الاقتصاد الإيراني بين العقوبات وسبل المواجهة
عبد الحافظ الصاوي- باحث وكاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
تُعَدّ إيران من أكثر دول المنطقة تعرضًا للعقوبات الاقتصادية قسوةً واستمرارية، إذ لم تعرف فترة استقرار اقتصادي حقيقي منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وبينما عايشت دول مثل العراق وليبيا والسودان فترات محدودة من العقوبات، ظلت إيران تواجه قيودًا متلاحقة ومتعددة المستويات استهدفت قطاعاتها المالية والنفطية والتجارية.
وقد بلغت العقوبات ذروتها بعد عام 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق (5+1) بشأن البرنامج النووي الإيراني، لتعود بذلك دائرة الحصار الاقتصادي إلى أشد مراحلها.
تُظهر بيانات البنك الدولي بوضوح حجم التأثير السلبي للعقوبات الاقتصادية على الاقتصاد الإيراني، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملحوظة بين عامي 2012 و2024.
فقد بلغ الناتج المحلي في عام 2012 نحو 644 مليار دولار، قبل أن ينخفض في عام 2015 إلى 409 مليارات دولار، ثم شهد تحسنًا مؤقتًا في عام 2017 . عقب الرفع الجزئي للعقوبات، ليصل إلى 489 مليار دولار. إلا أن هذا التحسن لم يدم طويلًا، إذ عاد الناتج إلى التراجع مجددًا مع إعادة فرض العقوبات وتشديدها، ليبلغ في عام 2024 نحو 436 مليار دولار فقط.
ومنذ عام 2012 وحتى عام 2024، كان أداء مؤشر معدل نمو الناتج المحلي الإيراني يتراوح ما بين 2.7% و3.5%، باستثناء عام 2021 حيث بلغ 6.4%، وذلك بسبب أنه العام الذي أعقب أزمة كورونا والتي أدت لتدني معدل النمو إلى سالب 2.8%.
ومن الطبيعي أن يمتد تأثير تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى نصيب الفرد من الدخل القومي، الذي عكس بدوره آثار العقوبات على معيشة الإيرانيين ومستوى رفاههم.
فقد بلغ نصيب الفرد عام 2012 نحو 7310 دولارات، قبل أن ينخفض إلى 5460 دولارًا في عام 2015، ثم استقر تقريبًا في عام 2017 عند 5470 دولارًا مع الرفع الجزئي للعقوبات، غير أن هذا التحسن لم يدم، إذ واصل المؤشر تراجعه ليصل في عام 2024 إلى نحو 4660 دولارًا فقط، ما يعكس تقلص القوة الشرائية وتباطؤ نمو الدخل الحقيقي للمواطن الإيراني خلال العقد الأخير.
قد يكون لانخفاض أسعار النفط بعد عام 2014 تأثير محدود في تراجع قيمة الناتج المحلي الإجمالي الإيراني، غير أن العقوبات الاقتصادية المفروضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تبقى العامل الأبرز في إضعاف الاقتصاد الإيراني وتقييد قدرته على النمو.
ويؤكد تقرير البنك الدولي الصادر في أبريل 2025 هذا الأثر بوضوح، أن نحو ثلث سكان إيران يعيشون تحت خط الفقر، فيما يواجه 40% من السكان خطر السقوط في دائرة الفقر في حال تعرض البلاد لأي صدمة مناخية أو انكماش اقتصادي جديد. ويعكس ذلك هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن طول أمد العقوبات وتشديدها.
ومن المؤشرات اللافتة على عمق تأثير العقوبات في الاقتصاد الإيراني، جمود حركة التجارة الخارجية خلال أكثر من عقد من الزمن.
فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغت قيمة الصادرات والواردات السلعية نحو 165 مليار دولار عام 2012، ولم تتجاوز 173 مليار دولار بحلول عام 2024، أي أن إجمالي التجارة الخارجية لم يرتفع سوى ثمانية مليارات دولار فقط خلال اثني عشر عامًا، وهو نمو هزيل يعكس حالة الركود والانكماش في القدرات الإنتاجية والتصديرية.
وخلال أزمة جائحة كورونا، تجلت آثار الحصار الاقتصادي بصورة إنسانية أكثر حدة، حيث ظهرت ثغرات كبيرة في قطاع الرعاية الصحية وصعوبة في توفير الأمصال واللقاحات، ما دفع المسؤولين الإيرانيين آنذاك إلى مناشدة المجتمع الدولي للسماح بدخول الأدوية والمواد الغذائية الأساسية، في محاولة لتجاوز التداعيات الصحية والاقتصادية للجائحة.
ضيق هامش المناورة
السلعة الوحيدة التي تناور بها إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية، وتحاول من خلالها كسر طوق الحصار المفروض عليها، هي النفط، ومع ذلك، يخضع هذا القطاع بدوره لعقوبات صارمة تحد من كميات التصدير، فضلًا عن القيود المفروضة على النظام المصرفي الإيراني، التي تكبّله في عمليات تحويل الأموال واستقبالها من الخارج.
ويُقدَّر إنتاج إيران اليومي من النفط بنحو 3.5 ملايين برميل، تُصدَّر منها قرابة 1.5 مليون برميل، وغالبًا ما تتم هذه الصادرات خارج السقف المسموح به في إطار العقوبات، عبر ما يُعرف بـ أسطول الظل. وتشير تقارير عدة إلى أن شركات ماليزية تُعد من أبرز الوسطاء في تسويق النفط الإيراني، وإن لم يُعلن ذلك رسميًا.
إلا أن صادرات إيران من النفط، أتت خلال السنوات الماضية، في إطار ما يعرف باستراتيجية «النفط الرخيص» وهي استراتيجية استفادت عدة دول منها، باستيراد النفط الإيراني، وهذه الدول أبرزها الصين، والهند وتركيا، وعادة ما يتم تصدير النفط الإيراني عبر سفن تحمل رايات دول أخرى.
وتمارس إيران استراتيحية النفط الرخيص لاستخدامها كورقة ضغط في مواجهة العقوبات، بإغراء الدول المستوردة، بأن لها مصلحة في استمرار علاقتها بإيران.
ومؤخرًا، صرّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأن المفاوضات مع الصين بشأن العلاقات التجارية قد تتضمّن بنودًا تمسّ الأمن القومي، من بينها مطالبة بكين بالامتناع عن استيراد النفطين الروسي والإيراني، وتثير هذه التصريحات مخاوف من تراجع الصادرات الإيرانية إلى شركائها الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين والهند وتركيا.
وبجانب النفط، تعتمد إيران على تجارة السلع الأخرى مع دول الجوار، خصوصًا العراق وتركيا وأفغانستان، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه التجارة يتم في إطار غير رسمي، واستثناءً من ذلك، تأتي العلاقة التجارية مع العراق في مجال تصدير الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء.
غير أن واشنطن تضغط لإنهاء الإعفاء الذي يسمح لبغداد باستيراد الغاز الإيراني، وقد بدأت الحكومة العراقية بالفعل بالتعاقد مع دول أخرى مثل تركيا والأردن وبعض دول الخليج لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
ووفقًا لتصريحات نائب وزير الاقتصاد الإيراني محمد رضواني، بلغت قيمة تجارة إيران غير النفطية مع دول الجوار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024 نحو 41.1 مليار دولار، استحوذت الإمارات على النصيب الأكبر منها بقيمة 16.2 مليار دولار (أي ما يعادل 40%)، تلتها تركيا بـ 9.9 مليارات دولار، ثم العراق بـ 7.6 مليارات دولار، وباكستان بـ 1.6 مليار دولار.
ومن الضروري أن نشير إلى ملحوظة مهمة، وهي أن تجارة إيران مع دول الجوار، تجارة في مواد أولية وسلع تقليدية، وتخلو من التعامل على العدد والآلات ووسائل الإنتقال أو المكون التكنولوجي.
البريكس ومحاولات كسر حصار العقوبات
حرصت إيران دومًا على توسيع تعاملاتها التجارية والاقتصادية مع كلٍّ من الصين وروسيا، بوصفهما دولتين تواجهان بدورهما توترات ومشكلات مع الولايات المتحدة، وفي عام 2024، تلقت إيران دعوة رسمية للانضمام إلى عضوية مجموعة البريكس خلال مؤتمر القمة، وهو ما قبلته إلى جانب أربع دول أخرى.
ويمثل انضمام إيران إلى البريكس محاولة لكسر العزلة الاقتصادية الدولية المفروضة عليها من قِبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فإيران تمتلك بالفعل علاقات ثنائية ممتدة مع عدد من دول المجموعة، بخلاف الصين وروسيا، مثل الإمارات والهند، وإن كانت علاقاتها مع البرازيل لا تزال محدودة ولا ترقى إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية أو المؤثرة كما هو الحال مع الصين أو روسيا أو الإمارات.
ومما يؤخذ على تجمع البريكس، أنه لا يمثل ظهيرًا يمكن الاعتماد عليه في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول التي لديها خصومة أو منازعات سياسية واقتصادية مع دول أخرى.
فإلى الآن، لم يتطور تجمع البريكس أكثر من العلاقات الثنائية، ولا توجد آلية جماعية للتعاون الاقتصادي، أو إمكانية التحول لمراحل التكامل الاقتصادي المعروفة، كمنطقة التجارة الحرة، أو الاتحاد الجمركي، أو السوق المشتركة.
وقد بدا ذلك جليًا في الموقف المحايد الذي اتخذه التجمع حيال الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك في النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة، حيث لم يظهر موقف جماعي واضح يعكس تضامن دول البريكس مع بعضها في مواجهة الأزمات الدولية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن انضمام إيران إلى البريكس لم يضف لها مكاسب اقتصادية أو تجارية ملموسة، بقدر ما وفّر لها حضورًا دوليًا يهدف بالأساس إلى كسر العزلة ومناهضة السياسات الاقتصادية الأميركية.
وحسب تصريحات لمسئولين إرانيين، فإن قيمة التبادل التجاري لإيران مه روسيا بلغت 4 مليارات دولار يف 2024، ونحو 21 مليار دولار في الصين في سلع غير نفطية، خلال الأشهر (مارس – نوفمبر 2024).
التكيف مع العقوبات
تفرض العقوبات الاقتصادية على أي دولة أجواء من الحذر والتقشف، تدفعها إلى تجنّب حالة الانكشاف الاقتصادي قدر الإمكان، لضمان توفير السلع الضرورية والاستراتيجية بالحد الأدنى الممكن، وقد تجلى ذلك بوضوح في تجارب دول مثل جنوب أفريقيا وكوريا الشمالية، وكذلك في الحالة الإيرانية.
ففي إيران، حرصت الحكومات المتعاقبة على تأمين احتياجات البلاد الأساسية، لا سيما الغذاء والوقود، بينما واجهت بعض الصعوبات في توفير سلع أساسية أخرى، مثل خطوط الإنتاج وقطع الغيار، ومع ذلك، تمكنت الصناعة الإيرانية من أداء دور محوري في دعم الاقتصاد المحلي، إذ تسهم بنحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 12% للقطاع الزراعي، و50% لقطاع الخدمات.
كما دفعت العقوبات طهران إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مجالات عدة، أبرزها تقنية المعلومات والصناعات الدفاعية، خصوصًا في إنتاج الأسلحة والصواريخ، غير أن ما يُؤخذ على التجربة الإيرانية في هذا المجال هو غياب الربط بين الصناعات الدفاعية والتطبيقات المدنية، إذ لم تُترجم التقنيات العسكرية المتقدمة إلى مشاريع صناعية مدنية تُسهم في تقليل اعتماد البلاد على التكنولوجيا الغربية، أو في التخفيف من آثار العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
مستقبل الاقتصاد الإيران في ظل العقوبات
العقوبات حالة استثنائية، لا ينبغي أن تظل قائمة لوقت طويل، فهي تحرم شعوب الدول المفروض عليها، من الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتعطل مسيرة التنمية لهذه الشعوب، وفي الحالة الإيرانية، نجد أنها العقوبات عليها امتدت لعقود.
حرصت إيران، على مدار السنوات الماضية، على التأكيد بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، وعلى السعي للخروج من حالة العزلة الاقتصادية المفروضة عليها، غير أن الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب تبنّت رؤية مغايرة، تمثلت في السعي إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ما جعل استمرار العقوبات الاقتصادية أمرًا حتميًا، وربط نجاح أي مفاوضات مستقبلية بتغيّر الموقف الأميركي أو تبدّل الإدارة الحاكمة في واشنطن.
وقد علمتنا تجارب العقوبات الدولية أن هذه الإجراءات لا تخلو غالبًا من مصالح سياسية واقتصادية لبعض الدول أو المجموعات التي ترى ضرورة الإبقاء على قنوات تعامل مع الدولة الخاضعة للعقوبات، وقد ظهر ذلك بوضوح في حالة إيران، سواء من خلال مواقف بعض دول الجوار، أو عبر انفتاح دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية على التعامل معها.
وخلال العقود الأخيرة، تمرّست إيران على استراتيجية الاعتماد على الذات في مواجهة العقوبات، رغم ما تعانيه من مشكلات وأزمات اقتصادية متكررة، وساعدتها في ذلك سياساتها الرامية إلى تحقيق اكتفاء ذاتي نسبي في مجالات حيوية، مثل الغذاء والكهرباء وبعض الصناعات الأساسية.
وخلال الفترة المقبلة، علينا أن نتوقع احتمال أن يتحول موقف ترامب تجاه العقوبات على إيران، إلى موقف الولايات المتحدة بعد خروجه من السلطة، وفي هذه الحالة على طهران أن تختار بين سيناريوهين محتملين، الأول الاستمرار في نهجها الحالي ومواجهة تحديات العقوبات الاقتصادية، والثاني إبداء مرونة سياسية عبر تخفيض مستوى نشاط برنامجها النووي تماشيًا مع المطالب الأميركية والغربية، في محاولة لتخفيف العقوبات المفروضة عليها.
ولكن حتى لو قبلت إيران بتخفيض سقف عمل برنامجها النووي ليتماهي مع المطالب الأميركية والأوروبية، فإنها ستكون تحت ما يعرف بالمرحلة الانتقالية، ولن يكون رفع العقوبات عنها بشكل نهائية، وستكون أمام حالة مشابهة لما تم في مطلع عام 2017، بالرفع المبدئي أو الجزئي للعقوبات، خلال فترة إدارة الرئيس باراك أوباما.





