يوم الأسير و”أشناب” الضيق

أمير مخول

في العربية، تعني مفردة الأشناب جمع شنب بمعنيَيْه؛ صفاء الأسنان والثغرة، أو الشارِبَين. وفي العبرية هناك عدة معان لكلمة “أشناب”، وأكثرها شيوعا هو الطاقة أو الفتحة الصغيرة في الباب، أو الجدار، وكذلك موقع موظف الاستقبال في مكتب البريد، أو المصرف، لتتم المعاملات من خلال فتحة صغيرة في حاجز زجاجي يجلس من خلفه.

أما في السجون فهي فتحة مستطيلة الشكل، بطول نحو 40 سم وبارتفاع نحو 15 سم، تتوسّط البوابة الحديدية للزنزانة التي يقيم فيها قسرا ستة أسرى، بينما تضاعف العدد مرتين ونصف منذ الحرب على غزة.

يتحكم السجان بهذه “الطاقة” الصغيرة والتي تغلَق من خارج الزنزانة، ويقوم بإغلاقها وتثبيت ذلك بالأقفال، سواء في ساعات الليل، أو تحضيرا لقمع مخطط للأسرى. وقد يفتحها كي يمدّ كل أسير يديه خارجها، ليقوم السجان المحميّ بضيق الفتحة، بتقييدهما بقيد فولاذيّ، أو إمعانا بالقمع بقيد بلاستيكي محكَم، يفصل اليدين عن الدورة الدموية للجسم، وذلك استعدادا لاقتحام الزنازين واحتجاز الأسرى داخلها مقيّدين، أو للتفتيش بعد إخراج الأسرى إلى ساحة القسم المحاصرة بالجدران والأسلاك وأجهزة الرقابة إلى حين انتهاء عملية التفتيش.

على مرّ السنين قامت الحركة الأسيرة بتعريب التسمية، لتسهيل استخدامها، وذلك بإضافة “أل التعريف” لتصبح “الأشناب”، وهناك الكثير من منظومات القهر الاحتلالي، تم تعريبها بالطريقة ذاتها ومن أشهرها “المحسوم” (الحاجز)، التي تم جمعها لتصبح “المحاسيم”.

للأشناب وظائف عديدة، ومنها إدخال المواد التموينية اليومية التي باتت حاليا نادرة، نتيجة لحرب الانتقام من الأسرى، وإن أراد شاويش الساحة المسؤول من قبل الأسرى عن “المردوان”، أي مجموعة العاملين تطوّعا في الساحة لتوفير الخدمات لزملائهم الأسرى، توزيع بعض المؤن، ينادي بصوت عال على الأسرى في الزنازين، بأن يضعوا إناء أو صحنا على طرف الأشناب ليقوم بتوزيع المؤن بالتساوي على الزنازين، وفقا لعدد الأسرى في كل منها في ذلك اليوم، وفي زمن وكجزء منها أُلغيت وظيفة الشاويش، ووظيفة المردوان، وممثّل المعتقل بمفهومها التاريخي، ومعظمها كانت من رموز الإدارة الذاتية للأسرى لشؤونهم الحياتية الاعتقالية الداخلية اليومية.

أما وظيفة “الأشناب” في ساعات المساء والليل، وبخاصة في فصل الصيف القائظ؛ فهي تشكل فسحة لنسمة خفيّة عابرة في حال نجحت بالتسلل إلى الساحة كي تدخل الزنزانة وتبرّد روح الأسرى ولو شعوريا أكثر منه جسديا، وكي يخرج منها بعضٌ من احتباس القيظ الذي يحتلّ جدران الزنانة وأجوائها الخانقة الرطبة. في الشتاء يسعى الأسرى إلى إغلاقها بخيط يمدونه إلى حيث قفل السجان، ويرفعون بابها الفولاذي السميك، كي يحموا أنفسهم من اجتياح برد الشتاء القارس، إلى حين أن يتنبه السجان، الذي يفتحها مجددا.

في يوم الأسير الحالي 17 نيسان/ أبريل، فإن الأشناب قد ضاق أكثر من ضيقه، وبات السجان يكرر فتحه وإغلاقه وفقا لعدد القمع، وممارسات القهر الانتقامي، وعلى مقاس نواياه. حوّلوا الأشناب إلى أداة خنق بروح الوزير بن غفير، ولا فتحة فيها للروح الأسيرة التي تصبو لحريتها خارج السجن ولممارستها داخله إلى حين ساعة الفرج والانعتاق، ولا مواد تموينية ولا فواكه ولا خضار ولا طعام ولا رسالة. لا شيء يدخل منها سوى القهر وحرب قتل الروح وتلاشي الجسد، ولا شيء يخرج منها سوى يدا الأسير استعدادا للقيد، وانتظارا للمجهول في مسارات القهر.

لا شيء يحدث بالصدفة أو عن طريق الخطأ، وإنما ضمن مخططات هندسة القهر، وفي مسعى لجعل حلم الأسير لا يتجاوز نطاق الأشناب، ولا يحلم إلا بفتحه أو إغلاقه بانتظار ما في نوايا السجان. وهذا الإغلاق أصبح وقتا مشتهى يستغله لبعض الراحة إلى حين تبدأ ضوضاء القهر، فلِلقهر في السجن صوت وجلبة على وقع السلاسل واندفاع الكلاب الشرسة في أيدي السجانين ليطلقوا لها العنان على الأسرى، وتتبعها القنابل الغازية وصوت الهراوات تهوي على الأجساد الأسيرة التي تكون مكبّلة اليدين، وفي الكثير من الحالات مكبلة الرجلين ومعصوبة العينين.

الشيء الوحيد الذي لا صوت له، هو القلق، فالقلق صامت وخانق؛ قلق عائلة الأسير عليه، فلا زيارة عائلية، ولا زيارة ممثلي الصليب الأحمر، وتضييق، ومنع زيارات المحامين، ولا علم لهم أين وكيف، إلا أن الأسرى أدرى بشعاب الحياة في مساحات القهر الشاسعة، وهم الأدرى بشعاب الطرق لإيصال رسالة أو خبر، وحينما أسأل أمّ أسير، أو شقيقة أو شقيق أسير، أو ابنة أو والد أسير، وما يصل من شهادات معتقلين وأسرى تم تحريرهم مؤخرا؛ أصطدم بلغة جديدة، يبدأ فيها الرد من الوزن، كأن يكون الرد بأن الأسير قد فقد 25 كغم من وزنه، أو 15 إن كان محظوظا!

يتحدثون عن الجوع أو بالأحرى عن التجويع، عن القمع والقامعين، عن ملابسه التي لم يغيرها منذ أشهر، عن فرشاة الأسنان التي اختفت من الوجود وتلتها أوجاع الأسنان واللاعلاج، وعن الاستحمام وغسل الملابس الداخلية ذاتها، التي يرتديها رطبة لتلحق به الأمراض الجلدية الخطيرة، عن النوم جماعيا على مصطبة الزنزانة من دون غطاء أو وسادة أو أي شيء. عن قصص الأسرى الذين قتلهم التعذيب أمام ناظرهم، عن الأسير الذي يخرجونه للتحقيق ليعود بعد أيام وقد بُترت رجله أو يده، وعمّن لم يعودوا أبدا. يتحدثون عن بكاء القهر ولا عيب بالبكاء حتى ولو جاء من الأسرى القدامى المحكومين بالسجن مدى الحياة، والذين كانوا يلجؤون إلى الروتين اليومي في حياتهم الاعتقالية وذلك لحماية توازناتهم الداخلية الذهنية والشعورية، فأصبحوا عرضة لسياسة الإذلال في كل لحظة، فباتت مشاعرهم مشتتة، وأذهانهم يخنقها القهر الجديد، وباتت الأحلام تتقلّص واللايقين سيّد الحال.

يسعى الأسرى كما الأسيرات إلى التقليل من وقع القهر، فيما يرشح عنهم أمام عائلاتهم، فللحركة الأسيرة تقليد الطمأنة للعائلة المقربة، يبثون لها المعنويات كي يخففوا من قلقها، ويحتمون بمعنوياتها، إلا أن القليل الذي يرشح يؤكد أن الأسرى ليسوا بخير في هذه الأيام، حتى وإن صمدوا معنويا.

قبل نحو ثلاثة أعوام، كان هنالك نفق حرية من صنع إرادة الأسرى، ومن تحت الأرض عانقت المعنويات السماوات، أما اليوم فإنهم أمام أشناب قهر خانق يحاصرهم كما لم يحاصرهم يوما، ويسعى إلى الانتقام منهم وتعذيبهم حتى الموت.

يأتي يوم الأسير هذا العام على وقع الفقدان الكبير للأسير وليد دقة، وهو الذي خرج حضوره ليبقى وليملأ مساحات كبرى محررة في الثقافة والهوية والوجدان. لا يزال جثمانه محتجزا لدى منظومة القهر والانتقام، ولا تزال الأسرة والعائلة تعانيان من المنظومة ذاتها التي تسعى إلى استنزاف مشاعر جميع أفرادها.

وليد بإنتاجه الأدبي والمعرفي الغزير، كان يعتمد الأشناب مكانا ومتنفّسا للكتابة عن العالم الموازي الكبير، ومن أشناب الضيق صنع أفقا باقيا.

(المصدر: عرب ٤٨)