مقالات

رؤية إيران لعالم متعدد الأقطاب وجهودها لبناء توازن قوى خارج النفوذ الأمريكي

د. أحمد فتحي هنداوي - مختص في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية

تكوّنت‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ضمن‭ ‬سياقٍ‭ ‬تاريخيٍّ‭ ‬معقّدٍ‭ ‬صاغ‭ ‬وعيها‭ ‬الجمعي‭ ‬وعمّق‭ ‬حذرها‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وهو‭ ‬إرث‭ ‬ممتدّ‭ ‬تعود‭ ‬جذوره‭ ‬إلى‭ ‬قرونٍ‭ ‬من‭ ‬الغزوات‭ ‬والضغوط‭ ‬التي‭ ‬خلّفت‭ ‬ندوبًا‭ ‬غائرة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الإيرانية‭.‬

فمنذ‭ ‬الاجتياحات‭ ‬الروسية‭ ‬والبريطانية‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الماضيين،‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬اقتطاع‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭ ‬وفرض‭ ‬معاهدات‭ ‬غير‭ ‬متكافئة،‭ ‬مرورًا‭ ‬بانقلاب‭ ‬وكالة‭ ‬المخابرات‭ ‬المركزية‭ ‬الأميركية‭ ‬عام‭ ‬1953‭ ‬الذي‭ ‬أطاح‭ ‬بحكومة‭ ‬محمد‭ ‬مصدق‭ ‬المنتخبة‭ ‬ديمقراطيًّا‭ ‬بعد‭ ‬قراره‭ ‬بتأميم‭ ‬النفط،‭ ‬ترسّخ‭ ‬لدى‭ ‬الإيرانيين‭ ‬شعورٌ‭ ‬عميق‭ ‬بعدم‭ ‬الثقة‭ ‬تجاه‭ ‬القوى‭ ‬الغربية،‭ ‬وبوجهٍ‭ ‬خاص‭ ‬تجاه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ذكرى‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬الذي‭ ‬بنيت‭ ‬عليه‭ ‬هوية‭ ‬إيران‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬الشيطان‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬رأس‭ ‬الهيمنة‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬تشكل‭ ‬دافعها‭ ‬العميق‭ ‬نحو‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ومقاومة‭ ‬الهيمنة‭ ‬بأشكالها‭ ‬كافة‭.‬

لقد‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬الخلفية‭ ‬التاريخية‭ ‬إيران،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬والتي‭ ‬حملت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬لا‭ ‬شرقية‭ ‬ولا‭ ‬غربية‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬لإيجاد‭ ‬مسار‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬للقوى‭ ‬العظمى‭ ‬الدولية‭.‬

إذ‭ ‬عبَّر‭ ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬الكامل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التبعية،‭ ‬ورفضاً‭ ‬قاطعاً‭ ‬للقطبين‭ ‬السائدين‭ ‬آنذاك‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‮»‬،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬إيران‭ ‬بتأكيد‭ ‬استقلاليتها،‭ ‬بل‭ ‬سعت‭ ‬جاهدة‭ ‬لترسيخ‭ ‬نفسها‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬وعالمية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها‭. ‬

ترى‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬المتعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬تراجعًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬وصعود‭ ‬قوى‭ ‬دولية‭ ‬جديدة‭ ‬كالصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬الإطار‭ ‬الأنسب‭ ‬لضمان‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭ ‬وصون‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭.‬

فهي‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم،‭ ‬الذي‭ ‬تتزعمه‭ ‬واشنطن‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬بوصفه‭ ‬نظاماً‭ ‬معادياً‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬قدراتها‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وتطويق‭ ‬نفوذها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وتقويض‭ ‬شرعيتها‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭.‬

وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك،‭ ‬تبنّت‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬ومتعددة‭ ‬المسارات،‭ ‬تسعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إلى‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬العالمية،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

وترتكز‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭: ‬تعميق‭ ‬الشراكات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة،‭ ‬وتوسيع‭ ‬شبكة‭ ‬التحالفات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وتفعيل‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القوة‭ ‬الصلبة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬ابتكار‭ ‬آليات‭ ‬مالية‭ ‬وتجارية‭ ‬جديدة‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬والعقوبات‭ ‬الغربية،‭ ‬بما‭ ‬يمنحها‭ ‬هامشًا‭ ‬أوسع‭ ‬للمناورة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬تتّسم‭ ‬بالتحوّل‭ ‬المستمر‭.‬

أركان‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لبناء‭ ‬توازن‭ ‬قوى‭ ‬جديد

يُعَدّ‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التحوّل‭ ‬الجذري‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬التوجّه‭ ‬شرقًا‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬تحوّل‭ ‬استراتيجي‭ ‬جوهري‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬كونه‭ ‬تكتيكًا‭ ‬مرحليًا،‭ ‬بل‭ ‬يشكّل‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬شاملة‭ ‬للمحور‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الإيراني‭.‬

فقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬إيران‭ ‬شعارها‭ ‬الثوري‭ ‬القديم‭ ‬‮«‬لا‭ ‬شرقية‭ ‬ولا‭ ‬غربية‮»‬،‭ ‬لتتجه‭ ‬بقوة‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الشرقية‭ ‬الصاعدة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭.‬

وترى‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬صعود‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬يمنحها‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لتقليص‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬نظامٍ‭ ‬عالميٍّ‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا،‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬إرادتها‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬الدول‭.‬

وقد‭ ‬عمّقت‭ ‬إيران‭ ‬تعاونها‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬وموسكو‭ ‬عبر‭ ‬شراكاتٍ‭ ‬استراتيجيةٍ‭ ‬متعدّدة‭ ‬الأبعاد‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬تمتدّ‭ ‬لتشمل‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني‭ ‬أيضًا‭.‬

تُعدّ‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬الصينية،‭ ‬التي‭ ‬تُشارك‭ ‬فيها‭ ‬إيران،‭ ‬نموذجًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬سعي‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬الصين‭ ‬لتعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬الدولية‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬عليها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تعمل‭ ‬إيران‭ ‬بنشاط‭ ‬على‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬التي‭ ‬تراها‭ ‬بدائل‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الغرب،‭ ‬مثل‭ ‬منظمة‭ ‬شنغهاي‭ ‬للتعاون‭ ‬ومجموعة‭ ‬بريكس،‭ ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬رغبةً‭ ‬إيرانية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬التحالفات‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬الغربي‭ ‬التقليدي،‭ ‬بما‭ ‬يرسّخ‭ ‬موقعها‭ ‬ضمن‭ ‬القوى‭ ‬الساعية‭ ‬إلى‭ ‬نظامٍ‭ ‬عالميٍّ‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬وعدالة‭.‬

أما‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الصيني،‭ ‬فإن‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬يُعدّ‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزّأ‭ ‬من‭ ‬استراتيجيةٍ‭ ‬أشمل‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والجيوسياسي‭ ‬لبكين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتُعدّ‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الممتدة‭ ‬لـ‭ ‬25‭ ‬عامًا،‭ ‬التي‭ ‬وُقّعت‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬دليلًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه،‭ ‬فالاتفاقية‭ ‬تتضمن‭ ‬استثماراتٍ‭ ‬صينيةً‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬مقابل‭ ‬إمداداتٍ‭ ‬نفطيةٍ‭ ‬مستقرة‭ ‬بأسعارٍ‭ ‬تفضيلية‭.‬

وبذلك‭ ‬تُتيح‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬لطهران‭ ‬تصدير‭ ‬نفطها‭ ‬رغم‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وتوفّر‭ ‬لها‭ ‬شريان‭ ‬حياةٍ‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬حيويًّا‭ ‬يعزّز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لروسيا،‭ ‬فقد‭ ‬تطوّر‭ ‬التعاون‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬شراكةٍ‭ ‬استراتيجيةٍ‭ ‬متقدّمة‭ ‬في‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الساحات،‭ ‬أبرزها‭ ‬سوريا،‭ ‬حيث‭ ‬عمل‭ ‬البلدان‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬نظام‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬في‭ ‬تنسيقٍ‭ ‬عسكريٍّ‭ ‬واستخباراتيٍّ‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

وامتدّ‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬ليشمل‭ ‬تدريباتٍ‭ ‬بحريةً‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬عُمان،‭ ‬وصفقات‭ ‬تسليحٍ‭ ‬متطورة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬موسكو‭ ‬قدّمت‭ ‬بيانات‭ ‬أقمارٍ‭ ‬صناعية‭ ‬للحوثيين‭ ‬عبر‭ ‬وسطاء‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬كما‭ ‬لعب‭ ‬فيكتور‭ ‬بوت‭ ‬‮«‬‭ ‬تاجر‭ ‬الأسلحة‭ ‬والسياسي‭ ‬الروسي‭ ‬المعروف‮»‬‭  ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬صفقات‭ ‬أسلحةٍ‭ ‬خفيفة‭ ‬لصالحهم‭.‬

وتمنح‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬عقوباتٍ‭ ‬غربيةً‭ ‬مشدّدة،‭ ‬إيرانَ‭ ‬قدرةً‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬تحدي‭ ‬منظومة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية،‭ ‬وإظهار‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬تحالفاتٍ‭ ‬قويةٍ‭ ‬وفاعلةٍ‭ ‬خارج‭ ‬الفلك‭ ‬الغربي‭ ‬التقليدي‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬فتعتمد‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬موازية‭ ‬تعرف‭ ‬باسم‭ -‬محور‭ ‬المقاومة‭-‬،‭ ‬والذي‭ ‬يضم‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬وغير‭ ‬الدول،‭ ‬مثل‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وحركة‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬والحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬وغيرها‭. ‬

وتقدّم‭ ‬طهران‭ ‬لهذه‭ ‬الأطراف‭ ‬دعمًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬وماليًا‭ ‬وعسكريًا،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬ممارسة‭ ‬نفوذٍ‭ ‬إقليميٍّ‭ ‬فاعلٍ،‭ ‬ومواجهة‭ ‬خصومها‭ ‬الرئيسيين‭ – ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬والمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ – ‬دون‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهةٍ‭ ‬عسكريةٍ‭ ‬مباشرة‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬لم‭ ‬تُهمِل‭ ‬إيران‭ ‬البُعد‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬بل‭ ‬انخرطت‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬تقاربٍ‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬منافسة،‭ ‬مثل‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬بوساطةٍ‭ ‬صينيةٍ‭ ‬فاعلة،‭ ‬وتستهدف‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬تخفيف‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وتقليص‭ ‬مبررات‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بما‭ ‬يُعزّز‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬قادرةٌ‭ ‬على‭ ‬حلّ‭ ‬خلافاتها‭ ‬بنفسها،‭ ‬ويساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نظامٍ‭ ‬إقليميٍّ‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالية‭ ‬عن‭ ‬واشنطن‭.‬

كما‭ ‬تُعد‭ ‬رؤية‭ ‬إيران‭ ‬لعالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬أيضاً‭ ‬استجابة‭ ‬مباشرة‭ ‬لسياسة‭ -‬الضغط‭ ‬الأقصى‭- ‬التي‭ ‬انتهجتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والعقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬عليها،‭ ‬إذ‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬التي‭ ‬تُعيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتُعمق‭ ‬العزلة‭ ‬الدولية،‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬مع‭ ‬شركائها‭ ‬لتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬مما‭ ‬يُظهر‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُشكل‭ ‬مسارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭.‬

وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬إيران‭ ‬ماهرة‭ ‬في‭ ‬التحايل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات،‭ ‬غالباً‭ ‬بمساعدة‭ ‬روسيا‭ ‬والصين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬شركات‭ ‬واجهة‭ ‬وعمليات‭ ‬سرية‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬والسلع،‭ ‬حيث‭ ‬تُعد‭ ‬هذه‭ ‬التكتيكات‭ ‬ضرورية‭ ‬لبقاء‭ ‬إيران‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬وسيلة‭ ‬لإثبات‭ ‬مرونتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الإكراه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وإظهار‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأداة‭ ‬الفعالة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

تحديات‭ ‬وقيود‭ ‬على‭ ‬الطموحات‭ ‬الإيرانية

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬النجاحات‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬استراتيجيتها،‭ ‬فإن‭ ‬طريقها‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬تحدياتٍ‭ ‬جوهريةٍ‭ ‬وقيودٍ‭ ‬بنيوية‭ ‬قد‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المضيّ‭ ‬قدمًا‭ ‬في‭ ‬طموحاتها‭.‬

فالاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬يواجه‭ ‬أزمةً‭ ‬خانقةً‭ ‬تتجلّى‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬تضخّمٍ‭ ‬مرتفعة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستوياتٍ‭ ‬قياسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الانخفاض‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬وتصاعد‭ ‬حالة‭ ‬السخط‭ ‬الشعبي‭.‬

وهذه‭ ‬الأزمات‭ ‬الداخلية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬معالجتها‭ ‬عبر‭ ‬التوجهات‭ ‬الخارجية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تُلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬بتنفيذ‭ ‬سياساته‭ ‬الخارجية‭ ‬الطموحة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الضغوط‭ ‬الداخلية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬شراكات‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬ليست‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬توافقٍ‭ ‬أيديولوجيٍّ‭ ‬أو‭ ‬تحالفٍ‭ ‬مبدئيٍّ‭ ‬عميق،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬شراكاتٌ‭ ‬براغماتية‭ ‬محكومة‭ ‬بحسابات‭ ‬المصالح‭ ‬المتبادلة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

فكلتا‭ ‬الدولتين‭ ‬تُقدّمان‭ ‬مصالحهما‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مصالح‭ ‬طهران،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬التبعية‭ ‬الجزئية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الشراكة‭ ‬المتكافئة‭.‬

فالصين،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تهتم‭ ‬باستقرار‭ ‬تدفق‭ ‬النفط،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬مستعدة‭ ‬للمخاطرة‭ ‬بعلاقاتها‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬دعم‭ ‬إيران‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬

أما‭ ‬روسيا،‭ ‬فرغم‭ ‬كونها‭ ‬شريكًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الملفات،‭ ‬فإنها‭ ‬تُعَدّ‭ ‬أيضًا‭ ‬منافسًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭.‬

ولم‭ ‬تُبدِ‭ ‬موسكو‭ ‬استعدادًا‭ ‬لدعم‭ ‬تطوير‭ ‬الموارد‭ ‬النفطية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬الإيرانية‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ – ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصين‭ – ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬خصوماتٍ‭ ‬كبيرة‭ ‬بعد‭ ‬حظر‭ ‬صادراتها‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬كما‭ ‬تُعارض‭ ‬روسيا‭ ‬أي‭ ‬تعاونٍ‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬ودول‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق‭ ‬مثل‭ ‬أرمينيا‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يُمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬إيران‭ ‬تواجه‭ ‬خطر‭ ‬التحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أداةٍ‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فاعلًا‭ ‬مستقلًّا‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬الجديدة‭.‬

جدلية‭ ‬البقاء‭ ‬بين‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬والبراغماتية

في‭ ‬الختام،‭ ‬تسعى‭ ‬إيران‭ ‬ببراغماتيةٍ‭ ‬واضحة‭  ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬العالمية‭ ‬نحو‭ ‬تعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬لكسر‭ ‬عزلتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭ ‬يُقدَّم‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬يعكس‭ ‬استراتيجية‭ ‬براغماتية‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغربية‭ ‬المتواصلة‭.‬

ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬التفاعل‭ ‬الجدلي‭ ‬بين‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الثورية‭ ‬والضرورات‭ ‬البراغماتية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وهو‭ ‬تفاعل‭ ‬يتجلّى‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الشرقية‭ ‬وتقاربها‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬خصومها‭ ‬الإقليميين‭.‬

فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الثورية‭ ‬الإيرانية‭ – ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬مناهضة‭ ‬الإمبريالية،‭ ‬ورفض‭ ‬الصهيونية،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬المستضعفين،‭ ‬وتصدير‭ ‬الثورة‭ – ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬الإطار‭ ‬النظري‭ ‬الثابت‭ ‬لسياستها‭ ‬الخارجية،‭ ‬فإن‭ ‬آليات‭ ‬تطبيقها‭ ‬تتغيّر‭ ‬وفقًا‭ ‬للظروف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

إذ‭ ‬تُظهر‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭ ‬نموذج‭ ‬جدلي‭ ‬معقد‭ ‬بين‭ ‬المُثل‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬الهيمنة،‭ ‬والواقع‭ ‬العملي‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬مبادئها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭.‬

وقد‭ ‬مكّنها‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفوذها‭ ‬الإقليمي‭ ‬رغم‭ ‬عزلتها‭ ‬الطويلة،‭ ‬ويسمح‭ ‬لها‭ ‬اليوم‭ ‬بالانخراط‭ ‬النشط‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬غير‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نظامٍ‭ ‬دوليٍّ‭ ‬آخذٍ‭ ‬في‭ ‬التشكّل‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬سيبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مفتوحاً‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬إيران‭ ‬ستنجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬رؤيتها‭ ‬لتكون‭ ‬قوة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬أم‭ ‬ستظل‭ ‬أسيرة‭ ‬للعبة‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين؟‭.‬

أحمد هنداوي

مختص في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى