«كيــــف يــــــرى الخليـــج طمــــوح إيـــــران النــووي؟
أمجد جبريل حسان- باحث مختص في الشؤون الإقليمية والدولية
بعد توقف العدوان الإسرائيلي على إيران، استمرت الخلافات الأميركية الإيرانية حول ثلاثة محاور رئيسية: تخصيب اليورانيوم، البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، وسياسات طهران الإقليمية، وقد برز في عهد ترامب تصاعُدُ التنسيق الأميركي الإسرائيلي ضد إيران كعامل محوري في تحديد مصير الملف النووي ومستقبل موازين القوى والرتب الإقليمية.
وهذا يطرح سؤالًا أساسيًا حول مدى ارتباط الجولة الأولى من الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران (13-24 يونيو/حزيران 2025) بطبيعة سياسات واشنطن وتل أبيب، وإمكانية تحول إيران إلى ساحة/مختبر لإعادة هندسة الإقليم أو لتفكيك بعض دوله المركزية عن طريق إضعافها إلى أقصى حدّ لمنع ظهور تهديد مستقبلي للمصالح الأميركية ، وهو ما يعيد إلى الذاكرة سياسات جورج بوش الابن أثناء احتلال العراق ربيع 2003 وما تلاها من تفكيك للدولة والجيش العراقيين.
وعلى الرغم من أن أيًّا من الدول الخليجية لم تشارك في الحرب على إيران، فإن تداعياتها مرشّحة لأن تؤثر بعمق في مسار العلاقات الخليجية الإيرانية، سواء باتجاه التقارب أو التباعد في المدى المنظور، ويُبرز ذلك مجددًا الدور الأميركي وتأثيره الحاسم في هذه العلاقات، بوصفه «الطرف الثالث» شبه المهيمن على تفاعلات المنطقة عمومًا.
وفي سياق تقييم مواقف دول الخليج وسياساتها تجاه البرنامج النووي الإيراني بعد الحرب، وتحليل أدوارها المحتملة في التأثير على السياسات الأميركية والإسرائيلية والأوروبية تجاه إيران ومنطقة الخليج والشرق الأوسط ككل، يمكن رصد ثلاث ملاحظات متداخلة. أولى هذه الملاحظات غياب رؤية خليجية موحّدة، سواء بشأن البرنامج النووي الإيراني أو غيره من الملفات الإقليمية، وهو ما يعكس تراجع تماسك مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما بعد أزمة حصار قطر (2017-2020). فقد بات واضحًا تآكل التأثير الخليجي (مع استثناء جزئي للسعودية) في مجريات الأحداث داخل الخليج العربي والمنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط عمومًا، فضلًا عن محدودية هذا التأثير في تفاعلات النظام الدولي الأوسع.
في هذا السياق، تبرز مسألتان أساسيتان أولاهما، غياب مشروع إقليمي خليجي طويل المدى، وتضارب الأولويات والرؤى في السياسات الخليجية تجاه إيران وإسرائيل وسائر القوى الإقليمية، إلى جانب المبالغة في الرهان على الأداتين الدبلوماسية والاقتصادية، وهو ما يثير تساؤلاتٍ حول حدود فعاليتهما في ظل غياب استراتيجية خليجية - عربية – إقليمية متكاملة الأركان.
أما المسألة الثانية، فتتعلق بإمكانية تهدئة التوترات الخليجية الإيرانية عبر المساعي الدبلوماسية، خصوصًا الجهود القطرية والعُمانية، الهادفة إلى خفض نبرة الخطاب العدائي وتشجيع مبادرات التعاون الاقتصادي، ولا سيما إذا حظيت بدعم دولي، كما حدث في الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين (10 مارس/آذار 2023).
ومع ذلك، فإن انفتاح آفاق التعاون العربي الإيراني، وصولًا إلى إقامة «شراكة استراتيجية»، بل وتطوير منظومة أمنٍ إقليميٍ مستقلّة تجمع العرب والأتراك والإيرانيين، يبقى رهينًا بتغييراتٍ جذرية في السياسات الأميركية والإسرائيلية التي لا تزال تشكّل العائق الأكبر أمام هذا المسار.
تتعلق الملاحظة الثانية بأن الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران أضافت عوامل جديدة من شأنها تعزيز محركات الصراع الإقليمي ضمن النظام الخليجي الواسع (الذي يضم دول مجلس التعاون الست، إلى جانب العراق وإيران)، وذلك بالتوازي مع استمرار المعضلة الأمنية (Security Dilemma) في نظامٍ إقليمي يتسم بدرجة عالية من التنافس وتشابك المصالح مع النظام الدولي، ولا سيما في هذه المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان الدولي والإقليمي.
وكشفت الحرب أيضًا عن عمق التشابك بين مسارح الصراعات الدولية والإقليمية، نتيجة تصاعد المواجهة بين السياسات الأميركية الإسرائيلية الأوروبية من جهة، والسياسات الروسية الصينيةالإيرانية من جهة أخرى.
وهذا يعني عمليًا صعوبة فصل أي أزمة إقليمية عن السياق العالمي الأوسع؛ إذ لا يمكن – أو يكاد يستحيل – تسوية الأزمة الأوكرانية مثلًا بمعزل عن معالجة المخاوف الروسية والصينية والإيرانية من طبيعة السياسات الغربية، كما يصعب بدوره فصل ملفات الشرق الأوسط المعقدة (كالأزمة النووية الإيرانية، وتصاعد الصراع الإسرائيلي الإيراني، ووقف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، والاعتداءات الإسرائيلية في المشرق العربي، خصوصًا في سورية ولبنان، وتطورات البحر الأحمر ودور الحوثيين في دعم الشعب الفلسطيني المحاصر، وغيرها).
والمغزى هنا أن دول الخليج لا تستطيع التعامل مع الملف النووي الإيراني بمعزل عن هذه السياقات الإقليمية والدولية المتداخلة، فقد أظهر العدوان الإسرائيلي على إيران (يونيو/حزيران 2025) بوضوح أن الخطر الحقيقي الذي يتهدّد منطقة الخليج والشرق الأوسط ليس البرنامج النووي الإيراني بحد ذاته، بل السياسات العدوانية لليمين الإسرائيلي المتطرف المدعوم أميركيًا. والأرجح أن تفضي هذه السياسات إلى إدخال المنطقة في «سيناريو الفوضى الشاملة»، بما في ذلك احتمال انتشار البرامج النووية السلمية، وتحول بعضها إلى برامج عسكرية، طالما أن المنظور الواقعي في العلاقات الدولية يجعل من الصعب استمرار الاحتكار النووي الإسرائيلي في المنطقة، واستمرار تعريف إسرائيل لأمنها بوصفه «أمنًا مطلقًا» يتحقق فقط على حساب أمن جيرانها العرب والإيرانيين والأتراك، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يدفع ثمن هذا الاختلال الاستراتيجي.
كما يُعَدّ الاستهداف الإسرائيلي للعاصمة القطرية الدوحة (9 سبتمبر/أيلول 2025) دليلًا إضافيًا على حقيقة التهديد الإسرائيلي – المدعوم أميركيًا – لإقليم الشرق الأوسط بأسره، بما في ذلك الدول الحليفة لواشنطن.
فقد أصبح من الصعب إنكار تصاعد مستوى استباحة إسرائيل للإقليم برمّته، في محاولة للهروب من أزماتها الداخلية ومن المأزق الاستراتيجي المتفاقم مع الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة في غزة.
ويُفسَّر هذا السلوك في إطار ما يمكن تسميته بـ«سياسة التأزيم»، أي تصدير الأزمات الإسرائيلية الداخلية إلى الخارج، وهو ما يعكس مسارين خطيرين في السلوك السياسي الإسرائيلي أولهما، التحولات الأيديولوجية العميقة في الفكر الصهيوني نتيجة صعود تيار «الصهيونية الجديدة» وتأثره بأفكار زئيف جابوتنسكي حول «الصهيونية التصحيحية»، وما أفرزته من سياسات توسعية وعدوانية تجاه الفلسطينيين والمنطقة عمومًا. وهذا التحول يعني عمليًا نهاية خيار «حل الدولتين»، وتراجع إسرائيل عن أي مسار تفاوضي أو تسووي، بل واتجاهها نحو توسيع نطاق عدوانها ليشمل لبنان وسورية واليمن وإيران، وربما العراق ودولًا أخرى في المدى المنظور.
أما المسار الثاني، فيتمثل في تصاعد النزعات الانتقامية والقبلية واللاعقلانية داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، واستثمارها لتداعيات المرحلة الانتقالية التي يعيشها النظامان الدولي والإقليمي في ظل الحرب الروسية الأوكرانية (منذ 24 فبراير/شباط 2022) وحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة (منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023)، بما يكرّس نهجًا عدوانيًا يصعب التكهن بعواقبه على أمن واستقرار المنطقة.
أما الملاحظة الثالثة تتعلق بأنّ الملف النووي الإيراني أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، ومقياسًا للتحولات الجارية في موازين القوى الدولية والإقليمية، ولا سيما في سياسات الصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي، حيث تزداد أهمية هذا الملف في ظلّ سعي الرئيس ترامب لتحقيق إنجازات دبلوماسية في سياسته الخارجية، تُؤهّله لتسجيل مكاسب سياسية وربما نيل جائزة نوبل للسلام.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة اضطلعت، لعقود طويلة، بدور الضامن الرئيس لأمن دول مجلس التعاون الخليجي، والحليف الدولي الأوثق لهذه الدول، فإن صورتها وهيبتها في الشرق الأوسط باتتا تخضعان لاختبارٍ قاسٍ، خصوصًا بعد مناسبتين بارزتين: الأولى امتناع واشنطن عن الدفاع عن السعودية خلال استهداف منشآت شركة «أرامكو» في بقيق وهجرة خريص (14 سبتمبر/أيلول 2019)، والثانية الاستهداف الإسرائيلي لدولة قطر بسبب دورها الوسيط في حرب غزة المستمرة منذ عامين.
ورغم استمرار امتلاك واشنطن أدوات نفوذ متعددة في المنطقة سواء من خلال القوة العسكرية الإسرائيلية، أو العقوبات الاقتصادية الأوروبية، أو عبر وكالة الطاقة الذرية الدولية وتقاريرها فإن الدبلوماسية الإيرانية ما زالت تمتلك أوراق قوة مؤثرة يمكن توظيفها في اتجاه إنشاء «منظومة أمن إقليمي جماعي» تضم العرب والأتراك والإيرانيين، وتستند إلى ركيزتين أساسيتين: دعم القضية الفلسطينية وحقوق شعبها، وعزل إسرائيل ومحاسبتها على ممارساتها العدوانية، بدلًا من توسيع مسارات التطبيع العربي والإقليمي معها، كما ظهر جليًّا بعد توقيع اتفاقات إبراهام (2020).
وفي كل الأحوال، فإن الرغبة العربية والتركية والإيرانية في استقرار إقليم الشرق الأوسط وازدهاره، لن تعني حلًا سريعًا للخلافات العالقة مع واشنطن، ولا جَسرًا لفجوة عدم الثقة المتبادلة، وعلى الرغم من أهمية الأداة الدبلوماسية (وأدوات القوة الناعمة الأخرى)، في العمل على توسيع الهوة بين موقف الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) وبين الموقف الأميركي، منعًا لحدوث تكتل أميركي/أوروبي/إسرائيلي، يمارس ضغوطًا أكبر على إقليم الشرق الأوسط، فلا مناص من تكثيف التعاون الإقليمي (العربي التركي الإيراني) وتوظيف أوراق ضغط لإحداث تغير في السياق الدولي (الأميركي/الإسرائيلي أساسًا)، الذي يعيق إنشاء علاقات إقليمية صحية وفاعلة في إقليم الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من احتمال أن يكون «التغوّل الإسرائيلي» في المنطقة، بداية الانحدار نحو «سيناريو الفوضى الإقليمي»، في ظل الدعم الأميركي اللا محدود، فإنه يبقى محتملًا أن تنجح الدول الإقليمية الكبرى، خصوصًا تركيا وإيران ومصر والسعودية، في تحسين العلاقات الإقليمية، وإعادة رص صفوفها، والعمل لسد الثغرات الدفاعية والأمنية والاستخبارية، علمًا بأن أسلوب الرئيس ترامب وتناقض سياساته وإصراره على سياسة تهجير الفلسطينيين واستعادة «الحل الإقليمي» (أو اتفاقات إبراهام) وتهميش قضية فلسطين، قد يفضي إلى إخفاق واشنطن في إعادة بناء «الشرق الأوسط الجديد» على نحو يحقق المصالح الأميركية والإسرائيلية، ما يفتح الباب أمام سيناريو إيجابي يتمثل في نجاح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط في تحقيق قدر أعلى من «التماسك» و»الاستقلالية النسبية» عن واشنطن، وهو ما يمكن أن يتعزز في حال نجاح صمود المقاومة الفلسطينية في تحريك أنماط من الحراك الشعبي العربي، التي تعيد للأمة العربية وزنها، وتزيد احتمالات التقارب العربي مع تركيا وإيران، لإعادة بناء «منظومة أمن إقليمي جماعي» في المنطقة، تكون قائمة على «عزل» إسرائيل ومواجهة سياساتها التخريبية، كما سلف القول.
يبقى القول إن المبالغة الخليجية في تعظيم مخاطر البرنامج النووي الإيراني، أو تعريف الخلافات الخليجية الإيرانية بوصفها «نزاعًا صفريًا» (Zero- Sum Game)، ليست مفيدة خليجيًّا ولا عربيًّا ولا إقليميًّا، خصوصًا مع وضوح أمرين؛ أحدهما تصاعد «التهديد الاستراتيجي الإسرائيلي» لكل دول إقليم الشرق الأوسط، بما يشمل إيران وتركيا ومصر.
والآخر استمرار الاحتكار النووي الإسرائيلي، الذي يعكس «حالة استثنائية» تكشف طبيعة السياسات الدولية، خصوصًا الأميركية، تجاه المنطقة، وفي قلبها القضية الفلسطينية، التي تتعرض لخطر التصفية، التي ستكون مقدمة لتفكيك الكيانات العربية والإقليمية وإضعافها، خدمةً لاستمرار هيمنة المشروع الأميركي الإسرائيلي على الإقليم. .

