مستقبل مجهول يكتنف مصير الحرب على غزة وخلافات إسرائيلية قد تطيح بحكومة نتنياهو

محمد الجمل

مر 109 أيام على العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة، وما زال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مصراً على مواصلتها، ويعرقل كل المبادرات التي تهدف إلى وقفها، أو التوصل لتفاهمات تقود إلى ذلك، وفق ما افاد وزراء من داخل مجلس الحرب الإسرائيلي “الكابينت”.

لكن الآونة الأخيرة شهدت تصاعد الضغوط الدولية والداخلية التي تطالب بوقف الحرب، والتوصل إلى صفقة تبادل سريعة، تفضي إلى إطلاق سراح الأسرى، والتي أعلنت حركة “حماس” أنها لن تبرم أي صفقة مع إسرائيل قبل وقف شامل للعدوان.

الضغوط والخلافات وصلت للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت)، بعد تبني وزراء داخل هذا المجلس رؤية وموقفا يريد انهاء الحرب، وهذا يتعارض مع رغبة نتنياهو الذي يرى في استمرار الحرب فرصة لبقائه في سدة الحكم، والتهرب من المصير الذي ينتظره، وهو السجن كما أكدت الكثير من الوسائط الإسرائيلية.

قراءة في مستقبل الحرب
فلسطين بوست”، تحاول في سياق التقرير التالي قراءة المشهد بشكل معمق، وعرض مختلف المواقف ووجهات النظر، والضغوط الدولية والمحلية، لمحاولة استقراء المستقبل، فيما يخص الحرب على غزة، التي ستكون وفق ثلاثة سيناريوهات: الاول وقف الحرب وفق صفقة جديدة، أو استمرارها بوتيرة أخف وأقل، أو توسعها لتشمل دولاً ومحاور أخرى، مثل لبنان أو سوري، أو اليمن.

اهداف لم تتحقق
وقبل الخوض في غمار التوقعات، كان لابد من معرفة أسباب انقلاب الشارع الإسرائيلي على الحكومة، ومعارضة أغلبية الإسرائيليين لاستمرار الحرب، رغم أن ذات الشارع الإسرائيلي كان مؤيداً للحرب قبل شهرين فقط، بل ومطالباً باستمرارها دون توقف.

ووفق محللون اسرائيليون وعرب وأجانب، فإن غالبية الإسرائيليين يرون أن حكومتهم التي انطلقت في حربها على غزة ترفع ثلاثة أهداف، وهي إنهاء حركة “حماس”، واعادة الأسرى الإسرائيليين من قطاع غزة، وضمان أن لا تشكل غزة أي تهديد عليهم، فشلت حتى الآن في تحقيق أي هدف، بل تسببت الحرب على غزة بقتل عدد كبير من الاسرى، وفق ما أعلنته فصائل المقاومة في القطاع، إضافة لتسببها بأضرار اقتصادية غير مسبوقة، عدا عن تشويه سمعة إسرائيل في جميع أنحاء العالم.

أما السبب الثاني لتحول وانقلاب الشارع ضد حكومة نتنياهو، يتمثل في فشل الحكومة الاسرائيلية الحالية في تحرير أي أسير من غزة، بل تسببها بقتل العديد منهم، حتى الأسرى اللذين استطاعوا الفرار وتوجهوا للدبابات الإسرائيلية لحمايتهم، قتلهم الجنود، كل هذا أدى إلى تصاعد حالة السخط والغضب في الشارع الإسرائيلي ضد حكومة نتنياهو ترجمته استطلاعات الرأي الإسرائيلية، التي أظهرت تراجع شعبية حزب الليكود إلى أدنى مستوى.

فيما كان السبب الثالث تنامي حالة الغضب من داخل (الكابينت)، الذي اتهم اعضائه ومنهم “غابي ايزنكوت”، ووزير الدفاع غلانت، نتياهو بالعمل لمصلحته الشخصية، على حساب أمن إسرائيل كما قالوا.

ومن أبرز أوجه الخلافات داخل “الكابينت”، ما قاله الوزير في حكومة الحرب “غادي آيزنكوت” إن على باقي الأعضاء التوقف عن الكذب على أنفسهم، مطالبا بإظهار الشجاعة للتوصل إلى صفقة كبيرة تعيد المختطفين، بدل الاستمرار في القتال بشكل أعمى.

بينما ظهر الوزير بحكومة الحرب “بيني غانتس” في مظاهرة حاشدة بتل أبيب تهاجم تعاطي الحكومة مع ملف الأسرى الإسرائيليين في غزة.

فيما منع نتنياهو مدير مكتب وزير دفاعه غالانت من حضور جلسة الكابينت يوم الجمعة الماضي، مما أغضب غالانت الذي اتهم نتنياهو بالتشويش على عمله، وانسحب من الجلسة لمدة ساعة قبل أن يعود لاحقا، في حين كشف موقع “والا” الإسرائيلي عن أن وزير الدفاع حاول اقتحام مكتب رئيس الوزراء، وكادت الأوضاع تتدهور نحو شجار بالأيدي.

مستقبل الحرب
وبدا واضحاً حدوث تباين كبير بشأن توقعات المحليين والخبراء حول مستقبل الحرب على غزة، خاصة في ظل إصرار حكومة نتنياهو على مواصلتها، وتصريح الأخير بأن الحرب ستستمر حتى العام 2025.

ووفق مما نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية فإن المرحلةَ الثالثة من الحرب في غزة قد تنتهي أواخر الشهر الجاري، كما أشارت الصحيفة نقلا عن مسؤولين أميركيين أن الحرب ربما تستمر طيلة عام 2024 إذا واجهت القوات تهديدات جديدة.

في حين توقع المحلل العسكري الإسرائيلي البارز عاموس هارئيل، إنهاء إسرائيل الحرب على غزة خلال أسابيع دون تحقيق أهدافها، معتبراً الحديث عن هزيمة حركة “حماس” في قطاع غزة “سابق لأوانه”.

جاء ذلك في تحليل أعدّه هارئيل ونشرته صحيفة “هآرتس” العبرية، قدّم فيه شرحًا للوضع الميداني داخل غزة، والصعوبات والمعوقات التي تحول دون تحقيق أهداف إسرائيل المعلنة من الحرب، وخاصةً القضاء كلياً على قوة “حماس” العسكرية.

وقال هارئيل: “رغم الخسائر، فإن هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي سعيدة بإنجازات القتال الذي يستمر ببطء وحذر، لكن لا توجد مؤشرات على أن حماس قريبة من الانهيار”.

وأضاف: ” الحديث المثير في استديوهات التلفزيون عن هزيمة حماس، سابق لأوانه”.

واستدلّ على ذلك بالإشارة إلى أن “مجموعة الأحداث تعكس حتى الآن في الأساس الصعوبات المتزايدة التي يواجهها حُكم حماس في غزة، ولكن لا يوجد دليل مقنع حتى الآن على انهيارها الوشيك”.

وأضاف: “من الواضح أن المنظمة (حماس) غير قادرة على وقف هجوم كبير لقوات الجيش الإسرائيلي، لكن الخلايا الصغيرة من مقاتلي حماس تفرض ضريبة يومية على تقدم الجيش واستيلائه على مناطق جديدة، في كل من الشمال والجنوب”.

ورأى هارئيل أن “المعارك الميدانية تعزز تقييم هيئة الأركان العامة للجيش بأن هدف تفكيك قدرات حماس العسكرية والتنظيمية في غزة يمكن تحقيقه على المدى الطويل”، وفق تقييمه.

ووسط استمرار الحرب بدأ التباين في المواقف بين الولايات المتحدة وإسرائيل يتزايد، خاصة بعد أن أخبرت إسرائيل حليفتها بأنه لا نهاية واضحة تلوح في الأفق لهذه الحرب المدمرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين بين قتيل وجريح وشردت مئات الآلاف في إسرائيل وقطاع غزة.

حكومة على وشك الانهيار
المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن، يرى أن الحكومة التي يقودها نتنياهو تواجه “مشاكلا جوهرية تهدد مستقبلها”، موضحا أن “الضغوط المستمرة من الحلفاء بحكومة الحرب ومن الشارع قد تدفع رئيس الوزراء للدعوة لانتخابات مبكرة”.

ويضيف شتيرن أن احتمال الإعلان عن انتخابات مبكرة يبقى “واردا بقوة”، غير أنه يشير إلى أن الأمر كله مرتبط بالتطورات في قطاع غزة وفي الشمال على الحدود مع لبنان، والتي ستكون حاسمة بشأن استمرار أو رحيل حكومة الحرب الطارئة، ومعها مصير مستقبل الحكومة اليمينية.

ويعترف شترين، أن “الأوضاع غير مستقرة بشكل يصعب معه التكهن بالضبط بشأن ما سيحدث غدا”.

بينما يرى المحلل السياسي، يائير كوزين، أن حكومة الطوارئ من جانبها “على وشك الانهيار”، مشيرا إلى أن “السؤال ليس ما إذا كانت الانتخابات ستجرى في العام الجاري أم لا، بل متى ستجرى فيه”، في إشارة على حتمية إجرائها هذا العام.

ويتوقع كوزين انسحاب حزب الوحدة الوطنية، الذي يقوده بيني غانتس، من حكومة الطوارئ، غير أنه يشير إلى أنه “حتى لو انهارت حكومة الطوارئ مع حزب الوحدة الوطنية، فإن كتلة نتانياهو، المكونة من 64 عضواً، ستكون قادرة على العودة إلى السلطة”.

ويؤكد كوزين، أن فقط معارضة داخلية قوية في حزب الليكود يمكن أن تؤدي إلى تفكيك الحكومة اليمينية الضيقة، وتؤدي إلى انتخابات أو تشكيل حكومة بديلة مع زعيم مختلف من داخل حزب نتانياهو، والذي يمكنه الحصول على الدعم من داخل الحزب ومن أحزاب المعارضة”، غير أنه يشير إلى أن هذا السيناريو يبدو ليس مرجحا، ويتحدث الجميع تقريباً عن انتخابات.

(المصدر: فلسطين بوست)