مقالات

تغير موقف الصين بعد الصراع بين إيران وإسرائيل والتوقعات المستقبلية

أ.د.سعيد جمال الدين ما يان جه - مختص في الشؤون الصينية

وتسعى‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬تطور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وإيران‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬وإبراز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬بكين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استشراف‭ ‬مستقبل‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الجارية‭.‬

السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬لتطور‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإيرانية‭ ‬

شهدت‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وإيران‭ ‬مسارًا‭ ‬متدرجًا‭ ‬اتسم‭ ‬بتغيّر‭ ‬أولوياته‭ ‬وأشكاله‭ ‬عبر‭ ‬خمسة‭ ‬عقود،‭ ‬تأثر‭ ‬خلالها‭ ‬الجانبان‭ ‬بتحولات‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬عميقة،‭ ‬فمنذ‭ ‬إقامة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بينهما‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬اتخذ‭ ‬التعاون‭ ‬طابعًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ثم‭ ‬تحوّل‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬أحداث‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭.‬

في‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬كانت‭ ‬دوافع‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬النفوذ‭ ‬السوفيتي‭ ‬والهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بقيت‭ ‬محدودة‭ ‬وضعيفة،‭ ‬ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬شهدت‭ ‬العلاقات‭ ‬فتورًا‭ ‬مؤقتًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الدفء‭ ‬تدريجيًا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬حين‭ ‬اتخذت‭ ‬الصين‭ ‬موقف‭ ‬الحياد‭ ‬ورفضت‭ ‬دعم‭ ‬بغداد،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لطهران‭ ‬نافذة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬وسياسيًا‭.‬

ومع‭ ‬نهاية‭ ‬التسعينيات‭ ‬وبداية‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة،‭ ‬دخلت‭ ‬العلاقات‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة،‭ ‬إذ‭ ‬بدأت‭ ‬الصين‭ ‬تستورد‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬وترسّخ‭ ‬حضورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬الحاجة‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬طاقة‭ ‬مستقرة‭ ‬وموثوقة‭.‬

وقد‭ ‬بلغ‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬البلدان‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة،‭ ‬ثم‭ ‬توقيع‭ ‬خطة‭ ‬التعاون‭ ‬الممتدة‭ ‬لخمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عامًا‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬والتي‭ ‬مثّلت‭ ‬مشروعًا‭ ‬طموحًا‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬وتوسيع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬القطاعين‭ ‬الصناعي‭ ‬والطاقي‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭.‬

إلا‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬واجهت‭ ‬قيودًا‭ ‬عملية‭ ‬وسياسية؛‭ ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬العقوبات‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬عقبات‭ ‬أمام‭ ‬طرق‭ ‬التمويل‭ ‬والتجارة،‭ ‬كما‭ ‬أبدت‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬ترددًا‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الإيرانية‭ ‬خشية‭ ‬العقوبات‭ ‬الثانوية‭.‬

ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬تجلّت‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬حدود‭ ‬التعاون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬بكين‭ ‬وطهران،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سعي‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وعدم‭ ‬الإضرار‭ ‬بمصالحها‭ ‬الطاقية‭ ‬والتجارية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

تُظهر‭ ‬هذه‭ ‬الخلفية‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحالفًا‭ ‬ثابتًا،‭ ‬بل‭ ‬علاقة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬حساس‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والحسابات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬عرضة‭ ‬للتكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭.‬

نقطة‭ ‬التحول‭ ‬

مثّل‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬منشآت‭ ‬نووية‭ ‬وصاروخية‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬لحظة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬حيث‭ ‬وجدت‭ ‬بكين‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬احترام‭ ‬شراكتها‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬

فقد‭ ‬سارعت‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬إدانة‭ ‬العدوان‭ ‬بوصفه‭ ‬انتهاكًا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وسيادة‭ ‬الدول،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬ضبط‭ ‬النفس‭ ‬وعدم‭ ‬الانجرار‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬إقليمية‭ ‬واسعة‭.‬

وفي‭ ‬الموقف‭ ‬العملي،‭ ‬تبنّت‭ ‬الصين‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الحياد‭ ‬الحذر؛‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تؤيّد‭ ‬الرد‭ ‬الإيراني‭ ‬العسكري،‭ ‬ولم‭ ‬تلتزم‭ ‬بأي‭ ‬دعم‭ ‬أمني‭ ‬مباشر،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬كثّفت‭ ‬جهودها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لمنع‭ ‬التصعيد‭. ‬

واتصلت‭ ‬بكين‭ ‬بكل‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬وعواصم‭ ‬عربية‭ ‬لإحياء‭ ‬مسار‭ ‬التهدئة،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ومنع‭ ‬تهديد‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬كما‭ ‬قامت‭ ‬بإجلاء‭ ‬مواطنيها‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬خلال‭ ‬48‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬اندلاع‭ ‬المعارك،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬أولويتها‭ ‬القصوى‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬البشرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬داخل‭ ‬المنطقة‭. ‬

وظهر‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬المتوازن‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬مسؤوليها‭ ‬الذين‭ ‬أكدوا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬سلامًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬أرسلت‭ ‬بكين‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬شراكتها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ليست‭ ‬تحالفًا‭ ‬عسكريًا،‭ ‬وأن‭ ‬سياستها‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬باتت‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬قبل‭ ‬الاصطفاف،‭ ‬وعلى‭ ‬حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬التزامات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬استراتيجية‭.‬

دوافع‭ ‬تغيير‭ ‬السياسة‭ ‬الصينية

تكشف‭ ‬التحولات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬انتقال‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الواسع‭ ‬إلى‭ ‬تعاون‭ ‬محسوب‭ ‬ومحدود،‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬البنيوية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الإقليمي‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬هو‭ ‬تنويع‭ ‬بكين‭ ‬لشبكة‭ ‬شركائها‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؛‭ ‬فبعد‭ ‬نجاح‭ ‬التوسط‭ ‬بين‭ ‬الرياض‭ ‬وطهران‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬توسعت‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬كمراكز‭ ‬للطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والتسوية‭ ‬المالية‭ ‬باليوان،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬خفّض‭ ‬من‭ ‬الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬لإيران‭ ‬داخل‭ ‬المعادلة‭ ‬الإقليمية‭ ‬الصينية‭.‬

أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني،‭ ‬فيتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬الصيني،‭ ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬واردات‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬بأسعار‭ ‬منخفضة،‭ ‬كما‭ ‬تحسّن‭ ‬استقرار‭ ‬الإمدادات‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬والعراق،‭ ‬وازدادت‭ ‬حصة‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬محليًا،‭ ‬ما‭ ‬قلّل‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬تقيّده‭ ‬العقوبات‭ ‬وتقلبات‭ ‬السوق‭. ‬

هذا‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬قلّل‭ ‬قدرة‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬الصين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستراتيجية،‭ ‬كما‭ ‬أثّرت‭ ‬الضغوط‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واحتجاجات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتصعيد‭ ‬إقليمي‭ ‬مرتبط‭ ‬بمحور‭ ‬المقاومة‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ ‬بوصفها‭ ‬شريكًا‭ ‬مستدامًا‭ ‬لمشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬ومبادرة‭ ‬‮«‬الحزام‭ ‬والطريق‮»‬،‭ ‬فطبيعة‭ ‬السياسة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬لا‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬نهج‭ ‬الصين‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬وتجنّب‭ ‬المواجهات‭ ‬المباشرة‭.‬

وأخيرًا،‭ ‬تتحرك‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬كقوة‭ ‬دولية‭ ‬صاعدة،‭ ‬فهي‭ ‬تسعى‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬قوة‭ ‬تدعم‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وتوازن‭ ‬بين‭ ‬المشاركة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬وعدم‭ ‬التورط‭ ‬العسكري،‭ ‬لذلك،‭ ‬فضّلت‭ ‬بكين‭ ‬دعم‭ ‬طهران‭ ‬سياسيًا،‭ ‬مع‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬منحها‭ ‬ضمانات‭ ‬أمنية‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬عسكري‭ ‬قد‭ ‬يعرّض‭ ‬مصالح‭ ‬الصين‭ ‬الأوسع‭ ‬للخطر‭.‬

حدود‭ ‬الشراكة‭ ‬والتحديات‭ ‬القائمة‭ ‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإيرانية‭ ‬واتساع‭ ‬نطاقها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والطاقي‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محكومة‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬تمنعها‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحالف‭ ‬الكامل‭.‬

في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬عجز‭ ‬الثقة‭ ‬الاستراتيجية؛‭ ‬فإيران‭ ‬تخشى‭ ‬أن‭ ‬تنظر‭ ‬بكين‭ ‬إليها‭ ‬كأداة‭ ‬ضغط‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بينما‭ ‬ترى‭ ‬الصين‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الإقليمية‭ ‬الإيرانية‭ ‬يصعب‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬أدوار‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬ودعم‭ ‬طهران‭ ‬لحركات‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وتبرز‭ ‬أيضًا‭ ‬المعوقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بوصفها‭ ‬عاملًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬التعاون،‭ ‬فالعقوبات‭ ‬الأميركية‭ ‬المستمرة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬والعمليات‭ ‬المصرفية‭ ‬عملية‭ ‬معقدة‭ ‬ومكلفة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬شركات‭ ‬صينية‭ ‬كبرى‭ ‬إلى‭ ‬التردد‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬للسوق‭ ‬الإيرانية‭ ‬أو‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬التعاون‭ ‬الممتدة‭ ‬لـ25‭ ‬عامًا،‭ ‬كما‭ ‬تعثرت‭ ‬مشاريع‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تتأثر‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بعوامل‭ ‬خارجية‭ ‬تتجاوز‭ ‬إرادة‭ ‬الطرفين،‭ ‬أبرزها‭ ‬الضغوط‭ ‬الأميركية‭ ‬والاصطفافات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الجديدة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬بكين‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بعلاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬ما‭ ‬يحدّ‭ ‬بطبيعته‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تقارب‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري‭ ‬عميق‭ ‬مع‭ ‬طهران‭.‬

وبذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬تعاون‭ ‬براغماتي‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬ثابتة،‭ ‬حيث‭ ‬تسعى‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬إيران‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحمّل‭ ‬كلفة‭ ‬الانحياز‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

الاتجاهات‭ ‬المستقبلية

تُظهر‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وإيران‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭ ‬التعاون‭ ‬المحدود‭ ‬والتوازن‭ ‬الحذر،‭ ‬فبكين،‭ ‬رغم‭ ‬حفاظها‭ ‬على‭ ‬شراكتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬باتت‭ ‬تتجنب‭ ‬ربط‭ ‬مصالحها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بخيارات‭ ‬إيران‭ ‬الإقليمية‭ ‬أو‭ ‬مواقفها‭ ‬التصعيدية،‭ ‬مفضّلة‭ ‬سياسة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬وعدم‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭.‬

ويتوقع‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الطاقي‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬مالية‭ ‬بديلة‭ ‬تقلل‭ ‬أثر‭ ‬العقوبات،‭ ‬مع‭ ‬دعم‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني‭ ‬داخل‭ ‬المنظمات‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬كمنظمة‭ ‬شنغهاي‭ ‬للتعاون‭ ‬ودول‭ ‬البريكس‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬سيظل‭ ‬مضبوطًا‭ ‬بسقف‭ ‬واضح،‭ ‬بدون‭ ‬ضمانات‭ ‬أمنية‭ ‬أو‭ ‬شراكات‭ ‬عسكرية‭ ‬عميقة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يدرك‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني‭ ‬أن‭ ‬مساحة‭ ‬المناورة‭ ‬تتقلص‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنامي‭ ‬علاقات‭ ‬الصين‭ ‬مع‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬ومصر‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬بوصفها‭ ‬شريكًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تعويضه،‭ ‬خصوصًا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الطاقة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والوجود‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬الحزام‭ ‬والطريق‮»‬‭.‬

وبذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬سيتحدد‭ ‬وفق‭ ‬معادلة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬ركائز‭: ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وتجنّب‭ ‬التصعيد‭ ‬الإقليمي،‭ ‬والعمل‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬بدل‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬المغلقة‭.‬

وهو‭ ‬مسار‭ ‬يعكس‭ ‬رؤية‭ ‬صينية‭ ‬أوسع‭ ‬لدور‭ ‬القوة‭ ‬الدولية‭ ‬الصاعدة،‭ ‬حيث‭ ‬تُقدَّم‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والاستقرار‭ ‬على‭ ‬التحالفات‭ ‬الصدامية‭ ‬والانخراط‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭.‬

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى