مقالات

العلاقـات الروسية الإيــــرانيـــــــة: شراكة لا تخلو من مفارقــــات في ظل عالــم متعدد الأقطاب

كيريل سيمينوف-محلل سياسي وباحث في المجلس الروسي للشـــؤون الدوليــــــة، متخصــــــــــــص في الشــــــــــؤون الإسلامية والصّراعـــــــات في منطقة الشــــــــــــــرق الأوســــــــــــــــــــــــط

في‭ ‬سياق‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬تُعدّ‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ظاهرة‭ ‬معقدة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الخلافات‭ ‬التاريخية‭ ‬والتناقضات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬العميقة‭.‬

فخلال‭ ‬مرحلة‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬تطورًا‭ ‬لافتًا‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬تحالف‭ ‬غير‭ ‬رسمي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬آنذاك‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬تباينات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬والأهداف،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يؤدِّ‭ ‬استمرار‭ ‬الصراع‭ ‬السوري‭ ‬أو‭ ‬نتائجه‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬هذا‭ ‬التقارب،‭ ‬بل‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تعميقه‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭.‬

لكن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تتقدم‭ ‬وفق‭ ‬نمط‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬خطوتان‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬وخطوة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُرافق‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬مجالٍ‭ ‬ما‭ ‬توترٌ‭ ‬في‭ ‬مجالٍ‭ ‬آخر،‭ ‬بينما‭ ‬تظهر‭ ‬التناقضات‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى‭.‬

الاختلافات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬كمصدر‭ ‬للتناقضات

يُشكّل‭ ‬الاختلاف‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مصادر‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬موسكو‭ ‬وطهران،‭ ‬فروسيا‭ ‬تتبنى‭ ‬سياسة‭ ‬خارجية‭ ‬براغماتية‭ ‬تُركّز‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬اقتصادية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬ملموسة،‭ ‬وتنطلق‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬عالمٍ‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬القوى،‭ ‬بحيث‭ ‬تحتل‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬موقعًا‭ ‬ثانويًا‭ ‬أمام‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تستند‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬مبادئ‭ ‬العقيدة‭ ‬الإسلامية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الثوري،‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬الفكرين‭ ‬الخميني‭ ‬والمهدوي،‭ ‬والتي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة‭ ‬ومواجهة‭ ‬ما‭ ‬تصفه‭ ‬بـ»الاستعمار‭ ‬الغربي‮»‬،‭ ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التوجه‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬يُشكّل‭ ‬محددًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬طهران‭ ‬الخارجي‭ ‬ويجعلها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬مواجهة‭ ‬مستمرة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭.‬

ويبرز‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬منهجية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الدولية،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تتقاطع‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬الجانبين؛‭ ‬فروسيا،‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة‭ ‬علمانية،‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬‮«‬الواقعية‭ ‬السياسية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتحرك‭ ‬إيران‭ ‬ضمن‭ ‬أطرٍ‭ ‬تحكمها‭ ‬المبادئ‭ ‬الدينية‭ ‬والمعتقدات‭ ‬الثورية‭.‬

الجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬للتناقضات

تلعب‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬صورة‭ ‬روسيا‭ ‬لدى‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني،‭ ‬إذ‭ ‬ينظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الإيرانيين‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬المعاصرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬وريثة‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬والإمبراطورية‭ ‬الروسية،‭ ‬اللذين‭ ‬انتهجا‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬سياسات‭ ‬توسعية‭ ‬واستعمارية‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭.‬

فقد‭ ‬ترك‭ ‬الغزو‭ ‬السوفيتي‭ ‬البريطاني‭ (‬1941-1945‭) ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬عندما‭ ‬شنت‭ ‬القوات‭ ‬السوفيتية‭ ‬والبريطانية،‭ ‬هجومًا‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬محاور‭ ‬وسيطرت‭ ‬على‭ ‬البلاد،‭ ‬بذريعة‭ ‬تعاطفها‭ ‬مع‭ ‬هتلر‭.‬

وكانت‭ ‬الأزمة‭ ‬الإيرانية‭ (‬1945-1946‭) ‬أكثر‭ ‬إيلامًا،‭ ‬إذ‭ ‬أعلن‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬أذربيجان‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬بدعمٍ‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬تبريز،‭ ‬كما‭ ‬دعم‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬مهاباد‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتُبر‭ ‬محاولة‭ ‬لتقسيم‭ ‬إيران،‭ ‬ولم‭ ‬يتمكن‭ ‬الشاه‭ ‬من‭ ‬استعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬تفاقم‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬ستالين‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ»الأزمة‭ ‬الإيرانية‮»‬‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬التاريخ،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬حفلت‭ ‬بمحطات‭ ‬مؤلمة‭ ‬أخرى؛‭ ‬فخلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬دخلت‭ ‬القوات‭ ‬الروسية‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1915‭ ‬دون‭ ‬دعوة،‭ ‬وبقيت‭ ‬هناك‭ ‬حتى‭ ‬1917،‭ ‬كما‭ ‬قمعت‭ ‬روسيا‭ ‬ما‭ ‬سُمّي‭ ‬بـ»الثورة‭ ‬الدستورية‮»‬‭ (‬1907-1911‭)‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬شنّ‭ ‬البلاشفة‭ ‬غارات‭ ‬على‭ ‬شمال‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1920‭ ‬في‭ ‬انتهاكٍ‭ ‬صارخٍ‭ ‬لسيادتها‭.‬

أما‭ ‬الحروب‭ ‬الروسية‭-‬الفارسية‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬والتاسع‭ ‬عشر‭ ‬فقد‭ ‬خلّفت‭ ‬جراحًا‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬إذ‭ ‬خسرت‭ ‬بلاد‭ ‬فارس‭ ‬خلالها‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬أراضيها،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬مناطق‭ ‬أذرية‭ ‬شكّلت‭ ‬لاحقًا‭ ‬أساس‭ ‬أراضي‭ ‬أرمينيا‭ ‬الحالية‭.‬

التحديات‭ ‬والتناقضات‭ ‬المعاصرة

تسهم‭ ‬التحديات‭ ‬الراهنة‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تعقيد‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فالحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬موسكو‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬لم‭ ‬تحظَ‭ ‬بترحيب‭ ‬واسع‭ ‬داخل‭ ‬إيران،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬شعبية‭ ‬روسيا‭ ‬بين‭ ‬الإيرانيين‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬جزئيًا‭ ‬بإرث‭ ‬الصراعات‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬إيران‭ ‬خلالها‭ ‬أراضيها‭ ‬وسيادتها‭ ‬لصالح‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أثارت‭ ‬قضية‭ ‬تزويد‭ ‬روسيا‭ ‬بطائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬إيرانية‭ ‬جدلًا‭ ‬داخليًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬بعدما‭ ‬أنكرت‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬توريدها‭ ‬ثم‭ ‬أقرت‭ ‬لاحقًا‭ ‬بتسليم‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الإيرانية،‭ ‬حيث‭ ‬وُجهت‭ ‬انتقادات‭ ‬للسياسة‭ ‬الروسية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬وجود‭ ‬نقاشات‭ ‬أعمق‭ ‬داخل‭ ‬النخبة‭ ‬الإيرانية‭ ‬حول‭ ‬مخاطر‭ ‬توطيد‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬موسكو‭.‬

ومؤخرًا،‭ ‬كادت‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬أزمة‭ ‬حادة‭ ‬إثر‭ ‬تصريحات‭ ‬محمد‭ ‬صدر،‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬تشخيص‭ ‬مصلحة‭ ‬النظام،‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬تلفزيونية‭ ‬إن‭ ‬روسيا‭ ‬زوّدت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بمعلومات‭ ‬استخباراتية‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الإيرانية‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬واستمرت‭ ‬12‭ ‬يومًا‭.‬

بحسب‭ ‬الصدر،‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬موسكو‭ ‬عديم‭ ‬الجدوى،‭ ‬وانتقد‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الروسي‭ ‬الذي‭ ‬اقتصر‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬الاستنكار‭ ‬للهجوم‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ولفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬باعت‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬المتطورة‭ ‬إس‭-‬400‭ ‬لتركيا‭ ‬العضوة‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬لكن‭ ‬الصدر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬ودية‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬كدولة‭ ‬جارة،‭ ‬معتبراً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬الوثوق‭ ‬بها‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭.‬

وقد‭ ‬ردّت‭ ‬الخارجية‭ ‬الروسية‭ ‬بلهجة‭ ‬حادة،‭ ‬ووصفت‭ ‬الاتهامات‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬شنيعة‭ ‬وسخيفة‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬صارخ‮»‬،‭ ‬معتبرة‭ ‬تصريحات‭ ‬صدر‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬حملة‭ ‬تضليل‭ ‬منسقة‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوى‭ ‬معادية‭ ‬للبلدين‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬سارعت‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬النأي‭ ‬بنفسها‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التصريحات،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أنها‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬‮«‬رأي‭ ‬شخصي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬عقد‭ ‬لقاء‭ ‬بين‭ ‬الرئيسين‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬ومسعود‭ ‬بيزشكيان‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تيانجين،‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬قمة‭ ‬منظمة‭ ‬شنغهاي‭ ‬للتعاون‭ ‬التي‭ ‬استضافتها‭ ‬الصين‭ ‬مطلع‭ ‬سبتمبر‭.‬

وما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2023‭ ‬كان‭ ‬مثالًا‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬التناقضات‭ ‬الراهنة،‭ ‬عندما‭ ‬استدعت‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬القائم‭ ‬بالأعمال‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬وسلمته‭ ‬مذكرة‭ ‬احتجاج‭ ‬على‭ ‬البيان‭ ‬الختامي‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الدورة‭ ‬السادسة‭ ‬للمنتدى‭ ‬الروسي‭ ‬العربي‭ ‬للتعاون،‭ ‬الذي‭ ‬عقد‭ ‬في‭ ‬مراكش‭. ‬

وذلك‭ ‬لأن‭ ‬تطرق‭ ‬لمسألة‭ ‬الانتماء‭ ‬السيادي‭ ‬لثلاث‭ ‬جزر‭ ‬متنازع‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ (‬طنب‭ ‬الكبرى،‭ ‬وطنب‭ ‬الصغرى،‭ ‬وأبو‭ ‬موسى‭) ‬والتي‭ ‬تطالب‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬والإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬روسيا‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬دعمهم‭ ‬للجهود‭ ‬السلمية،‭ ‬الهادفة‭ ‬للتوصل‭ ‬لحل‭ ‬سلمي‭ ‬لقضية‭ ‬الجزر‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أبلغت‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الروسي‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬ووحدة‭ ‬الأراضي،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬مبدأ‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

بالنسبة‭ ‬لإيران،‭ ‬تعد‭ ‬قضية‭ ‬الجزر‭ ‬الثلاث‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الحساسة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالكرامة‭ ‬الوطنية‭ ‬والعدالة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وهذا‭ ‬الحدث‭ ‬كشف‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬تصبح‭ ‬الشراكة‭ ‬الروسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬هشة‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بقضايا‭ ‬حساسة‭ ‬تخص‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬ووحدة‭ ‬الأراضي‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمرها‭ ‬للاعتراف‭ ‬بسيادة‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم‭ ‬والأقاليم‭ ‬‮«‬الجديدة‮»‬‭ ‬الأربع‭ ‬التي‭ ‬ضمتها،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬الموقف‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬تتخذه‭ ‬طهران‭ ‬تجاه‭ ‬موسكو،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬هناك‭ ‬ضجة‭ ‬أثيرت‭ ‬حول‭ ‬استخدام‭ ‬القاذفات‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬لقاعدة‭ ‬همدان‭ ‬الجوية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬لتوجيه‭ ‬ضربات‭ ‬ضد‭ ‬داعش‭ ‬في‭ ‬سوريا‭. ‬

حينها،‭ ‬أدى‭ ‬إعلان‭ ‬موسكو‭ ‬عن‭ ‬استخدامها‭ ‬لإثارة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الإيراني،‭ ‬لأن‭ ‬الوجود‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬القاعدة‭ ‬العسكرية‭ ‬أثار‭ ‬انطباعات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتدخل‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ (‬1941-1945‭)‬،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬قررت‭ ‬طهران‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬السماح‭ ‬للطيران‭ ‬العسكري‭ ‬الروسي‭ ‬باستخدام‭ ‬القاعدة،‭ ‬كما‭ ‬انتقد‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الإيراني‭ ‬حسين‭ ‬دهقان‭ ‬موسكو‭ ‬بشدة‭ ‬لنشرها‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬استخدامها‭ ‬للقاعدة،‭ ‬والتي‭ ‬فضلت‭ ‬طهران‭ ‬عدم‭ ‬إشاعتها‭ ‬بسبب‭ ‬الردة‭ ‬العامة‭ ‬المحتملة‭.‬

قيود‭ ‬وآفاق‭ ‬التعاون

يظلّ‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬محكومًا‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬البنيوية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكّدته‭ ‬أحداث‭ ‬وتصريحات‭ ‬عديدة،‭ ‬مثل‭ ‬قضية‭ ‬الجزر‭ ‬الثلاث‭ ‬وتصريحات‭ ‬محمد‭ ‬صدر،‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬العميقة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬والنخبة‭ ‬السياسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تجاه‭ ‬موسكو،‭ ‬المستندة‭ ‬إلى‭ ‬إرثٍ‭ ‬تاريخي‭ ‬ثقيل‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تُفاقم‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والانقسامات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬مؤثرة‭ ‬تُعارض‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬بناء‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متماسكة‭.‬

كما‭ ‬تؤثر‭ ‬العوامل‭ ‬الخارجية‭ ‬بقدرٍ‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬فالعقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الصارمة،‭ ‬والضغوط‭ ‬الأوروبية‭ ‬لإعادة‭ ‬فرض‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضرورة‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬جميعها‭ ‬عوامل‭ ‬تدفع‭ ‬موسكو‭ ‬وطهران‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سُبلٍ‭ ‬للتقارب،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تُحدّ‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬وتحوله‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬اضطرارية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬استراتيجية‭.‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬يشكل‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بينهما‭ ‬3‭ ‬إلى‭ ‬4‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ‭ ‬11‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والإمارات،‭ ‬و10‭ ‬مليارات‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬والإمارات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬شهد‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬تطورًا‭ ‬لافتًا‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬نسبة‭ ‬التعاملات‭ ‬بالروبل‭ ‬والريال‭ ‬حاجز‭ ‬95٪‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المعاملات‭ ‬التجارية،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬وتوسيع‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون‭ ‬المالي‭ ‬المباشر‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬سيعتمد‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الجانبين‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬البراغماتية‭ ‬والأيديولوجيا،‭ ‬وبين‭ ‬الإرث‭ ‬التاريخي‭ ‬والتحديات‭ ‬الراهنة،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬عقدة‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادل‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعلاقاتهما‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬أي‭ ‬دفء‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬أحد‭ ‬الشركاء،‭ ‬سواء‭ ‬موسكو‭ ‬أو‭ ‬طهران‭.‬

فكل‭ ‬دفءٍ‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬حلفائها‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬كتهديد‭ ‬محتمل‭ ‬للتحالف‭ ‬القائم،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لتجاهل‭ ‬مصالح‭ ‬الشريك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كسب‭ ‬رضا‭ ‬الغرب‭.‬

وبالتالي،‭ ‬سيعتمد‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬العوامل،‭ ‬أبرزها‭ ‬تطورات‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬ومسار‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني،‭ ‬والسياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬البلدين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الديناميكيات‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬إيران‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ستظل‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬عنصرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والعالم،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬يواصل‭ ‬الطرفان،‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور،‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سُبلٍ‭ ‬لتعزيز‭ ‬التعاون،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬والعقوبات‭ ‬الغربية،‭ ‬وتلاقي‭ ‬رؤيتيهما‭ ‬حول‭ ‬إقامة‭ ‬نظامٍ‭ ‬عالميٍّ‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬يُقلّص‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭.‬

كيريل سيمينوف

باحث في المجلس الروسي للشـــؤون الدوليــــــة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى