هل يشكل المحور الصيني الباكستاني مخرجاً لإيران من أزمتها؟
د. محمد مكرم بلعاوي - رئيس منتدى آسيا والشرق الأوسط
في أعقاب واحدة من أكثر جولات التصعيد حساسية بين إيران وإسرائيل، والتي انتهت بوقف لإطلاق النار في 24 يونيو/حزيران 2025، بات الشرق الأوسط أمام لحظة انتقالية تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات الإقليمية.
العدوان الإسرائيلي الواسع، والرد الإيراني غير المسبوق، ثم انخراط الولايات المتحدة في ضرب منشآت نووية داخل إيران، شكّلوا جميعاً مشهداً بالغ التعقيد، تجاوز ثنائي المواجهة ليتمدّد إلى حسابات قوى إقليمية ودولية أكبر.
وفي قلب هذا المشهد، برزت دولتان بطريقتين مختلفتين: باكستان التي تبحث عن توازن صعب بين الضغوط الإقليمية والالتزامات الاستراتيجية، والصين التي تتحرك لتثبيت نفوذها في غرب آسيا.
هذا التداخل بين حسابات إسلام آباد وبكين لا يعكس فقط تعقيدات اللحظة السياسية، بل يكشف أيضًا عن عمق التحولات التي أحدثها التصعيد الإيراني-الإسرائيلي في النظام الإقليمي، وتداعياته على دول تسعى إلى حماية مصالحها دون أن تنجرّ إلى اصطفافات حادة.
تجد باكستان نفسها في قلب الموجة الارتدادية للتصعيد الإيراني-الإسرائيلي، بحكم موقعها الجيوسياسي وحدودها الطويلة مع إيران، فضلًا عن كونها قوة نووية تعتمد بدرجة كبيرة على شبكة معقدة من التحالفات المتقاطعة مع الخليج والغرب والصين.
هذا التموضع يجعل أي خطوة تتخذها إسلام آباد عرضة للتأويل، فالصمت يُقرأ كاصطفاف، والحياد يبدو شبه مستحيل، والانحياز الصريح قد يفتح عليها أبواب أزمات اقتصادية وسياسية، فهي ليست مجرد جار لإيران، بل دولة تعيش بين ضغوط داخلية خانقة ومتغيرات خارجية حادة، ما يجعل كل قرار مرتبط بالأزمة الحالية قرارًا استراتيجيًا عالي المخاطر، يهدد بتأجيج حساسيات طائفية في الداخل، أو توتير علاقاتها مع الخليج، أو استفزاز واشنطن.
لا تنظر إسلام آباد إلى المواجهة بوصفها أزمة بعيدة، بل كحدث قادر على تغيير توازنات جنوب آسيا نفسها، خصوصاً إذا تسللت تداعياته إلى حدودها الغربية أو تداخل مع صراعها المستمر مع الهند، التي حظيت بدعم إسرائيلي واسع خلال المواجهة الهندية الباكستانية الأخيرة.
من هنا، يصبح موقف باكستان ليس مجرد رد فعل سياسي، بل محاولة مستمرة لإدارة مشهد إقليمي سريع الانفلات، تُحكمه حسابات بقاء أكثر من كونه تعبيراً عن تحالفات أيديولوجية أو عواطف شعبية.
يتشكل موقف باكستان في بيئة محكومة بشبكة معقدة من العوامل الداخلية والخارجية، فعلى المستوى الداخلي، تعاني البلاد من أزمة اقتصادية متطاولة، وتراجع في احتياطاتها من النقد الأجنبي، واعتماد متزايد على برامج صندوق النقد الدولي، بما يجعل أي انحياز سياسي حاد قادرًا على تهديد الدعم المالي الدولي أو إثارة قلق الأسواق.
إلى جانب ذلك، يظل المشهد السياسي الداخلي هشّاً، مع تعدد مراكز القرار بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية، ما يحدّ من قدرة الدولة على تبني خيارات خارجية حاسمة في ملفات شديدة الحساسية.
تبرز الطائفية بوصفها عاملًا ضاغطاً لا يقل أهمية؛ فوجود أقلية شيعية كبيرة، في مقابل انتشار تيارات سلفية وديوبندية معادية لطهران، يجعل أي تقارب مع إيران قابلًا لإشعال توترات داخلية، وإثارة دوائر العنف في مناطق مضطربة مثل كراتشي وبلوشستان. وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في الهجمات الطائفية، ما دفع طهران إلى انتقاد إسلام آباد، وهو ما تعتبره الأخيرة تدخلًا في شؤونها الداخلية.
أما خارجياً، فتعتمد باكستان بشدة على الدعم الاقتصادي والاستثمارات الخليجية، وخاصة من السعودية والإمارات، اللتين تتخذان مواقف أكثر قرباً -ولو ضمنياً- من إسرائيل في سياق الصراع.
كما تلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في رسم حدود الحركة الباكستانية، بحكم نفوذها على المؤسسات المالية الدولية وارتباط الجيش الباكستاني بالتعاون الأمني مع واشنطن، وفي المقابل، يشكل التعاون الأمني مع إيران ضرورة جغرافية لتأمين الحدود واحتواء الجماعات المسلحة في بلوشستان، لكنه تعاون يظل هشاً ومحكوماً بالشكوك.
تجمع هذه المحددات بين الاقتصادي والسياسي والطائفي والإقليمي، وتفرض على صانع القرار الباكستاني نمطًا من الحياد البراغماتي، يحافظ على الحد الأدنى من التنسيق مع إيران، دون تجاوز السقوف الخليجية والدولية، ودون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو خارجية لا قدرة لإسلام آباد على تحمل تبعاتها.
مع انطلاق الهجمات الإسرائيلية الواسعة على إيران في 13 يونيو/حزيران 2025، بدت باكستان من أوائل الدول التي سارعت إلى إعلان موقف رافض للتصعيد، لكن ضمن صياغة محسوبة بعناية، تجمع بين التضامن المعلن مع طهران وتجنّب أي إشارة قد تُفهم كاصطفاف ضد الحلفاء الخليجيين أو الولايات المتحدة.
ففي الاتصال الهاتفي الذي جمع رئيس الوزراء شهباز شريف بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عبّر الأول عن «تضامن كامل»مع الشعب الإيراني، وندد بما وصفه بـ «العدوان غير المبرر»، مؤكدًا أن استمرار التصعيد يهدد استقرار المنطقة بأسرها.
في الوقت نفسه، حافظت الخارجية الباكستانية على خطاب أكثر انضباطاً، إذ أدانت «الاستفزازات الخطيرة» دون ذكر إسرائيل صراحة، في توازن يعكس رغبة إسلام آباد في تسجيل موقف مبدئي دون تجاوز الخطوط الحمراء للدول المؤثرة في اقتصادها وسياساتها.
لكن الموقف الأكثر بروزاً جاء من وزير الدفاع خواجة محمد آصف الذي قال إن بلاده «لن تتخلى عن إيران وستدعمها بكل ما أوتيت من قوة»، قبل أن يتراجع لتوضيح أن طهران لم تطلب دعماً عسكرياً، وأن باكستان لا تنوي التدخل المباشر في أي مواجهة.
وفي مجلس الأمن الدولي، تبنّت باكستان خطاباً أقرب إلى الموقف الإيراني، إذ دافعت عن حق طهران في الدفاع عن نفسها، وشاركت مع الصين وروسيا في تقديم مشروع قرار يدعو إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.
أما الشارع الباكستاني، فقد أظهر تضامناً واضحًا مع إيران، خاصة في الأوساط الإسلامية والشيعية، ما وضع الحكومة أمام ضغوط داخلية إضافية تدفعها إلى الاقتراب لفظيًا من طهران دون التورط عمليًا.
أعاد التصعيد اختبار طبيعة العلاقة بين طهران وإسلام آباد، كاشفًا عن حدود التقارب الممكن بين البلدين، فعلى الرغم من أن العلاقة لم ترتقِ يومًا إلى مستوى التحالف، حافظ الطرفان على صيغة التنسيق الضروري القائم على إدارة الخلافات بدلًا من حلّها، خاصة في ملفات الحدود والأمن الإقليمي واحتواء الجماعات المتشددة في بلوشستان.
لكن التطورات الأخيرة رفعت سقف التوقعات الإيرانية من باكستان، باعتبارها دولة مجاورة ذات وزن نووي، في وقت تتعرض فيه طهران لضغوط غير مسبوقة من واشنطن وتل أبيب.
غير أن باكستان، المنشغلة بأزماتها الداخلية الاقتصادية والسياسية، لا تبدو مستعدة لتوسيع هذا التنسيق نحو شراكة أو اصطفاف، رغم ما تبديه من تضامن سياسي، فمصالحها الحيوية مع الخليج والغرب، والضغوط الطائفية في الداخل، تجعل أي تقارب كبير مع إيران مكلفًا ومهددًا لتوازناتها الداخلية والخارجية.
مع ذلك، يدرك صناع القرار في إسلام آباد أن انهيارًا إيرانيًا شاملًا أو تغيّرًا جذريًا في بنية الحكم بطهران سيحمل تداعيات خطيرة على أمنها القومي، سواء عبر تنشيط الجماعات الانفصالية على حدودها، أو عبر توسيع النفوذ الهندي-الإسرائيلي في الإقليم، ما يدفع باكستان إلى الحفاظ على خطوط اتصال فاعلة مع إيران مهما اشتدت الضغوط.
في هذا السياق، يبرز عامل جديد يعيد تشكيل المشهد وهو الدور الصيني المتعاظم في غرب آسيا، فبكين التي تربطها علاقات استراتيجية بطهران، وتمتلك استثمارات ضخمة داخل باكستان عبر «الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني»، ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، تتحول تدريجيًا إلى طرف قادر على التأثير في العلاقة بين طهران وإسلام آباد، سواء عبر خلق مصالح مشتركة، أو توفير مظلة سياسية لتخفيف التوترات.
وهكذا، فإن تطور العلاقة بين طهران وإسلام آباد لن يُفهم بمعزل عن الدور الصيني، الذي يميل إلى تثبيت استقرار الجارَين معًا، وتأمين شبكة مصالح تربطهما به دون أن يتحولا إلى خصمين أو حليفين كاملين.
مع إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في 24 يونيو/حزيران 2025، تحرّكت الصين لتثبيت حضورها كقوة دولية قادرة على التأثير في مسار الأزمة دون الانخراط المباشر في صدامات المنطقة، فجاءت زيارة وزير الدفاع الإيراني «عزيز نصير زاده» إلى بكين بعد يومين فقط من التهدئة، لتشير إلى أن طهران ترى في الصين شريكًا قادرًا على توفير مظلة سياسية واقتصادية تضمن لها هامش مناورة في مواجهة الضغط الأميركي-الإسرائيلي المتصاعد.
بالنسبة لبكين، لم يكن وقف إطلاق النار مجرد نهاية مؤقتة لجولة عسكرية، بل نقطة انطلاق لإعادة ترتيب موقعها في غرب آسيا ضمن معادلة دقيقة تجمع بين حماية مصالحها الاقتصادية الضخمة، والحفاظ على توازن علاقاتها مع إيران، وإدارة حساسيات علاقاتها المهمة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وتدرك أن الأزمة الأخيرة كشفت هشاشة البنية الأمنية الإقليمية، وأن أي انهيار في إيران ستكون كلفته استراتيجية هائلة عليها، من تعطيل إمدادات الطاقة إلى تهديد مشاريع «الحزام والطريق»، وصولاً إلى اضطراب حدود باكستان، أحد أهم محاور نفوذها الآسيوي.
لذلك، تتجه بكين في المرحلة المقبلة إلى لعب دور «القوة الضامنة للاستقرار» في المنطقة، من خلال تعميق التعاون مع طهران في إطار غير صدامي، وتوسيع حضورها في المؤسسات متعددة الأقطاب مثل منظمة شنغهاي للتعاون وبريكس.
هي تراهن على أن تعزيز شراكتها مع إيران سيمنحها نفوذًا أكبر في الشرق الأوسط دون أن تدفع ثمن الاصطفاف المباشر، وأن الحفاظ على علاقة متوازنة مع إسرائيل سيحمي مصالحها التكنولوجية والاقتصادية الحساسة.
في هذا المشهد، تبدو الصين وكأنها تتحرك وفق قاعدة ثابتة: دعم إيران بما يكفي لمنع سقوطها، دون أن يصل هذا الدعم إلى مستوى التحالف العسكري المباشر، وهي معادلة تسمح لها بالبقاء لاعبًا مؤثرًا دون أن تصبح طرفًا في المواجهة، وتُبقي لها مساحة للتحكم في إيقاع تطور الأزمة بدلاً من الانجرار خلفها.
تكشف هذه المواجهة، بكل ما رافقها من ارتدادات إقليمية ودولية، أن موقع طهران في خريطة التحالفات الآسيوية بات مرهونًا بميزان دقيق من الحسابات التي تجريها كلٌّ من باكستان والصين.
فرغم أن إيران لا تبدو معزولة بالكامل، فإن فرص حصولها على دعم إقليمي واسع تظل محكومة بحدود براغماتية صارمة: فباكستان، المثقلة بضغوط اقتصادية وطائفية وتوازنات خليجية وغربية حساسة، لن تتجاوز على الأغلب إطار التضامن السياسي وضبط الحدود والتنسيق الأمني الضروري، ما يجعل دعمها لطهران دعمًا محدود السقف.
أما الصين، الشريك الأكبر لطهران في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، فتتقدم كرافع محتمل للمظلّة السياسية والاقتصادية التي تحتاجها إيران لتفادي الانهيار، مع عدم توفير لها على الأغلب غطاءً عسكريًا مباشرًا.
وبقدر ما تمنح بكين إيران هوامش حركة مهمة في مواجهة الضغوط الأميركية والغربية، فإنها تفعل ذلك في إطار دعم محسوب يضمن استمرار الاستقرار الإقليمي ويحمي استثماراتها وممراتها الاستراتيجية.
تتحرك طهران بين هذه الخيارات في بيئة تتقلص فيها خياراتها العسكرية، لكنها تحتفظ بفرصة تعزيز شراكات تمنحها القدرة على امتصاص الضغوط، دون أن ترتقي إلى مستوى التحالفات الصلبة التي قد تمنحها قوة ردع حقيقية أو حماية إقليمية مباشرة.






