مقابلات

«كيــــف يــــــرى الخليـــج طمــــوح إيـــــران النــووي؟

أمجد جبريل حسان- باحث مختص في الشؤون الإقليمية والدولية

بعد‭ ‬توقف‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬استمرت‭ ‬الخلافات‭ ‬الأميركية‭ ‬الإيرانية‭ ‬حول‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭: ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم،‭ ‬البرنامج‭ ‬الصاروخي‭ ‬الباليستي‭ ‬الإيراني،‭ ‬وسياسات‭ ‬طهران‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬تصاعُدُ‭ ‬التنسيق‭ ‬الأميركي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬كعامل‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مصير‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬ومستقبل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬والرتب‭ ‬الإقليمية‭. ‬

وهذا‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬ارتباط‭ ‬الجولة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ (‬13-24‭ ‬يونيو‭/‬حزيران‭ ‬2025‭) ‬بطبيعة‭ ‬سياسات‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب،‭ ‬وإمكانية‭ ‬تحول‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭/‬مختبر‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الإقليم‭ ‬أو‭ ‬لتفكيك‭ ‬بعض‭ ‬دوله‭ ‬المركزية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إضعافها‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حدّ‭ ‬لمنع‭ ‬ظهور‭ ‬تهديد‭ ‬مستقبلي‭ ‬للمصالح‭ ‬الأميركية‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬سياسات‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬أثناء‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬ربيع‭ ‬2003‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬للدولة‭ ‬والجيش‭ ‬العراقيين‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أيًّا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬فإن‭ ‬تداعياتها‭ ‬مرشّحة‭ ‬لأن‭ ‬تؤثر‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬سواء‭ ‬باتجاه‭ ‬التقارب‭ ‬أو‭ ‬التباعد‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور،‭ ‬ويُبرز‭ ‬ذلك‭ ‬مجددًا‭ ‬الدور‭ ‬الأميركي‭ ‬وتأثيره‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات،‭ ‬بوصفه‭ ‬‮«‬الطرف‭ ‬الثالث‮»‬‭ ‬شبه‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬تفاعلات‭ ‬المنطقة‭ ‬عمومًا‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬تقييم‭ ‬مواقف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وسياساتها‭ ‬تجاه‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬وتحليل‭ ‬أدوارها‭ ‬المحتملة‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬الأميركية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬والأوروبية‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭ ‬ومنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ككل،‭ ‬يمكن‭ ‬رصد‭ ‬ثلاث‭ ‬ملاحظات‭ ‬متداخلة‭. ‬أولى‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظات‭ ‬غياب‭ ‬رؤية‭ ‬خليجية‭ ‬موحّدة،‭ ‬سواء‭ ‬بشأن‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تراجع‭ ‬تماسك‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬حصار‭ ‬قطر‭ (‬2017-2020‭). ‬فقد‭ ‬بات‭ ‬واضحًا‭ ‬تآكل‭ ‬التأثير‭ ‬الخليجي‭ (‬مع‭ ‬استثناء‭ ‬جزئي‭ ‬للسعودية‭) ‬في‭ ‬مجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬داخل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وإقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عمومًا،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬تفاعلات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الأوسع‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬مسألتان‭ ‬أساسيتان‭ ‬أولاهما،‭ ‬غياب‭ ‬مشروع‭ ‬إقليمي‭ ‬خليجي‭ ‬طويل‭ ‬المدى،‭ ‬وتضارب‭ ‬الأولويات‭ ‬والرؤى‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الخليجية‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وسائر‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الأداتين‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلاتٍ‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬فعاليتهما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجية‭ ‬خليجية ‭- ‬عربية‭ – ‬إقليمية‭ ‬متكاملة‭ ‬الأركان‭.‬

أما‭ ‬المسألة‭ ‬الثانية،‭ ‬فتتعلق‭ ‬بإمكانية‭ ‬تهدئة‭ ‬التوترات‭ ‬الخليجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬عبر‭ ‬المساعي‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الجهود‭ ‬القطرية‭ ‬والعُمانية،‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬نبرة‭ ‬الخطاب‭ ‬العدائي‭ ‬وتشجيع‭ ‬مبادرات‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬حظيت‭ ‬بدعم‭ ‬دولي،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬السعودي‭ ‬الإيراني‭ ‬برعاية‭ ‬الصين‭ (‬10‭ ‬مارس‭/‬آذار‭ ‬2023‭). ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬انفتاح‭ ‬آفاق‭ ‬التعاون‭ ‬العربي‭ ‬الإيراني،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬‮«‬شراكة‭ ‬استراتيجية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬وتطوير‭ ‬منظومة‭ ‬أمنٍ‭ ‬إقليميٍ‭ ‬مستقلّة‭ ‬تجمع‭ ‬العرب‭ ‬والأتراك‭ ‬والإيرانيين،‭ ‬يبقى‭ ‬رهينًا‭ ‬بتغييراتٍ‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الأميركية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكّل‭ ‬العائق‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭.‬

تتعلق‭ ‬الملاحظة‭ ‬الثانية‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬أضافت‭ ‬عوامل‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تعزيز‭ ‬محركات‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬ضمن‭ ‬النظام‭ ‬الخليجي‭ ‬الواسع‭ (‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الست،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العراق‭ ‬وإيران‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬المعضلة‭ ‬الأمنية‭ (‬Security Dilemma‭) ‬في‭ ‬نظامٍ‭ ‬إقليمي‭ ‬يتسم‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬وتشابك‭ ‬المصالح‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬يمرّ‭ ‬بها‭ ‬النظامان‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي‭.‬

وكشفت‭ ‬الحرب‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬التشابك‭ ‬بين‭ ‬مسارح‭ ‬الصراعات‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬نتيجة‭ ‬تصاعد‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬السياسات‭ ‬الأميركية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والسياسات‭ ‬الروسية‭ ‬الصينيةالإيرانية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬عمليًا‭ ‬صعوبة‭ ‬فصل‭ ‬أي‭ ‬أزمة‭ ‬إقليمية‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬العالمي‭ ‬الأوسع؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ – ‬أو‭ ‬يكاد‭ ‬يستحيل‭ – ‬تسوية‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬مثلًا‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬معالجة‭ ‬المخاوف‭ ‬الروسية‭ ‬والصينية‭ ‬والإيرانية‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬السياسات‭ ‬الغربية،‭ ‬كما‭ ‬يصعب‭ ‬بدوره‭ ‬فصل‭ ‬ملفات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬المعقدة‭ (‬كالأزمة‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الصراع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الإيراني،‭ ‬ووقف‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬والاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬ولبنان،‭ ‬وتطورات‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ودور‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المحاصر،‭ ‬وغيرها‭).‬

والمغزى‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السياقات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬المتداخلة،‭ ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إيران‭ (‬يونيو‭/‬حزيران‭ ‬2025‭) ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يتهدّد‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليس‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬السياسات‭ ‬العدوانية‭ ‬لليمين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتطرف‭ ‬المدعوم‭ ‬أميركيًا‭. ‬والأرجح‭ ‬أن‭ ‬تفضي‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬إلى‭ ‬إدخال‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬‮«‬سيناريو‭ ‬الفوضى‭ ‬الشاملة‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬احتمال‭ ‬انتشار‭ ‬البرامج‭ ‬النووية‭ ‬السلمية،‭ ‬وتحول‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬عسكرية،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬المنظور‭ ‬الواقعي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتكار‭ ‬النووي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬واستمرار‭ ‬تعريف‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأمنها‭ ‬بوصفه‭ ‬‮«‬أمنًا‭ ‬مطلقًا‮»‬‭ ‬يتحقق‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمن‭ ‬جيرانها‭ ‬العرب‭ ‬والإيرانيين‭ ‬والأتراك،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

كما‭ ‬يُعَدّ‭ ‬الاستهداف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للعاصمة‭ ‬القطرية‭ ‬الدوحة‭ (‬9‭ ‬سبتمبر‭/‬أيلول‭ ‬2025‭) ‬دليلًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬التهديد‭ ‬الإسرائيلي‭ – ‬المدعوم‭ ‬أميركيًا‭ – ‬لإقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بأسره،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭ ‬لواشنطن‭.‬

فقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬إنكار‭ ‬تصاعد‭ ‬مستوى‭ ‬استباحة‭ ‬إسرائيل‭ ‬للإقليم‭ ‬برمّته،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬أزماتها‭ ‬الداخلية‭ ‬ومن‭ ‬المأزق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المتفاقم‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وقوى‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬

ويُفسَّر‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ«سياسة‭ ‬التأزيم‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬تصدير‭ ‬الأزمات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬مسارين‭ ‬خطيرين‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أولهما،‭ ‬التحولات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الصهيوني‭ ‬نتيجة‭ ‬صعود‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬الصهيونية‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬وتأثره‭ ‬بأفكار‭ ‬زئيف‭ ‬جابوتنسكي‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الصهيونية‭ ‬التصحيحية‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬أفرزته‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬توسعية‭ ‬وعدوانية‭ ‬تجاه‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والمنطقة‭ ‬عمومًا‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬يعني‭ ‬عمليًا‭ ‬نهاية‭ ‬خيار‭ ‬‮«‬حل‭ ‬الدولتين‮»‬،‭ ‬وتراجع‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مسار‭ ‬تفاوضي‭ ‬أو‭ ‬تسووي،‭ ‬بل‭ ‬واتجاهها‭ ‬نحو‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬عدوانها‭ ‬ليشمل‭ ‬لبنان‭ ‬وسورية‭ ‬واليمن‭ ‬وإيران،‭ ‬وربما‭ ‬العراق‭ ‬ودولًا‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور‭.‬

أما‭ ‬المسار‭ ‬الثاني،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعات‭ ‬الانتقامية‭ ‬والقبلية‭ ‬واللاعقلانية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬السياسية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬واستثمارها‭ ‬لتداعيات‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬النظامان‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ (‬منذ‭ ‬24‭ ‬فبراير‭/‬شباط‭ ‬2022‭) ‬وحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ (‬منذ‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭/‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬2023‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬يكرّس‭ ‬نهجًا‭ ‬عدوانيًا‭ ‬يصعب‭ ‬التكهن‭ ‬بعواقبه‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬المنطقة‭.‬

أما‭ ‬الملاحظة‭ ‬الثالثة‭ ‬تتعلق‭ ‬بأنّ‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬أصبح‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لمدى‭ ‬النفوذ‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ومقياسًا‭ ‬للتحولات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬والهند‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬حيث‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬سعي‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬لتحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬في‭ ‬سياسته‭ ‬الخارجية،‭ ‬تُؤهّله‭ ‬لتسجيل‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬وربما‭ ‬نيل‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬اضطلعت،‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬بدور‭ ‬الضامن‭ ‬الرئيس‭ ‬لأمن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬والحليف‭ ‬الدولي‭ ‬الأوثق‭ ‬لهذه‭ ‬الدول،‭ ‬فإن‭ ‬صورتها‭ ‬وهيبتها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬باتتا‭ ‬تخضعان‭ ‬لاختبارٍ‭ ‬قاسٍ،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬مناسبتين‭ ‬بارزتين‭: ‬الأولى‭ ‬امتناع‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السعودية‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬منشآت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أرامكو‮»‬‭ ‬في‭ ‬بقيق‭ ‬وهجرة‭ ‬خريص‭ (‬14‭ ‬سبتمبر‭/‬أيلول‭ ‬2019‭)‬،‭ ‬والثانية‭ ‬الاستهداف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لدولة‭ ‬قطر‭ ‬بسبب‭ ‬دورها‭ ‬الوسيط‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬المستمرة‭ ‬منذ‭ ‬عامين‭. ‬

ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬امتلاك‭ ‬واشنطن‭ ‬أدوات‭ ‬نفوذ‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬أو‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬الدولية‭ ‬وتقاريرها‭ ‬فإن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تمتلك‭ ‬أوراق‭ ‬قوة‭ ‬مؤثرة‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬منظومة‭ ‬أمن‭ ‬إقليمي‭ ‬جماعي‮»‬‭ ‬تضم‭ ‬العرب‭ ‬والأتراك‭ ‬والإيرانيين،‭ ‬وتستند‭ ‬إلى‭ ‬ركيزتين‭ ‬أساسيتين‭: ‬دعم‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وحقوق‭ ‬شعبها،‭ ‬وعزل‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومحاسبتها‭ ‬على‭ ‬ممارساتها‭ ‬العدوانية،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬مسارات‭ ‬التطبيع‭ ‬العربي‭ ‬والإقليمي‭ ‬معها،‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬جليًّا‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقات‭ ‬إبراهام‭ (‬2020‭). ‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬فإن‭ ‬الرغبة‭ ‬العربية‭ ‬والتركية‭ ‬والإيرانية‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬إقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وازدهاره،‭ ‬لن‭ ‬تعني‭ ‬حلًا‭ ‬سريعًا‭ ‬للخلافات‭ ‬العالقة‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬ولا‭ ‬جَسرًا‭ ‬لفجوة‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬الأداة‭ ‬الدبلوماسية‭ (‬وأدوات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬الأخرى‭)‬،‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬موقف‭ ‬الترويكا‭ ‬الأوروبية‭ (‬فرنسا،‭ ‬بريطانيا،‭ ‬ألمانيا‭) ‬وبين‭ ‬الموقف‭ ‬الأميركي،‭ ‬منعًا‭ ‬لحدوث‭ ‬تكتل‭ ‬أميركي‭/‬أوروبي‭/‬إسرائيلي،‭ ‬يمارس‭ ‬ضغوطًا‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬إقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬فلا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬تكثيف‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ (‬العربي‭ ‬التركي‭ ‬الإيراني‭) ‬وتوظيف‭ ‬أوراق‭ ‬ضغط‭ ‬لإحداث‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الدولي‭ (‬الأميركي‭/‬الإسرائيلي‭ ‬أساسًا‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعيق‭ ‬إنشاء‭ ‬علاقات‭ ‬إقليمية‭ ‬صحية‭ ‬وفاعلة‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬التغوّل‭ ‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بداية‭ ‬الانحدار‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬سيناريو‭ ‬الفوضى‭ ‬الإقليمي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الدعم‭ ‬الأميركي‭ ‬اللا‭ ‬محدود،‭ ‬فإنه‭ ‬يبقى‭ ‬محتملًا‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية‭ ‬الكبرى،‭ ‬خصوصًا‭ ‬تركيا‭ ‬وإيران‭ ‬ومصر‭ ‬والسعودية،‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وإعادة‭ ‬رص‭ ‬صفوفها،‭ ‬والعمل‭ ‬لسد‭ ‬الثغرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والأمنية‭ ‬والاستخبارية،‭ ‬علمًا‭ ‬بأن‭ ‬أسلوب‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬وتناقض‭ ‬سياساته‭ ‬وإصراره‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬تهجير‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬واستعادة‭ ‬‮«‬الحل‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ (‬أو‭ ‬اتفاقات‭ ‬إبراهام‭) ‬وتهميش‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين،‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬إخفاق‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يحقق‭ ‬المصالح‭ ‬الأميركية‭ ‬والإسرائيلية،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سيناريو‭ ‬إيجابي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬‮«‬التماسك‮»‬‭ ‬و»الاستقلالية‭ ‬النسبية‮»‬‭ ‬عن‭ ‬واشنطن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتعزز‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬نجاح‭ ‬صمود‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬أنماط‭ ‬من‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬العربي،‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬للأمة‭ ‬العربية‭ ‬وزنها،‭ ‬وتزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬التقارب‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬وإيران،‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬منظومة‭ ‬أمن‭ ‬إقليمي‭ ‬جماعي‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬تكون‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬‮«‬عزل‮»‬‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومواجهة‭ ‬سياساتها‭ ‬التخريبية،‭ ‬كما‭ ‬سلف‭ ‬القول‭.‬

يبقى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المبالغة‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬مخاطر‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني،‭ ‬أو‭ ‬تعريف‭ ‬الخلافات‭ ‬الخليجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بوصفها‭ ‬‮«‬نزاعًا‭ ‬صفريًا‮»‬‭ (‬Zero- Sum Game‭)‬،‭ ‬ليست‭ ‬مفيدة‭ ‬خليجيًّا‭ ‬ولا‭ ‬عربيًّا‭ ‬ولا‭ ‬إقليميًّا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬وضوح‭ ‬أمرين؛‭ ‬أحدهما‭ ‬تصاعد‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬لكل‭ ‬دول‭ ‬إقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬ومصر‭. ‬

والآخر‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتكار‭ ‬النووي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬استثنائية‮»‬‭ ‬تكشف‭ ‬طبيعة‭ ‬السياسات‭ ‬الدولية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الأميركية،‭ ‬تجاه‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬قلبها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬لخطر‭ ‬التصفية،‭ ‬التي‭ ‬ستكون‭ ‬مقدمة‭ ‬لتفكيك‭ ‬الكيانات‭ ‬العربية‭ ‬والإقليمية‭ ‬وإضعافها،‭ ‬خدمةً‭ ‬لاستمرار‭ ‬هيمنة‭ ‬المشروع‭ ‬الأميركي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬الإقليم‭. ‬‭.‬

أمجد جبريل حسان

باحث مختص في الشؤون الإقليمية والدولية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى