تغير موقف الصين بعد الصراع بين إيران وإسرائيل والتوقعات المستقبلية
أ.د.سعيد جمال الدين ما يان جه - مختص في الشؤون الصينية
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل تطور العلاقات بين الصين وإيران في ضوء هذه الحرب، وإبراز العوامل التي دفعت بكين إلى إعادة تقييم دورها في الشرق الأوسط، إلى جانب استشراف مستقبل هذه العلاقات في إطار التحولات الجيوسياسية الجارية.
السياق التاريخي لتطور العلاقات الصينية الإيرانية
شهدت العلاقات بين الصين وإيران مسارًا متدرجًا اتسم بتغيّر أولوياته وأشكاله عبر خمسة عقود، تأثر خلالها الجانبان بتحولات دولية وإقليمية عميقة، فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1971، اتخذ التعاون طابعًا سياسيًا في البداية، ثم تحوّل تدريجيًا إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية مع مطلع القرن الحادي والعشرين، قبل أن تكشف أحداث عام 2025 عن حدود هذا التقارب.
في أثناء الحرب الباردة، كانت دوافع التقارب بين البلدين قائمة على مواجهة النفوذ السوفيتي والهيمنة الغربية في المنطقة، غير أن العلاقات الاقتصادية بقيت محدودة وضعيفة، ومع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، شهدت العلاقات فتورًا مؤقتًا قبل أن تعود الدفء تدريجيًا خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين اتخذت الصين موقف الحياد ورفضت دعم بغداد، ما أتاح لطهران نافذة للتعامل مع بكين اقتصاديًا وسياسيًا.
ومع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، دخلت العلاقات مرحلة جديدة، إذ بدأت الصين تستورد النفط الإيراني وترسّخ حضورها الاقتصادي في الأسواق الإيرانية، بالتزامن مع تنامي الحاجة الصينية إلى مصادر طاقة مستقرة وموثوقة.
وقد بلغ هذا التقارب ذروته في عام 2016 حين أعلن البلدان شراكة استراتيجية شاملة، ثم توقيع خطة التعاون الممتدة لخمسة وعشرين عامًا عام 2021، والتي مثّلت مشروعًا طموحًا لإعادة بناء البنى التحتية وتوسيع الاستثمارات الصينية في القطاعين الصناعي والطاقي داخل إيران.
إلا أنّ هذه الشراكة واجهت قيودًا عملية وسياسية؛ فقد فرضت العقوبات الأميركية على إيران عقبات أمام طرق التمويل والتجارة، كما أبدت الشركات الصينية ترددًا في الانخراط الكامل في السوق الإيرانية خشية العقوبات الثانوية.
ومع اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل عام 2025، تجلّت بصورة أوضح حدود التعاون الاستراتيجي بين بكين وطهران، خاصة في ظل سعي الصين إلى الحفاظ على توازن علاقاتها مع دول الخليج وإسرائيل، وعدم الإضرار بمصالحها الطاقية والتجارية واسعة النطاق في المنطقة.
تُظهر هذه الخلفية التاريخية أن العلاقات الصينية الإيرانية لم تكن تحالفًا ثابتًا، بل علاقة قائمة على توازن حساس بين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية، وهو ما يجعلها عرضة للتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية في كل مرحلة.
نقطة التحول
مثّل العدوان الإسرائيلي على منشآت نووية وصاروخية داخل إيران في يونيو 2025 لحظة حاسمة في مسار العلاقات بين البلدين، حيث وجدت بكين نفسها أمام اختبار توازن دقيق بين احترام شراكتها مع طهران من جهة، وحماية مصالحها الواسعة في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
فقد سارعت الصين إلى إدانة العدوان بوصفه انتهاكًا للقانون الدولي وسيادة الدول، لكنها في الوقت ذاته دعت إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وفي الموقف العملي، تبنّت الصين يقوم على الحياد الحذر؛ فهي لم تؤيّد الرد الإيراني العسكري، ولم تلتزم بأي دعم أمني مباشر، لكنها في المقابل كثّفت جهودها الدبلوماسية لمنع التصعيد.
واتصلت بكين بكل من طهران وتل أبيب وعواصم عربية لإحياء مسار التهدئة، مستندة إلى خطاب يركز على الحل السياسي واحترام سيادة الدول ومنع تهديد أمن الطاقة العالمي، كما قامت بإجلاء مواطنيها من إيران خلال 48 ساعة من اندلاع المعارك، في خطوة عكست أولويتها القصوى في حماية مصالحها البشرية والاقتصادية داخل المنطقة.
وظهر هذا النهج المتوازن أيضًا في تصريحات مسؤوليها الذين أكدوا أن «القوة العسكرية لا تنتج سلامًا طويل الأمد»، ومن خلال هذا الموقف، أرسلت بكين إشارة واضحة مفادها أن شراكتها مع إيران ليست تحالفًا عسكريًا، وأن سياستها الشرق أوسطية باتت ترتكز على الاستقرار قبل الاصطفاف، وعلى حماية مصالحها الاقتصادية قبل أي التزامات أيديولوجية أو استراتيجية.
دوافع تغيير السياسة الصينية
تكشف التحولات الأخيرة في الموقف الصيني تجاه إيران عن انتقال واضح من الاعتماد الاستراتيجي الواسع إلى تعاون محسوب ومحدود، ذلك إلى جملة من العوامل البنيوية في السياسة الخارجية والاقتصاد الإقليمي.
أول هذه العوامل هو تنويع بكين لشبكة شركائها في الشرق الأوسط؛ فبعد نجاح التوسط بين الرياض وطهران عام 2023، توسعت العلاقات الصينية مع دول الخليج، وازدادت أهمية السعودية والإمارات كمراكز للطاقة والتجارة والتسوية المالية باليوان، الأمر الذي خفّض من الوزن النسبي لإيران داخل المعادلة الإقليمية الصينية.
أما العامل الثاني، فيتعلق بإعادة تشكيل أمن الطاقة الصيني، فقد ارتفعت واردات بكين من النفط الروسي بأسعار منخفضة، كما تحسّن استقرار الإمدادات من الخليج والعراق، وازدادت حصة الطاقة المتجددة محليًا، ما قلّل اعتمادها على النفط الإيراني الذي تقيّده العقوبات وتقلبات السوق.
هذا التراجع في الاعتماد قلّل قدرة طهران على التأثير في حسابات الصين الاقتصادية والاستراتيجية، كما أثّرت الضغوط الداخلية في إيران من تراجع اقتصادي واحتجاجات اجتماعية وتصعيد إقليمي مرتبط بمحور المقاومة على مكانتها بوصفها شريكًا مستدامًا لمشاريع البنية التحتية ومبادرة «الحزام والطريق»، فطبيعة السياسة الإيرانية في الإقليم لا تتماشى مع نهج الصين القائم على الاستقرار وتجنّب المواجهات المباشرة.
وأخيرًا، تتحرك الصين في ضوء مسؤولياتها كقوة دولية صاعدة، فهي تسعى للحفاظ على صورة قوة تدعم القانون الدولي، وتوازن بين المشاركة الدبلوماسية وعدم التورط العسكري، لذلك، فضّلت بكين دعم طهران سياسيًا، مع الامتناع عن منحها ضمانات أمنية أو دعم عسكري قد يعرّض مصالح الصين الأوسع للخطر.
حدود الشراكة والتحديات القائمة
على الرغم من عمق العلاقات الصينية الإيرانية واتساع نطاقها الاقتصادي والطاقي خلال العقدين الماضيين، فإن هذه الشراكة لا تزال محكومة بجملة من القيود التي تمنعها من الوصول إلى مستوى التحالف الكامل.
في مقدمة هذه التحديات عجز الثقة الاستراتيجية؛ فإيران تخشى أن تنظر بكين إليها كأداة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، بينما ترى الصين أن السياسة الإقليمية الإيرانية يصعب التنبؤ بها، خصوصًا في ظل تصاعد أدوار الحرس الثوري ودعم طهران لحركات مسلحة في المنطقة.
وتبرز أيضًا المعوقات الاقتصادية بوصفها عاملًا مؤثرًا في الحد من تقدم التعاون، فالعقوبات الأميركية المستمرة تجعل من التمويل والعمليات المصرفية عملية معقدة ومكلفة، ما دفع شركات صينية كبرى إلى التردد في الدخول للسوق الإيرانية أو تنفيذ المشاريع المتفق عليها. ونتيجة لذلك، لم يتحقق سوى جزء محدود من اتفاقية التعاون الممتدة لـ25 عامًا، كما تعثرت مشاريع حيوية مثل شبكات الاتصالات والبنية التحتية.
إلى جانب ذلك، تتأثر العلاقات الصينية الإيرانية بعوامل خارجية تتجاوز إرادة الطرفين، أبرزها الضغوط الأميركية والاصطفافات الإقليمية الجديدة، فضلًا عن حاجة بكين للاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع دول الخليج وإسرائيل، ما يحدّ بطبيعته من أي تقارب سياسي أو عسكري عميق مع طهران.
وبذلك، تبدو العلاقة بين البلدين قائمة على تعاون براغماتي أكثر منها شراكة استراتيجية ثابتة، حيث تسعى الصين إلى الاستفادة من قدرات إيران دون أن تتحمّل كلفة الانحياز لها في صراعات الشرق الأوسط.
الاتجاهات المستقبلية
تُظهر التطورات التي رافقت الحرب الإيرانية الإسرائيلية عام 2025 أن العلاقات بين الصين وإيران دخلت مرحلة جديدة عنوانها التعاون المحدود والتوازن الحذر، فبكين، رغم حفاظها على شراكتها السياسية والاقتصادية مع طهران، باتت تتجنب ربط مصالحها الاستراتيجية بخيارات إيران الإقليمية أو مواقفها التصعيدية، مفضّلة سياسة تقوم على الاستقرار وعدم التورط في الصراعات.
ويتوقع أن تستمر الصين في تعزيز التعاون الطاقي والبنية التحتية مع إيران عبر قنوات مالية بديلة تقلل أثر العقوبات، مع دعم الدور الإيراني داخل المنظمات متعددة الأطراف كمنظمة شنغهاي للتعاون ودول البريكس. إلا أن هذا التعاون سيظل مضبوطًا بسقف واضح، بدون ضمانات أمنية أو شراكات عسكرية عميقة.
وفي المقابل، يدرك صانع القرار الإيراني أن مساحة المناورة تتقلص في ظل تنامي علاقات الصين مع السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل، ما يدفعه إلى محاولة الحفاظ على الصين بوصفها شريكًا استراتيجيًا لا يمكن تعويضه، خصوصًا على صعيد الطاقة والتكنولوجيا والوجود في مبادرة «الحزام والطريق».
وبذلك، يمكن القول إن مستقبل العلاقة بين الجانبين سيتحدد وفق معادلة تقوم على ثلاث ركائز: الحفاظ على المصالح الاقتصادية، وتجنّب التصعيد الإقليمي، والعمل ضمن أطر متعددة الأطراف بدل العلاقات الثنائية المغلقة.
وهو مسار يعكس رؤية صينية أوسع لدور القوة الدولية الصاعدة، حيث تُقدَّم الدبلوماسية والاستقرار على التحالفات الصدامية والانخراط العسكري المباشر.



