مقالات

إيران، طوفان الأقصى، وحرب الأيام الاثني عشر: الاستراتيجية، التصعيد وتوازن القوى الإقليمي

د. سامي العريان مدير مركز الدراسات الإسلامية والشئون الدولية (CIGA) بجامعة صبــــــــــــاح الدين زعيم بإسطنبول

أعادَت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬عملية‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬تشكيلَ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بدرجة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬آخر‭ ‬منذ‭ ‬الغزو‭ ‬الأميركي‭ ‬للعراق‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬فقد‭ ‬دفعت‭ ‬كلَّ‭ ‬طرفٍ‭ ‬إقليمي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬افتراضاته‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وكشفت‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬للكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وأفضت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬أول‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والكيان‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭.‬

وعلى‭ ‬خلاف‭ ‬الادعاءات‭ ‬الغربية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬طهران‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬ولا‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬إشعال‭ ‬حرب‭ ‬كهذه،‭ ‬فعلى‭ ‬مدى‭ ‬عامين‭ ‬تقريباً،‭ ‬التزمت‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بمعادلة‭ ‬منضبطة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬جبهة‭ ‬المقاومة،‭ ‬وفرض‭ ‬كلفة‭ ‬محسوبة‭ ‬على‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتجنّب‭ ‬تخطي‭ ‬‮«‬الخطوط‭ ‬الحمراء‮»‬‭ ‬الأميركية،‭ ‬ومنع‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬مباشرة‭ ‬قد‭ ‬تُعرّض‭ ‬استقرار‭ ‬إيران‭ ‬الداخلي‭ ‬للخطر‭. ‬

لكن‭ ‬مجريات‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬واتساع‭ ‬عمليات‭ ‬الاغتيال،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الضربات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬العميقة‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬دفعت‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬كانت‭ ‬تتجنبها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وفهم‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تطوّر‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬التصعيدي‭ ‬يكشف‭ ‬مدى‭ ‬التحوّل‭ ‬الجاري‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي‭.‬

استراتيجية‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬7‭ ‬أكتوبر

لطالما‭ ‬ارتكزت‭ ‬العقيدة‭ ‬الإقليمية‭ ‬لإيران‭ ‬على‭ ‬ركيزتين‭ ‬أساسيتين‭: ‬الدفاع‭ ‬المتقدّم،‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الحركات‭ ‬الحليفة‭ ‬قدراتها‭ ‬العملياتية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الساحات؛‭ ‬والصبر‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬الذي‭ ‬ينظّم‭ ‬توقيت‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬وحدوده،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬خوض‭ ‬حرب‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وترك‭ ‬الزمن‭ ‬والتحوّلات‭ ‬البنيوية‭ ‬تآكل‭ ‬النفوذ‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬

وتطوّرت‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والعقوبات‭ ‬وسياسات‭ ‬الاحتواء‭ ‬والصراع‭ ‬الأيديولوجي،‭ ‬وشكّلَت‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬اختباراً‭ ‬قاسياً‭ ‬لهذه‭ ‬العقيدة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُسقطها‭. ‬

فقد‭ ‬حافظت‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬دعمها‭ ‬لمحور‭ ‬المقاومة‭ ‬مع‭ ‬تجنّب‭ ‬الانخراط‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وشمل‭ ‬ذلك‭ ‬دعماً‭ ‬سياسياً‭ ‬لحركتي‭ ‬حماس‭ ‬والجهاد‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والتنسيق‭ ‬مع‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬والاستشاري‭ ‬لـ‭ ‬أنصار‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬فصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭.‬

وكانت‭ ‬الكلفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬كارثيةـ‭ ‬فبحلول‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2024‭-‬وبشكل‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬2025-‭ ‬وثّقت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمنظمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬استشهاد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬فلسطيني‭ ‬وإصابة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬170‭ ‬ألفاً،‭ ‬مع‭ ‬تهجير‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬للسكان‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحصار‭ ‬والمجاعة‭ ‬والتدمير‭ ‬المنهجي،‭ ‬وقد‭ ‬وصفت‭ ‬وكالات‭ ‬دولية‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬الكوارث‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬أكّدت‭ ‬إيران‭ ‬باستمرار‭ ‬أن‭ ‬الفصائل‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تعمل‭ ‬باستقلالية‭ ‬تامة،‭ ‬وبحلول‭ ‬أواخر‭ ‬2023،‭ ‬اعترف‭ ‬مسؤولون‭ ‬أميركيون‭ ‬علناً‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬أدلة‭ ‬لديهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬أمرت‭ ‬حماس‭ ‬بشنّ‭ ‬الهجوم‭ ‬أو‭ ‬أصدرت‭ ‬توجيهات‭ ‬لأي‭ ‬مجموعة‭ ‬استهدفت‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬طهران‭: ‬دعم‭ ‬المقاومة‭ ‬مع‭ ‬تجنّب‭ ‬أي‭ ‬خطوة‭ ‬تمنح‭ ‬واشنطن‭ ‬ذريعة‭ ‬لخوض‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭.‬

تكتيكات‭ ‬الضغط‭ ‬الإقليمي

تمثّل‭ ‬العنصر‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الجبهات‭ ‬الحليفة‭ ‬لإبقاء‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬فقد‭ ‬أجبر‭ ‬انخراط‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬الجيشَ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬قوات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تهجير‭ ‬واسع‭ ‬لسكان‭ ‬المستوطنات‭ ‬الشمالية‭.‬

كما‭ ‬استهدفت‭ ‬مجموعات‭ ‬عراقية‭ ‬وسورية‭ ‬القواعد‭ ‬الأميركية‭ ‬بصورة‭ ‬دورية،‭ ‬ما‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬دعمها‭ ‬العسكري‭ ‬للكيان،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أدت‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬نفّذها‭ ‬الحوثيون‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭-‬والتي‭ ‬سهّلها‭ ‬الدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬والفني‭ ‬الإيراني‭-‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية‭ ‬وخفض‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬المارة‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بنسبة‭ ‬قاربت‭ ‬90‭%‬‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الأزمة‭.‬

أما‭ ‬العنصر‭ ‬الثالث‭ ‬والأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬المقاربة‭ ‬الإيرانية‭ ‬فكان‭ ‬منع‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وعكست‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬السابق‭ ‬جو‭ ‬بايدن،‭ ‬التي‭ ‬انتقد‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬العشوائي‮»‬،‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬داخل‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬التكلفة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للحملة‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬

وفهمت‭ ‬طهران‭ ‬جيداً‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬حرباً‭ ‬إقليمية،‭ ‬لكنها‭ ‬ستتدخل‭ ‬عسكرياً‭ ‬إذا‭ ‬ضربت‭ ‬إيران‭ ‬الكيان‭ ‬مباشرة،‭ ‬لذا‭ ‬عمد‭ ‬صانعو‭ ‬القرار‭ ‬الإيرانيون‭ ‬إلى‭ ‬معايرة‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭ ‬لتجنّب‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الخط‭ ‬الأحمر‭.‬

لماذا‭ ‬اختار‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬التصعيد‭ ‬مع‭ ‬إيران؟

بحلول‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬كانت‭ ‬حملة‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬قد‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬الأساسية،‭ ‬فقد‭ ‬ظلّت‭ ‬حماس‭ ‬صامدة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬المواجهة،‭ ‬وتمكنت‭ ‬شبكات‭ ‬المقاومة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬صفوفها‭ ‬رغم‭ ‬الدمار‭ ‬الواسع،‭ ‬ولم‭ ‬يُستعد‭ ‬الأسرى‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬عبر‭ ‬الوسائل‭ ‬العسكرية،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إسرائيل‭ ‬فرض‭ ‬أي‭ ‬بنية‭ ‬حكم‭ ‬قابلة‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬كذلك‭ ‬بقيت‭ ‬الجبهة‭ ‬الشمالية‭ ‬مشتعلة،‭ ‬إذ‭ ‬واصل‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬تنفيذ‭ ‬هجمات‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬ومنع‭ ‬عودة‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬المستوطنات‭ ‬الشمالية‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدولي،‭ ‬انهارت‭ ‬صورة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسمعتها‭. ‬فقد‭ ‬خرجت‭ ‬مظاهرات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬ومعظم‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬القلق‭ ‬المتزايد‭ ‬إزاء‭ ‬القتل‭ ‬والدمار‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬وارتفعت‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬والمحاسبة،‭ ‬وأصدرت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬تحذيرات‭ ‬قانونية‭ ‬وإنسانية‭. ‬وقد‭ ‬سبّبت‭ ‬الانتقادات‭ ‬الدولية‭ ‬الشديدة‭ ‬لحملة‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬حرجاً‭ ‬كبيراً‭ ‬لحلفائها‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬حالة‭ ‬التخبط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬داخل‭ ‬العلاقة‭ ‬الأميركية‭-‬الإسرائيلية‭.‬

وأمام‭ ‬مأزق‭ ‬عسكري‭ ‬وعزلة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬وأزمة‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية،‭ ‬أعاد‭ ‬الكيان‭ ‬تأطير‭ ‬الصراع‭ ‬باعتباره‭ ‬حرباً‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬وأخذ‭ ‬يُصوِّر‭ ‬حماس‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬والحوثيين‭ ‬والفصائل‭ ‬العراقية‭ ‬باعتبارهم‭ ‬وكلاء‭ ‬إيرانيين‭ ‬بالكامل،‭ ‬واستُخدمت‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬لتبرير‭ ‬توسيع‭ ‬حملة‭ ‬الاغتيالات‭ ‬والعمليات‭ ‬الاستفزازية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭.‬

بلغ‭ ‬التصعيد‭ ‬ذروته‭ ‬مع‭ ‬حادث‭ ‬تحطم‭ ‬المروحية‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2024‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬إبراهيم‭ ‬رئيسي‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬حسين‭ ‬أمير‭ ‬عبد‭ ‬اللهيان،‭ ‬ورغم‭ ‬وصف‭ ‬الحادث‭ ‬رسمياً‭ ‬بأنه‭ ‬قضاء‭ ‬وقدر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الشبهات‭ ‬حول‭ ‬تورط‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانت‭ ‬قوية،‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الاغتيالات‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬قادة‭ ‬في‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬وعلماء‭ ‬وقيادات‭ ‬في‭ ‬محور‭ ‬المقاومة،‭ ‬وقد‭ ‬رأت‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬تشكل‭ ‬استفزازات‭ ‬مدروسة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬دفعها‭ ‬لردّ‭ ‬مفرط‭ ‬يمنح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مبرراً‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مباشرة‭.‬

حرب‭ ‬الأيام‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ – ‬يونيو‭ ‬2025

جاءت‭ ‬نقطة‭ ‬التحوّل‭ ‬في‭ ‬13‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬عندما‭ ‬شنّ‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬حملة‭ ‬‮«‬قطع‭ ‬الرأس‮»‬‭ ‬تستهدف‭ ‬كبار‭ ‬القادة‭ ‬العسكريين‭ ‬الإيرانيين‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الحكم،كما‭ ‬نفّذ‭ ‬ضربات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬على‭ ‬منشآت‭ ‬عسكرية‭ ‬ونووية‭ ‬إيرانية،‭ ‬شملت‭ ‬نطنز‭ ‬وفوردو‭ ‬وأصفهان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عدة‭ ‬منظومات‭ ‬دفاع‭ ‬جوي،‭ ‬وقد‭ ‬أكدت‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬حلّلتها‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬مستقلة‭ ‬وقوع‭ ‬دمار‭ ‬كبير‭ ‬فوق‭ ‬الأرض،‭ ‬فيما‭ ‬بقيت‭ ‬القاعات‭ ‬المحصّنة‭ ‬تحتها‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬سليمة‭.‬

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬انخرطت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المواجهة،‭ ‬ففي‭ ‬21‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬قصفت‭ ‬مواقع‭ ‬نووية‭ ‬إيرانية‭ ‬مستخدمةً‭ ‬قنابل‭ ‬خارقة‭ ‬للتحصينات،‭ ‬وقد‭ ‬وثّقت‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬أميركية‭ ‬الأضرار‭ ‬الظاهرة،‭ ‬لكنها‭ ‬أشارت‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعافي‭ ‬بسرعة‭.‬

‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬يوماً،‭ ‬أطلق‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬نحو‭ ‬قواعد‭ ‬جوية‭ ‬ومواقع‭ ‬رادار‭ ‬ومراكز‭ ‬القيادة‭ ‬والتحكم‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وأظهرت‭ ‬خرائط‭ ‬غير‭ ‬إسرائيلية‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الصواريخ‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬مثل‭ ‬نيفاتيم‭ ‬وحاتسور‭ ‬وأصاب‭ ‬أجزاء‭ ‬منها‭.‬

ورغم‭ ‬نجاح‭ ‬جهود‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬المشتركة‭ -‬التي‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودول‭ ‬أوروبية‭ ‬وحلفاء‭ ‬إقليميون‭-‬في‭ ‬اعتراض‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المقذوفات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬اختراقات‭ ‬خطيرة‭ ‬حدثت‭ ‬مسببةً‭ ‬دماراً‭ ‬ملموساً‭.‬

وكان‭ ‬للأثر‭ ‬النفسي‭ ‬داخل‭ ‬الكيان‭ ‬وقع‭ ‬بالغ،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تُستهدف‭ ‬فيها‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ومعلن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭.‬

ورغم‭ ‬ادعاءات‭ ‬إسرائيل‭ ‬بأنها‭ ‬قتلت‭ ‬ضباطاً‭ ‬إيرانيين‭ ‬كباراً،‭ ‬أعادت‭ ‬إيران‭ ‬بسرعة‭ ‬تشكيل‭ ‬هياكل‭ ‬القيادة‭ ‬وأكدت‭ ‬استمرارية‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وانتهت‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭ ‬12‭ ‬يوماً‭ ‬باتفاق‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬بوساطة‭ ‬أميركية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتمكّن‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬من‭ ‬ادّعاء‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬حاسم‭.‬

الخسائر‭ ‬الإيرانية،‭ ‬الصمود‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬محور‭ ‬المقاومة

كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬مشهد‭ ‬معقّد،‭ ‬فقد‭ ‬تكبّدت‭ ‬إيران‭ ‬خسائر‭ ‬تكتيكية‭ ‬شملت‭ ‬ضربات‭ ‬على‭ ‬منشآتها‭ ‬النووية،‭ ‬وعمليات‭ ‬اغتيال‭ ‬طالت‭ ‬شخصيات‭ ‬بارزة،‭ ‬وأضراراً‭ ‬لحقت‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الصاروخية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬أظهرت‭ ‬الدولة‭ ‬قدرة‭ ‬لافتة‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬فقد‭ ‬جرت‭ ‬عملية‭ ‬الانتقال‭ ‬السياسي‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬الرئيس‭ ‬إبراهيم‭ ‬رئيسي‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تفكك‭ ‬داخلي،‭ ‬كما‭ ‬أثبتت‭ ‬القوات‭ ‬الصاروخية‭-‬رغم‭ ‬الأضرار‭- ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬ضربات‭ ‬متعددة‭ ‬المجالات‭ ‬أربكت‭ ‬الدفاعات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وتجاوزتها‭.‬

ورغم‭ ‬الضربات‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬تلقّاها‭ ‬محور‭ ‬المقاومة،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يُفكَّك،‭ ‬فخلال‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬أضعفت‭ ‬الاغتيالات‭ ‬والعقوبات‭ ‬والاختراقات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬والغارات‭ ‬الجوية‭ ‬المتواصلة‭ ‬بعض‭ ‬شبكاته‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬حافظ‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الشمالية،‭ ‬وواصل‭ ‬الحوثيون‭ ‬تعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬شهور‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬وبقيت‭ ‬الفصائل‭ ‬العراقية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬كانت‭ ‬السردية‭ ‬الغربية‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الهزيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‮»‬‭ ‬مضللة،‭ ‬فقد‭ ‬حافظت‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬عمقها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وتماسكها‭ ‬الداخلي،‭ ‬وأثبتت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬كلفة‭ ‬عالية‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬رغم‭ ‬الدعم‭ ‬الغربي‭ ‬الهائل‭ ‬للكيان،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬عمّقت‭ ‬طهران‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الدفاع‭ ‬والطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والمالية‭.‬

ويرى‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬البريطاني‭ ‬السابق‭ ‬ألستير‭ ‬كروك‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬أساءت‭ ‬فهم‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬التحمل‭ ‬وعمقها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬بينما‭ ‬فشل‭ ‬صانعو‭ ‬القرار‭ ‬الغربيون‭ ‬في‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬خوض‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬طويلة‭ ‬متعددة‭ ‬الجبهات‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬مجتمعها‭ ‬واقتصادها‭ ‬‮«‬غير‭ ‬مبنيَّين‭ ‬لحرب‭ ‬استنزاف‮»‬،‭ ‬وتنسجم‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬مع‭ ‬أداء‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬الذي‭ ‬أظهر‭ ‬تضرّرًا‭ ‬محدودًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الهزيمة‭.‬

منطقةٌ‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تصعيد‭ ‬معلّق

لا‭ ‬يزال‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭/‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬المعلّق،‭ ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬غزة‭ ‬مدمَّرة‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬شهيد‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬170‭ ‬ألف‭ ‬جريح،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬استجابات‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬لافتة؛‭ ‬إذ‭ ‬رأت‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬وجود‭ ‬خطر‭ ‬معقول‭ ‬بوقوع‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬وأصدرت‭ ‬تدابير‭ ‬احترازية،‭ ‬بينما‭ ‬طلب‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬للمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬إصدار‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬بحق‭ ‬مسؤولين‭ ‬إسرائيليين‭ ‬كبار،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬الكيان‭.‬

وباختصار،‭ ‬ورغم‭ ‬الخسائر‭ ‬التكتيكية،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬إيران‭ ‬لاعباً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬فبرنامجها‭ ‬النووي‭ ‬تعرّض‭ ‬لتعطيل‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يُدمَّر،‭ ‬وقواتها‭ ‬الصاروخية‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬ضربات‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬وتحالفاتها‭ ‬باقية،‭ ‬وشراكاتها‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬توسّع‭ ‬مستمر‭.‬

المسارات‭ ‬الإقليمية‭ ‬المستقبلية

الاحتمال‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحاً‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬متعددة‭ ‬الجبهات،‭ ‬فالكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬مرهقاً‭ ‬ومشتتاً‭ ‬بين‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وسوريا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الجبهة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬

وستواصل‭ ‬إيران‭ ‬دعم‭ ‬محور‭ ‬المقاومة‭ ‬مع‭ ‬تجنّب‭ ‬الحرب‭ ‬المباشرة،‭ ‬مستندةً‭ ‬إلى‭ ‬الردع‭ ‬الذي‭ ‬ترسّخ‭ ‬خلال‭ ‬مواجهة‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬القصيرة،‭ ‬هذا‭ ‬الاستنزاف‭ ‬البطيء‭ ‬يُراكِم‭ ‬تكاليف‭ ‬متصاعدة‭ ‬على‭ ‬الجيش‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬للكيان‭.‬

أمّا‭ ‬المسار‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬تجدد‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬فإذا‭ ‬اعتقدت‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أن‭ ‬ضربات‭ ‬يونيو‭ ‬لم‭ ‬تُحقق‭ ‬الردع‭ ‬المطلوب‭ ‬وأن‭ ‬إيران‭ ‬ستواصل‭ ‬تحدي‭ ‬هيمنتها‭ ‬الإقليمية،‭ ‬فقد‭ ‬تُقدم‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬جديدة،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اجتازت‭ ‬بالفعل‭ ‬عتبة‭ ‬الردّ‭ ‬المباشر‭ ‬قد‭ ‬تردّ‭ ‬بسرعة‭ ‬وبقوة‭ ‬أكبر،‭ ‬ويُعدّ‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬هنا‭ ‬مخاطرة‭ ‬حقيقية‭ ‬قد‭ ‬تفجر‭ ‬حرباً‭ ‬إقليمية‭ ‬واسعة‭ ‬ذات‭ ‬تبعات‭ ‬عالمية‭ ‬خطيرة‭.‬

والمسار‭ ‬الثالث‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬انسحاب‭ ‬أميركي‭ ‬تدريجي،‭ ‬فقد‭ ‬تؤدي‭ ‬حالة‭ ‬الإرهاق‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والتزاماتها‭ ‬العالمية‭ ‬وتحولاتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حضورها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ما‭ ‬سيكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الوضع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ويدفع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭.‬

أما‭ ‬المسار‭ ‬الرابع،‭ ‬وهو‭ ‬الأقل‭ ‬احتمالاً‭ ‬حالياً،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تفاوضي‭ ‬إقليمي‭ ‬يستلزم‭ ‬تحولات‭ ‬جوهرية‭ ‬تشمل‭: ‬إنهاء‭ ‬الإبادة‭ ‬والحصار‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬خفض‭ ‬التصعيد‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الجبهات،‭ ‬تحولات‭ ‬سياسية‭ ‬داخل‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وانخراطاً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬مستداماً‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭. ‬ولا‭ ‬يتوافر‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭.‬

الخاتمة‭: ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬معادلة‭ ‬الردع

لم‭ ‬تكن‭ ‬إيران‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الحرب،‭ ‬لكن‭ ‬الإبادة‭ ‬والتجويع‭ ‬المتعمّد‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬والاغتيالات‭ ‬الموجّهة،‭ ‬والتصعيد‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬السرية‭ ‬دفعتها‭ ‬إلى‭ ‬المواجهة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬حاولت‭ ‬تجنبها،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬حرب‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬حاسمة،‭ ‬لكنها‭ ‬أعادت‭ ‬صياغة‭ ‬المعادلة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬جذرياً‭. ‬

فقد‭ ‬أثبت‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إلحاق‭ ‬أضرار‭ ‬واسعة‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لكن‭ ‬إيران‭ ‬أثبتت‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬إسرائيل‭ ‬مباشرة‭ ‬وبشكل‭ ‬متكرر‭ ‬وفعّال،‭ ‬كما‭ ‬فشل‭ ‬الكيان‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬هيمنة‭ ‬التصعيد،‭ ‬وأظهرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بوضوح‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬خوض‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬بينما‭ ‬احتفظت‭ ‬طهران‭ ‬بتماسكها‭ ‬الداخلي‭ ‬وبجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬الردعية‭.‬

وقد‭ ‬تأكّد‭ ‬تقييم‭ ‬ألستير‭ ‬كروك‭: ‬إسرائيل‭ ‬أساءت‭ ‬تقدير‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬بينما‭ ‬كشفت‭ ‬إيران‭ ‬ضعف‭ ‬العمق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للكيان،‭ ‬كما‭ ‬تعززت‭ ‬حجج‭ ‬جون‭ ‬ميرشايمر‭: ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬انتصارات‭ ‬حاسمة‭ ‬على‭ ‬حماس‭ ‬أو‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬أو‭ ‬إيران،‭ ‬وهالتها‭ ‬التقليدية‭ ‬باعتبارها‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬تُقهَر‭ ‬بدأت‭ ‬تتآكل‭.‬

وإذا‭ ‬اندلعت‭ ‬مواجهة‭ ‬جديدة،‭ ‬فستكون‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬بكثير،‭ ‬وستسعى‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬هشاشة‭ ‬الكيان‭ ‬الجغرافية‭ ‬واعتماده‭ ‬البنيوي‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي،‭ ‬وقد‭ ‬تفرض‭ ‬حربٌ‭ ‬إقليمية‭ ‬متعددة‭ ‬الجبهات‭ – ‬مشاركة‭ ‬فيها‭ ‬إيران‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن‭ ‬والفصائل‭ ‬العراقية‭- ‬تكاليف‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وقد‭ ‬تُسرّع‭ ‬تآكل‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأميركية،‭ ‬وتُنهي‭ ‬مشاريع‭ ‬التطبيع،‭ ‬وتكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬الأميركي‭-‬الإسرائيلي‭.‬

إن‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى،‭ ‬والإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وحرب‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬مرحلة‭ ‬مأساوية؛‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬إيذاناً‭ ‬بتحوّل‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ولقد‭ ‬أُعيد‭ ‬رسم‭ ‬الردع،‭ ‬والنظام‭ ‬القديم‭ ‬ينهار‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬تناقضاته،‭ ‬وأيّ‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬قد‭ ‬يشعل‭ ‬انفجاراً‭ ‬إقليمياً‭ ‬بتداعيات‭ ‬عالمية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها‭.‬

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى