مع ميزانية 2024.. كيف ستوفق إسرائيل بين تكاليف أمنها وأخطار محدقة باقتصادها؟

التصور الذي انهار في 7 أكتوبر ليس استخبارياً فحسب، إنما هو أيضاً تصور أسر المجتمع الإسرائيلي منذ 1967 حتى وصل إلى الانهيار التام: حرب الأيام الستة لن تتكرر. هذا إذا كان يجب أن نضع شعاراً جديداً لحرب المائة يوم. لو كانت إسرائيل دولة جدية لميزت بأن الدهر أكل هذا التصور وشرب. حرب يوم الغفران كانت معقولة واستمرت 19 يوماً. ولكن كل الحروب بعدها كانت أطول. حرب لبنان الأولى استمرت ثلاثة أشهر، وبدلاً من الحسم انتهت بمراوحة في الوحل اللبناني 18 سنة. حرب لبنان الثانية استمرت خمسة أسابيع، وانتهت أيضاً باتفاق مؤقت مع “حزب الله”، الذي بدأ يخرقه فور انتهاء الحرب. حتى عملية “الجرف الصامد” التي لم تحصل على تصنيفها كحرب، استمرت سبعة أسابيع، وانتهت كجولة أخرى من الجولات مع حماس.

الاستنتاج البائس هو أن حروب إسرائيل في الأربعين سنة الأخيرة لم تعد تنته بالحسم، بل بتسوية مؤقتة ما، وهي آخذة في الطول. وهذا يقتضي إعادة تشكيل نظرية الأمن الإسرائيلية – نظرية “ردع، إنذار، ودفاع وحسم” – التي لم تعد ناجحة، وكما يبدو مطلوب إعادة النظر في القدرة على العيش إلى جانب الأعداء، في ظل تسوية سياسية أو في ظل إدارة طويلة للنزاع – وفي ميزانية الدفاع.

بتأخير 40 سنة، وبالفعل بعد 100 يوم على بداية الحرب في غزة، تذكر الجيش الإسرائيلي أن الحروب التي يشنها لم تعد “حروباً ذات ضربة واحدة وانتهينا”، بل حروب تتطلب الصبر وطول النفس. هكذا فاجأ الجيش الإسرائيلي وزارة المالية بطلب، أثناء المصادقة على ميزانية 2024، المصادقة على ميزانيته حتى العام 2027، مع معدل غير مسبوق من زيادة كبيرة في مخزون الطوارئ الذي قد يكفي لحرب مدتها 100 يوم وأكثر، وزيادة كبيرة لقوة بشرية في الجيش الإسرائيلي، سواء في الجيش النظامي أو الاحتياط، كل ذلك يملي طلبات غير مسبوقة من الزيادة، وتأتي في المرتبة الثانية للطلبات التي كانت بعد حرب يوم الغفران.

كان الجيش الإسرائيلي حتى الآن عقلانياً بما فيه الكفاية، كي لا يلقي على وزارة المالية فشل 7 أكتوبر، أي لا ادعاء جدياً بأن النقص في الميزانية يعد عامل فشل في 7 أكتوبر، لكنها نزاهة تنتهي عند مناقشة ميزانية الدولة. التصور الذي كان يجب أن يتحطم في 1982 تحطم الآن، والجيش الإسرائيلي يطالب بالتسلح حتى أذنيه – في القوى البشرية والمعدات – كاستعداد لعهد جديد من الحروب الشاملة الطويلة والمتعبة.

ثمة مشكلتان جوهريتان في طلب الجيش الإسرائيلي: الأولى، لماذا يجب حدوث ذلك الآن، في هذه اللحظة؟ النقاشات تدور الآن حول ميزانية 2024، ولا خلاف على أنها ستخصص مبالغ ضخمة، 150 مليار شيكل وأكثر، لصالح تسديد تكلفة الحرب وتجديد كل الاحتياطي الذي نفد. وخلال النقاشات حول ميزانية 2024، يصمم الجيش الإسرائيلي على إدخال النقاشات حول الزيادة في قوته طويلة المدى، أي أنه لم يعد يكتفي بتجديد الاحتياطي الذي كان قبل الحرب، بل يطالب بإجمال كل مستويات الاحتياطي الجديدة التي يعتقد أنها مطلوبة له في السنوات الأربع المقبلة. هذا يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى زاوية عبثية في تحديد نظرية أمنها وإثقال ميزانية الدولة بمبلغ إضافي هو 60 مليار شيكل في السنة، الأمر الذي سيرفع ميزانية الدفاع الثابتة من 60 مليار إلى 120 مليار شيكل في السنة، هذا خلال مساء إقرار الميزانية. من الواضح أنه سلوك غير جدي وغير معقول.

المشكلة الثانية هي الأرقام نفسها؛ 60 مليار شيكل في السنة، كل سنة وبشكل ثابت. عملياً، مضاعفة ميزانية الدفاع. هذا مبلغ ضخم، ليس من الواضح إذا كان مطلوباً حقاً، وعلى ماذا سيتم إنفاقه، وبالأساس كيف سيحضرون هذه الأموال. المشكلة الصعبة هي الطبيعة الثابتة للميزانية؛ هذا يعني أن نفقات ميزانية إسرائيل زادت 60 مليار شيكل بشكل ثابت، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة ثابتة في العجز. لا شيء تكرهه الأسواق الدولية والمستثمرون الدوليون أكثر من الدولة التي يزداد فيها العجز. هذه الدولة تتحول تقريباً إلى دولة منبوذة، دولة بات تصنيفها الائتماني في خطر، وهي تحت خطر دائم للوقوع في أزمة مالية.

المناعة الوطنية تسبق المناعة الأمنية

طلبات الجيش الإسرائيلي، كما قلنا، خطيرة اقتصادياً بسبب الأموال الضخمة وبسبب طبيعتها الثابتة. “هذا ليس لأن دولة إسرائيل غير قادرة على الوفاء بزيادة ميزانية الدفاع بمعدل 3 في المئة من الناتج المحلي”، قال دافيد بروديت، الرئيس السابق للجنة فحص ميزانية الدفاع في 2007، “يمكن تقليص الخدمات الاجتماعية ورفع الضرائب بمعدل تراكمي 3 في المئة، وهكذا نتأكد من أن العجز لن يرتفع”.

أجرت لجنة بروديت نقاشات في 2007 مدة نصف سنة. مع ذلك، ناقشت اللجنة فقط مسألة ميزانية الدفاع التي نبعت من نظرية الأمن الإسرائيلية – النظرية التي شكلتها لجنة سابقة هي لجنة دان مريدور، التي أجرت النقاشات لمدة سنة. هاتان اللجنتان، كما قلنا، أجرتا النقاشات لمدة سنة ونصف. حينها، جرت النقاشات في الواقع بعد حرب لبنان الثانية عندما لم تكن أي جبهة أخرى في الأفق. ولكن الجيش الإسرائيلي الآن يخشى من فتح الجبهة الشمالية في أي لحظة، وهكذا لن يكون لدينا سنة ونصف في هذه المرة. مع ذلك، من الغريب اختصار سنة ونصف من النقاشات في ليلة ميزانية واحدة، أو حتى شهرين من النقاشات في لجنة مستعجلة، كما يحاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو فعل ذلك في محاولة لكسب الوقت.

مسألة نظرية الأمن الإسرائيلية ومسألة ميزانية الدفاع المنبثقة عنها هي المسائل التي ستحدد المستقبل الأمني والاقتصادي لإسرائيل.

ميراف ارلوزوروف
هآرتس/ ذي ماركر 15/1/2024

ترجمة: القدس العربي.