس‭ ‬نفسه‭ ‬تجاه‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا‭ ‬تغيّر‭ ‬توجهات‭ ‬أنظمة‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬نسجت،‭ ‬في‭ ‬الخفاء،‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أحيانًا‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬حرصت‭ ‬حكومات‭ ‬حزب‭ ‬المؤتمر‭ ‬على‭ ‬ألّا‭ ‬تتحول‭ ‬مقاربة‭ ‬الهند‭ ‬لغرب‭ ‬آسيا‭ ‬إلى‭ ‬شعاراتية‭ ‬أو‭ ‬أحادية‭ ‬الجانب،‭ ‬بل‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬كتل‭ ‬القوى‭ ‬الثلاث‭ ‬المتنافسة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وقد‭ ‬ارتكز‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مبادئ‭ ‬راسخة‭ ‬شكّلت‭ ‬أساس‭ ‬السياسة‭ ‬الخليجية‭ ‬للهند‭: ‬الموازنة‭ ‬المتساوية،‭ ‬وعدم‭ ‬التدخل،‭ ‬وعدم‭ ‬الإملاء،‭ ‬وأتاحت‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬للهند‭ ‬الانخراط‭ ‬البنّاء‭ ‬مع‭ ‬أطراف‭ ‬متنافسة‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بمصالحها‭ ‬الحيوية‭.‬

كما‭ ‬حافظ‭ ‬حزب‭ ‬المؤتمر‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ -‬أخلاقيات‭ ‬نهرو‭-‬التي‭ ‬شددت‭ ‬على‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬حركات‭ ‬التحرر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومبادئ‭ ‬حركة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭. ‬

وخلال‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬أصبحت‭ ‬الموازنة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الثلاث‭ ‬المتقابلة‭ ‬ضرورة‭ ‬عملية‭ ‬للهند،‭ ‬بينما‭ ‬ظل‭ ‬دعم‭ ‬فلسطين‭ ‬الواجهة‭ ‬العلنية‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬العربية‭ ‬لنيودلهي،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ،‭ ‬كان‭ ‬تحوّل‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬تحولًا‭ ‬محسوبًا‭ ‬ودقيقًا،‭ ‬عاكسًا‭ ‬انتقالًا‭ ‬براغماتيًا‭ ‬من‭ ‬المثاليات‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭.‬

  ‬الهند‭ ‬الجديدة‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا‭: ‬التحول‭ ‬بعد‭ ‬2014

شكّل‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للهند،‭ ‬بفعل‭ ‬التغيير‭ ‬السياسي‭ ‬الداخلي‭ ‬وإعادة‭ ‬الاصطفاف‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬فقد‭ ‬أنهى‭ ‬فوز‭ ‬حزب‭ ‬بهاراتيا‭ ‬جاناتا‭ ‬ذي‭ ‬التوجهات‭ ‬اليمينية،‭ ‬بقيادة‭ ‬ناريندرا‭ ‬مودي،‭ ‬إرث‭ ‬الغاندية‭-‬النهروية‭ ‬وحركة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز،‭ ‬معلنًا‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬سياسات‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬اتسمت‭ ‬بانخراط‭ ‬وثيق‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لموازنة‭ ‬باكستان،‭ ‬وبعلاقة‭ ‬‮«‬غير‭ ‬معلنة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانت‭ ‬توصف‭ ‬مجازًا‭ ‬بأنها‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬عشيقة‭.‬

دفعت‭ ‬حكومة‭ ‬مودي‭ ‬بثلاثة‭ ‬اتجاهات‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الهندية‭:‬

‭- ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬موقع‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للهند‭.‬

‭- ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭.‬

‭- ‬إنهاء‭ ‬حالة‭ ‬الغموض‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عبر‭ ‬ميل‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ ‬واشنطن‭.‬

وبينما‭ ‬أسفرت‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الأول‭ ‬والثالث‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة،‭ ‬ظلّت‭ ‬استراتيجية‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التجريب،‭ ‬وتمحورت‭ ‬حول‭:‬

‭- ‬تعميق‭ ‬الروابط‭ ‬مع‭ ‬الكتلة‭ ‬السُّنية‭ ‬بقيادة‭ ‬السعودية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مساعي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬نحو‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

‭- ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬علنية‭ ‬ومباشرة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

‭- ‬تراجع‭ ‬مكانة‭ ‬فلسطين‭ ‬كواجهة‭ ‬علنية‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬العربية‭ ‬للهند،‭ ‬مع‭ ‬مواءمة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬الأميركي‭-‬الخليجي‭.‬

وتُعدّ‭ ‬إبراز‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬للهند‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬عبر‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬سمة‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬نهج‭ -‬الهند‭ ‬الجديدة‭- ‬في‭ ‬عهد‭ ‬مودي‭ – ‬وهي‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬تاريخيًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬الحضارة‭ ‬الهندية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأثير‭ ‬الإسلام‭.‬

  ‬أدوات‭ ‬مودي‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافه‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬آسيا

لتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف،‭ ‬اعتمد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ناريندرا‭ ‬مودي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المقاربات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المبتكرة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭:‬

دبلوماسية‭ ‬التغريد‭: ‬ركّز‭ ‬مودي‭ ‬إدارة‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬مكتبه‭ ‬مباشرة،‭ ‬معتمدًا‭ ‬أسلوب‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر‭ ‬وخاصة‭ ‬عبر‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬تويتر‮»‬‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬اشتهر‭ ‬بها‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬هنري‭ ‬كيسنجر‭.‬

الدبلوماسية‭ ‬الثقافية‭: ‬عزّز‭ ‬مودي‭ ‬حضور‭ ‬الهند‭ ‬الثقافي‭ ‬عبر‭ ‬الترويج‭ ‬لليوغا،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬ترميم‭ ‬مواقع‭ ‬التراث‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإسلامي‭ (‬مثل‭ ‬بعض‭ ‬المواقع‭ ‬في‭ ‬مصر‭)‬،‭ ‬ودعم‭ ‬بناء‭ ‬المعابد‭ ‬الهندوسية‭ ‬في‭ ‬الإمارات،‭ ‬وافتتاح‭ ‬المراكز‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬برامج‭ ‬التبادل‭ ‬بين‭ ‬الشعوب،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مودي‭ ‬يحرص‭ ‬خلال‭ ‬جولاته‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬زيارة‭ ‬هذه‭ ‬المعالم‭ ‬لإبراز‭ ‬الهوية‭ ‬الحضارية‭ ‬للهند‭.‬

انخراط‭ ‬سياسي‭ ‬عالي‭ ‬الزخم‭: ‬أصبح‭ ‬مودي‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬هندي‭ ‬يزور‭ ‬إسرائيل،‭ ‬كما‭ ‬زار‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا،‭ ‬مع‭ ‬ميل‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ ‬إسرائيل‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬التقليدي‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭.‬

أولوية‭ ‬للسعودية‭ ‬والإمارات‭: ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬زار‭ ‬مودي‭ ‬السعودية‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬والإمارات‭ ‬سبع‭ ‬مرات،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬مركزيتهما‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬الهند‭ ‬للتجارة‭ ‬والتحويلات‭ ‬والاستثمار،‭ ‬ويُعدّ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬مغترب‭ ‬هندي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬جسرًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬حيويًا‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

الروابط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية‭:‬‭ ‬برزت‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬كأكبر‭ ‬مستثمر‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬آسيا،‭ ‬متجاوزةً‭ ‬الصين‭. ‬وتُعدّ‭ ‬الإمارات‭ ‬ثالث‭ ‬أكبر‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬للهند‭ ‬بعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬وقد‭ ‬وقّع‭ ‬الجانبان‭ ‬اتفاقية‭ ‬تجارة‭ ‬حرة‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬كما‭ ‬استؤنفت‭ ‬مفاوضات‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬ومجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬وتقدّمت‭ ‬المحادثات‭ ‬مع‭ ‬عُمان‭ ‬وقطر،‭ ‬وتعهدت‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬باستثمارات‭ ‬قدرها‭ ‬75‭ ‬و100‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬رغم‭ ‬بطء‭ ‬تنفيذ‭ ‬بعض‭ ‬المشاريع‭. ‬وتعمّق‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مصر‭ ‬مع‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي‭ ‬كضيف‭ ‬شرف‭ ‬في‭ ‬احتفالات‭ ‬يوم‭ ‬الجمهورية‭ ‬لعام‭ ‬2023،‭ ‬تلتها‭ ‬زيارة‭ ‬مودي‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭.‬

تحوّل‭ ‬في‭ ‬أذرع‭ ‬الطاقة‭:‬‭ ‬عملت‭ ‬حكومة‭ ‬مودي‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬اعتماد‭ ‬الهند‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬فاتجهت‭ ‬أولًا‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬ودول‭ ‬غرب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬فضّلت‭ ‬خام‭ ‬الأورال‭ ‬الروسي‭ ‬الأرخص،‭ ‬لترتفع‭ ‬حصته‭ ‬من‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬1‭% ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬40‭% ‬من‭ ‬واردات‭ ‬النفط‭ ‬الهندية،‭ ‬والآن‭ ‬تلوّح‭ ‬الهند‭ ‬بالتوجّه‭ ‬نحو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭.‬

شراكات‭ ‬استراتيجية‭:‬‭ ‬وقّعت‭ ‬الهند‭ ‬اتفاقيات‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬الرئيسية،‭ ‬منحت‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬مودي‭ ‬أعلى‭ ‬أوسمتها‭ ‬المدنية،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬رمزية‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الاصطفاف‭ ‬الجديد‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭.‬

  ‬إسرائيل‭ ‬والتحوّل‭ ‬الهندي‭-‬الإبراهيمي

كان‭ ‬التحوّل‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬تجاه‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬هو‭ ‬الانفتاح‭ ‬العلني‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحذر‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬توسعًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الدفاع‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والاستخبارات‭ ‬ومكافحة‭ ‬الإرهاب‭. ‬وقدّمت‭ ‬إسرائيل‭ ‬دعمًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬للهند‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬كارغيل‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬وفي‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬ضد‭ ‬باكستان،‭ ‬بينما‭ ‬ردّت‭ ‬الهند‭ ‬بالمثل‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬سياسي‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬خلال‭ ‬صراعات‭ ‬غزة‭.‬

يتناغم‭ ‬التوجّه‭ ‬الهندي‭ ‬المؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬مع‭ ‬شراكتها‭ ‬المتنامية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إذ‭ ‬ترى‭ ‬نيودلهي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬تل‭ ‬أبيب‮»‬‭.‬

‭ ‬وتشمل‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون‭ ‬الحالية‭ ‬الزراعة‭ ‬والمياه‭ ‬والصحة‭ ‬والدفاع‭ ‬والروبوتات‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬الفورية،‭ ‬كما‭ ‬تنظر‭ ‬الهند‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بحكم‭ ‬علاقاتها‭ ‬القوية‭ ‬مع‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬باعتبارها‭ ‬جسرًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬ضمن‭ ‬رؤيتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬الجديدة‭.‬

وقد‭ ‬تجسّد‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬في‭ ‬مبادرتين‭ ‬محوريتين‭: ‬تحالفI2U2 ‭(‬الهند‭-‬إسرائيل‭-‬الولايات‭ ‬المتحدة‭-‬الإمارات‭) ‬وممر‭ ‬IMEC‭ (‬الهند‭-‬الشرق‭ ‬الأوسط‭-‬أوروبا‭) ‬اللذان‭ ‬أُعلنا‭ ‬خلال‭ ‬قمة‭ ‬مجموعة‭ ‬العشرين‭ ‬عام‭ ‬2023‭.‬

يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬I2U2‭ ‬بوصفه‭ ‬نسخة‭ ‬مصغّرة‭ ‬من‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬كواد‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬يُعدّ‭ ‬ممر‭ ‬IMEC‭ ‬مبادرة‭ ‬موازية‭ ‬أو‭ ‬مضادة‭ ‬لمشروع‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬الصيني‭. ‬

ومع‭ ‬اقتران‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬بـتحالف‭ ‬كواد‭ ‬للمحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ،‭ ‬بدأت‭ ‬نيودلهي‭ ‬تتبنى‭ ‬رؤية‭ ‬جيوسياسية‭ ‬شاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬سياسة‭ ‬الأرجل‭ ‬الثنائية،‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬معًا،‭ ‬لتجعل‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬شريكًا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬ولواشنطن‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر،‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الآخذ‭ ‬في‭ ‬التشكل‭.‬

  ‬التحديات‭ ‬في‭ ‬الولاية‭ ‬الثالثة‭ ‬لمودي

رغم‭ ‬النجاحات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬فإن‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أربكت‭ ‬مسارها‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬آسيا،‭ ‬فقد‭ ‬أسفر‭ ‬التقارب‭ ‬السعودي‭-‬الإيراني،‭ ‬الذي‭ ‬توسطت‭ ‬فيه‭ ‬الصين،‭ ‬عن‭ ‬توسيع‭ ‬نفوذ‭ ‬بكين‭ ‬الإقليمي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬النفوذ‭ ‬الهندي،‭ ‬كما‭ ‬أدت‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬المرتفعة،‭ ‬وتداعيات‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬والضغوط‭ ‬الأميركية‭ ‬لخفض‭ ‬واردات‭ ‬النفط‭ ‬الروسي،‭ ‬إلى‭ ‬توترٍ‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الهندية‭-‬الأميركية‭.‬

وزادت‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬المشهد‭ ‬تعقيدًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنيودلهي،‭ ‬إذ‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬موازنة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والكتلة‭ ‬العربية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬أسهمت‭ ‬عودة‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الهندي‭-‬الباكستاني‭ ‬عبر‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬سندور‮»‬،‭ ‬والهجوم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬قطر،‭ ‬ومعاهدة‭ ‬الدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وباكستان،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاصطفافات‭ ‬الإقليمية‭. ‬

كما‭ ‬زادت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الإيرانية‭ ‬تجاه‭ ‬محور‭ ‬إسرائيل‭-‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الاضطراب،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬سياسة‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التخبّط‭ ‬والتجريب‭.‬

ومن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬مودي‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬اجتماع‭ ‬شرم‭ ‬الشيخ‭ ‬للسلام‭ ‬بشأن‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬لإنهاء‭ ‬الصراع،‭ ‬مكتفيًا‭ ‬بتغريدة‭ ‬دعمٍ‭ ‬بدل‭ ‬المشاركة‭ ‬المباشرة،‭ ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬الهند‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة‭.‬

وخلاصة‭ ‬القول،‭ ‬تبدو‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬ولايتها‭ ‬الثالثة‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬مودي‭ ‬غير‭ ‬واثقة‭ ‬تمامًا‭ ‬من‭ ‬موقعها‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬غرب‭ ‬آسيا،‭ ‬فـالأيديولوجيا‭ ‬والثقافة‭ ‬والقوة‭ ‬الناعمة‭ ‬تظل‭ ‬أدوات‭ ‬لبناء‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬لا‭ ‬غايات‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬ويُجسّد‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬التقارب‭ ‬المثير‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وحكومة‭ ‬طالبان،‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬براغماتية‭ ‬مفرطة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأطر‭ ‬التقليدية‭ ‬للسياسة‭ ‬الهندية‭.‬

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى