التطبيع مع إسرائيل هو انتحار سياسي

د. محمد مكرم البلعاوي/ ترجمة: منتدى آسيا والشرق الأوسط

أثار كشف وزارة الخارجية الإسرائيلية في نهاية أغسطس الماضي عن لقاء سري بين وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين ونظيرته الليبية نجلاء المنقوش في روما، مما أثار ردود فعل داخلية وخارجية قوية رغم غياب العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأدى ذلك إلى استدعاء كوهين من قبل السفير الأمريكي لدى إسرائيل، وتسليمه اعتراض الإدارة الأمريكية على التسريب واتهام الحكومة الإسرائيلية بتقويض جهود واشنطن لتعزيز التطبيع مع الدول الأخرى.

إن غضب الرأي العام الليبي ورفضه للتطبيع مع الدولة الصهيونية بكافة جوانبه، وضجة أحدثها هذا التسريب، تكشف أن دولة الاحتلال لا تعتمد على نفسها لتعزيز وجودها وعلاقاتها مع الدول الأخرى. وبدلا من ذلك، فهو يرتبط دائما ويعتمد على عوامل خارجية، سواء القوى الاستعمارية الأوروبية التي أنشأته أو الرعاية الحالية من قبل الولايات المتحدة. إن تطبيع الدول العربية والإسلامية مع نظام الاحتلال جاء بضغوط من الولايات المتحدة، ولولا ضغوطها وإغراءاتها لما اعترفت هذه الدول بإسرائيل وأقامت علاقات معها. لذلك يمكننا أن نفهم الانزعاج الكبير للإدارة الأمريكية من هذا التسريب واتهامها لكوهين بتقويض جهودها.

إن الخلاف حول هذا التسريب ليس الأول من نوعه، إذ إن العلاقة بين النخبة الحاكمة الحالية في الدولة الصهيونية، التي أصبحت دولة دينية يمينية متطرفة، والدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة – سواء يهودية أو غير يهودية – هي علاقة متوترة. وتتميز بحالة من التوتر الشديد النابعة من رؤية النخبة الأمريكية والصهيونية الغربية بأن الإسرائيليين يحاولون تغيير الطبيعة التي قامت عليها دولة إسرائيل.

وتحاول هذه النخبة تعديل سلوك الحكومة الإسرائيلية التي أصبحت أكثر تديناً بالمعنى التقليدي، وبعيدة عن النموذج الغربي. ومع ذلك، فإن النخب الأمريكية والغربية مستمرة في دعم الاحتلال دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً لأنه في جوهره مشروع غربي. وليس هناك دليل أفضل على ذلك من تصريح الرئيس الأميركي جو بايدن خلال لقائه بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ: «لو لم تكن إسرائيل موجودة لكان علينا اختراعها». ورغم هذا الخلاف، تواصل إدارة بايدن ممارسة الضغوط على الدول العربية والإسلامية لتطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية.

والغضب الأميركي مقنع تماما لأنه يعرض حكومة رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد دبيبة للخطر، وقد يتسبب في عدم استقرار داخلي في بلد يصعب وصفه بأنه مستقر. ومن الصعب التصديق أن وزيرة الخارجية الليبية أجرت اللقاء بمبادرة منها. لكن تسريب الحدث وردود الفعل الغاضبة والخوف من تأثيره على المشهد الليبي غير المستقر، دفع رئيس الوزراء إلى إلقاء اللوم على المنقوش.

ويمكننا أن نفهم مبادرة رئيس الوزراء الليبي لامتصاص الغضب الناجم عن التسريب من خلال الحديث عن تشكيل لجنة تحقيق وزيارة السفارة الفلسطينية في طرابلس حيث أعلن إقالة المنقوش. إنه يوضح أن التطبيع مع الاحتلال ليس خيارًا شعبيًا أو طبيعيًا، بل هو خيار نخبة تعتقد أن الولايات المتحدة تملك كل الأوراق.

ويهدف إقامة العلاقات مع دولة الاحتلال إلى تحسين العلاقات مع واشنطن لاعتبارات محلية. وقد رأينا وضعاً مماثلاً في السودان بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، حيث سارع مختلف القادة السودانيين، بما في ذلك رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، لاستقبال الوفود الإسرائيلية وتبادل الزيارات وإقامة علاقات. ومع ذلك، لم يؤد ذلك إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار، مما أدى إلى إغراق البلاد في حرب داخلية شرسة.

وعلى الرغم من أن القيادة السودانية كانت تأمل في تحسين الوضع الاقتصادي وإضفاء الشرعية على النظام الحاكم من خلال التطبيع وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، إلا أن العكس قد حدث. نستطيع أن نقول بكل ثقة أن السودان يمر بأسوأ مرحلة في تاريخه.

وهذا يقودنا إلى القول، دون أدنى شك، إن قرار التطبيع يفتقر إلى الشرعية الشعبية، وستكون له تداعيات داخلية خطيرة على نظام الحكم على المدى المتوسط والبعيد. وذلك لأن النظام الإسرائيلي نظام رجعي عنصري ولد من رحم الاستعمار، وقد سئمت شعوب المنطقة من الاستعمار وأدواته، كما نشهد حاليا في بعض دول جنوب الصحراء الكبرى، والتي خلقت أيضا واقعا حيث عشرات الآلاف من الشباب العربي يفقدون الأمل ويلجأون إلى الهجرة أو العنف.

وبعيداً عن الواقع السياسي الداخلي في الدول العربية والإسلامية، فإن النظام العربي الفاشل سيؤدي في النهاية إلى تغييرات جذرية قد تكون أكثر تدميراً من الربيع العربي. وسنرى أن التطبيع سيصبح عديم الجدوى في تلك المرحلة. وشهدنا عشرات الدول الإفريقية التي أقامت علاقات مع إسرائيل، وجمدت علاقاتها خلال المواجهات مع نظام جمال عبد الناصر، واستغرق الأمر سنوات لاستعادتها. وخلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، خسرت إسرائيل معظم تلك العلاقات مع الدول الإفريقية، وانخفض عدد الدول التي لها علاقات دبلوماسية إلى خمس دول فقط، مقارنة بـ32 دولة سابقة.

كما نرى إن الدول العربية التي طبعت سابقاً مع الاحتلال لم تكسب شيئاً. وإذا أصبح الوضع في العالم العربي والإسلامي مستقراً وديمقراطياً، فسنرى أن العلاقات مع إسرائيل ستنهار مثل بيت من ورق، لأنها غير طبيعية ولا تقوم على المصالح الوطنية.

ويهدف هذا السلوك المتمثل في الكشف عن علاقات إسرائيل السرية إلى استغلالها واستثمارها لأغراض انتخابية وكسب المزيد من الشعبية لدى الجمهور الإسرائيلي. وقد رأينا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يفعل ذلك من قبل، حتى أنه تحدث عن علاقات سرية لم يفصح عنها لنفس السبب. بعض هذه العلاقات نسجت قبل نتنياهو بعقود، لكن البعد الشخصي للسياسيين الإسرائيليين لا يمنعهم من نسب إنجازات الآخرين لأنفسهم والمبالغة فيها، كما فعل كوهين عندما تحدث عن علاقات وشيكة مع السعودية رغم التصريحات عكس ذلك من الإدارة الأمريكية. إن السياسيون الإسرائيليون أنانيون، وكل ما يهمهم هو جني ثمار الإنجازات الوهمية، أو تلك التي يحققها الآخرون من أجل البقاء في السلطة.