الاختراق الأمني الإسرائيلي لإيران
د. أحمد حسين بكر - عضو هيئة التدريس بجامعـــــة القاهــــــــــــرة متخصص في شئون الدراسات الإيرانية
يُعَدّ الاختراق الأمني أحد أبرز مظاهر الصراع في العلاقات الدولية، ومن الطبيعي أن تسعى أي دولة لاختراق دولة معادية عبر شبكات التجسس التي تتولى جمع المعلومات وتنفيذ العمليات الاستخبارية التي تُلحق الضرر بمصالح تلك الدولة، سواء كانت مادية أو معنوية.
غير أن الاختراق لا يقتصر على الخصوم فحسب، إذ يحدث أحيانًا بين الحلفاء أيضًا، كما فعلت إسرائيل تجاه أقرب حلفائها، الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كشفت صحيفة «نيوزويك» عام 2014م أن إسرائيل تمارس أنشطة تجسسية واسعة داخل الأراضي الأمريكية، ولن تتوقف عن ذلك.
أما غير الطبيعي حقًا، فهو أن يصل مستوى الاختراق بين دولتين متعاديتين إلى درجة تجعل كل طرف يرى في الآخر خطرًا وجوديًا يهدد كيانه، كما أقرّ الوزير الإيراني السابق علي يونسي عام 2021م، حين قال: «إن نفوذ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) في أجزاء مختلفة من إيران خلال السنوات العشر الماضية بلغ مستوى يستدعي من جميع المسؤولين الإيرانيين القلق على حياتهم».
تاريخ من الاختراق الأمني
بدأت مظاهر الاختراق الأمني الإسرائيلي لإيران تتجلى بوضوح خلال عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، حين اغتيل العالم النووي أردشير حسين بور عام 2007م نتيجة اختناق بالغاز، في أول حادثة من سلسلة اغتيالات نُسبت إلى جهاز الموساد الإسرائيلي.
وتتابعت بعدها العمليات، فاغتيل العالم مسعود علي محمدي أمام منزله عام 2009م، ثم مجيد شهرياري عام 2010م، وداريوش رضائي نجاد عام 2011م، واغتيل بعده بأشهر «مصطفى أحمدي روشن».
ولم تقتصر العمليات على الاغتيالات، إذ زرعت إسرائيل فيروسا إلكترونيًا يُعرف باسم «ستوكس نت» داخل أجهزة الحواسيب في المنشآت النووية الإيرانية، بهدف تعطيل أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم.
ومع وصول الرئيس الإصلاحي حسن روحاني إلى الحكم، نفّذ جهاز الموساد واحدة من أجرأ عملياته داخل إيران، تمثلت في سرقة الأرشيف النووي الإيراني عام 2018م، وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينها أن عملاء الموساد تمكنوا من الاستيلاء على نحو 55 ألف وثيقة وعشرات الأقراص المدمجة المتعلقة بالبرنامج النووي، بعد اقتحام مخبأ سري في طهران.
وفي عام 2020م، اغتيل العالم النووي البارز محسن فخري زاده، الملقب بـ«أبو البرنامج النووي الإيراني»، دون وجود عملاء على الأرض، حيث أشارت التقارير إلى أنه قُتل بواسطة روبوت مزود بالذكاء الاصطناعي متصل بالأقمار الصناعية. ثم شهد عام 2021م سلسلة تفجيرات استهدفت منشأة نطنز النووية.
ومع تولي الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي السلطة، برز ملف مكافحة الاختراق الإسرائيلي في خطاب حكومته، وأُعلن عن تفكيك شبكات تجسس تعمل لصالح الموساد، إلا أن الاختراقات استمرت، فاغتيل القائد في فيلق القدس صياد خدائي في طهران عام 2022م، وهو الذي تتهمه إسرائيل بالمسؤولية عن تنفيذ عمليات خارجية.
وجاءت ذروة الإحراج الأمني عام 2024م، عندما اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران نفسها، بينما كان ضيفًا رسميًا يشارك في حفل تنصيب الرئيس الجديد مسعود بزشكيان، في حادثة وُصفت بأنها «صفعة أمنية قاسية» للنظام الإيراني أمام الداخل والخارج.
أسباب الاختراق الأمني
تهدف إسرائيل من وراء الاختراق الأمني وتنفيذ العمليات الاستخباراتية داخل الأراضي الإيرانية إلى تحقيق عدة أهداف إستراتيجية، أمنية وعسكرية وسياسية، في إطار صراعها مع إيران في المنطقة، منها ما يلي:
- كسر هيبة النظام الإيراني أمام شعبه والمجتمع الدولي، وإظهاره في صورة الدولة الضعيفة العاجزة عن حماية نفسها.
- استباق أي هجوم إيراني محتمل عبر جمع المعلومات الاستخبارية الدقيقة من داخل الأراضي الإيرانية.
- زعزعة ثقة الشعب بالنظام وإضعاف تماسكه الداخلي من خلال التشكيك بقدرة الحكومة على حماية الأمن الوطني.
إرباك القيادة الإيرانية نفسيًا ومعنويًا عبر عمليات نوعية مدروسة تُحدث أثرًا رمزيًا كبيرًا داخل المؤسسات الحساسة.
- عرقلة المشروع النووي الإيراني أو إبطاء تقدمه، لمنع طهران من الوصول إلى مرحلة إنتاج السلاح النووي.
- بث الشك والريبة داخل الأجهزة الرسمية وبين القيادات السياسية والعسكرية، بما يعمّق أجواء عدم الثقة والانقسام الداخلي.
- تشويه صورة إيران إقليميًا ودوليًا، عبر إظهارها كدولة عاجزة عن حماية أراضيها، فضلًا عن عجزها عن حماية حلفائها.
- تأليب دول المنطقة ضدها ودفعها إلى التقارب مع إسرائيل، باعتبارها الطرف الأقوى القادر على مواجهة التهديد الإيراني.
تلك الأهداف مجتمعة تعكس طبيعة المواجهة غير التقليدية بين الطرفين، حيث تُوظّف إسرائيل أدوات الاختراق الأمني لتقويض الخصم من الداخل بدلًا من الاكتفاء بالمواجهات العسكرية المباشرة.
وسائل الاختراق الأمني
تعتمد وسائل الاختراق الأمني الإسرائيلي لإيران وسائل عديدة خليطة من الأدوات البشرية والتقنية عبر التكنولوجيا الحديثة، ففي الجانب البشري، يسعى الموساد إلى استغلال الظروف الداخلية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية لتجنيد عملاء داخل البلاد من مواطنين مواطنين ناقمين يمكن شراؤهم وتجنيدهم، نكايةً في النظام الحاكم أو تحت ضغط الظروف الاقتصادية الخانقة، هؤلاء يتعاونون معها في تنفيذ عملياتها على الأراضي الإيرانية، من جمع معلومات وتنفيذ عمليات اغتيال وتخريب.
لم يقتصر تجنيد الموساد للإيرانيّين على مواطنين عاديّين يقومون بتنفيذ بعض المهام، وإنما تمَّ الوصول إلى قيادات إيرانية كبيرة، وهو ما صرح به الرئيس الأسبق، أحمدي نجاد، في 2021م، حينما قال إنهم أنشأوا وحدة لمكافحة إسرائيل في وزارة الاستخبارات الإيرانية، وإن رئيس الوحدة تبيَّن لاحقًا أنه عميل للموساد.
ثم خرج بعد ذلك النائب والمرشح الإيراني الإصلاحي للرئاسة السابق، مصطفى كواكبيان، في 2025م، ليقول إن المؤسسات الإيرانية الحساسة قد تمَّ اختراقها عن طريق سيدة أوروبية تدعى «كاثرين شاكدام»، أقامت علاقات جنسية مع 120 شخصية مهمة في البلاد.
أما الوسائل التقنية فتعتمد على هجومات إلكترونية وبرمجيات خبيثة والاعتماد على ثغرات في الأجهزة والبرمجيات المستوردة؛ فقد تكرر ذكر برمجيات ومنصات مصدرها دول ثالثة احتوت بوابات خلفية نقلت بيانات حساسة خارج إيران، بما شمل سجلات مدنية وأنظمة مطارات وحتى معدات عسكرية، وفق تقارير داخلية وإعلامية محلية.
ويبدو أن إيران سوف تظل تعاني من هذه المشكلة، وسوف يشاركها في هذه المعاناة كثيرٌ من الدول العربية والإسلامية المتخلفة تكنولوجيًّا، أو المستهلكة للتكنولوجيا الخارجية.
فقد كشف تقرير لصحيفة «كيهان» الإيرانية المقربة من دوائر الحكم، عن اختراق أمني واسع النطاق، استهدف إيران عبر برامج مصدرها الهند، تبيَّن لاحقًا أنها إسرائيلية الصنع وتحتوي على برمجيات خلفية تنقل بيانات حساسة مباشرةً لإسرائيل.
هذه البرامج، التي انتشرت في المكاتب الحكومية الإيرانية، شملت سجلات مدنية وجوازات سفر وأنظمة مطارات، بل وعطلت أحيانًا معدات عسكرية وأتاحت تحكمًا عن بُعد، مما هدد القدرات الدفاعية لإيران.
هذا الاختراق الأمني، البشري والتكنولوجي، ينجح في ظِل وجود صدام بين النظام وقطاعات من الشعب، وهو ما يستنفذ جهود أجهزة الأمن والاستخبارات التي من المفترض أن توجّه جُلَّ جهدها إلى الخطر القادم من الخارج، وهو إسرائيل.
كما أنه ينجح أيضًا بفضل التعاون الاستخباراتي بين الموساد وأجهزة مخابرات إقليمية ودولية، على رأسها المخابرات الأمريكية، في التعامل مع تعتبره هذه الأجهزة خطرًا مشتركًا، وهو إيران وبرنامجها النووي.
سياسة الإنكار وتضخيم الإنجاز
لعل أحد أسباب وصول الاختراق الأمني الإسرائيلي لإيران إلى ذلك الحد الذي وَصَل فيه التهديد للأمن القومي إلى مرحلة غير مسبوقة، وصار فيه مستقبل النظام نفسه على المحك، هو سياسة الإنكار وتضخيم الإنجاز، التي غلبت سياسة على السلطات الإيرانية في تعاطيها مع عمليات الاغتيال والتخريب التي يقوم بها الموساد على الأراضي الإيرانية.
فبعد أول حادث اغتيال، حاولت الأجهزة الأمنية التعتيم حفاظًا على صورتها وبعد زرع الفيروس الحاسوبي في المنشآت النووية، أنكر المسؤولون، واعتبروا الأمر «حربًا ناعمة»، وأكد وزير الاستخبارات حينها، حيدر مصلحي، أن الأجهزة الإيرانية منعت العدو من الاستفادة من الاختراق، لكنه أقر لاحقًا بالأمر، وهو ما اعتبره محللون هزيمة أمنية خطيرة.
وحينما أعلنت إسرائيل عن سرقتها للأرشيف النووي، وَصَف المفاوض الإيراني في الملف النووي، عبّاس عراقجي (وزير الخارجية الحالي) الأمرَ بأنه «مسرحية صبيانية وسخيفة»، وتمسَّكت طهران بالإنكار طيلة ثلاث سنوات، ثم اعترف الرئس روحاني بالسرقة قبل رحيله عن منصبه.
بالتوازي مع سياسة الإنكار، كان هناك أيضًا تضخيم الإنجاز والتقليل من خطر الاختراق الإسرائيلي، وادعاء القدرة على مواجهته.
فبعد حوادث الاغتيالات والتخريب، تلاحق السلطات المشتبه فيهم، وتعدم بعضهم، بعد عرض اعترافاتهم على الجمهور، معتبرةً ذلك إنجازًا في مواجهة الاختراق الأمني، وهو ما حدث حينما أعدمت أحد المتهمين بالتجسس بعد سلسلة اغتيالات، ثم عرض الإعلام الإيراني فيلمًا وثائقيًّا، بعنوان «نادي الجواسيس»، يروي إنجازات المخابرات الإيرانية في تعقب منفذي الاغتيالات، واعترافاتهم.
هذا بالإضافة إلى إعلان المسؤولين الإيرانيّين عن وجود اختراق متبادل، وأن إيران تخترق إسرائيل، وهو ما أكدته أخبار إلقاء القبض على عملاء إسرائيليّين لإيران.
لا شك أن الاختراق الأمني الإسرائيلي خطر على الأمن القومي الإيراني، ولكن الأخطر منه هو إنكاره، واتخاذ إجراءات لا تكافئ هذا الاختراق واعتبارها إنجازًا، كالاعتقالات والإعدامات والاعترافات العلنية. فالإنجاز الحقيقي هو أن تمتلك نفس إمكانيات العدو البشرية والتكنولوجية، وترد عليه بالمثل، أو أن تمتعه من العبث بأمنك القومي، وهو الأمر الذي لم يتحقق في المواجهات المباشرة وغير المباشرة بين إيران وإسرائيل.
الاختراق الأمني وأثره في الحرب المباشرة
أظهرت الحرب التي شنَّتها إسرائيل على إيران في 13 يونيو 2025م أن الاختراق الأمني الإسرائيلي أكبر مما كان يعتقده الجميع، في إيران وخارجها.
فالخسائر التي تعرَّضت لها إيران لم تكن نتيجة تفوق عسكري إسرائيلي فقط، وإنما كانت أيضًا نتيجة دعم استخباري ميداني مباشر لإسرائيل من داخل إيران نفسها.
فالحرب بدأت من على الأراضي الإيرانية، عندما قام عملاء إسرائيل بتفعل الطائرات المُسيَّرة والصواريخ والمتفجرات المُهربَّة داخل إيران أو المُصنَّعة داخلها بالتزامن مع الضربات الجوية، مستهدفين الأهداف البشرية والحيوية.
وجود هؤلاء العملاء – الذين نشطوا أثناء الحرب، وتحركوا على الأرض، وقدموا المعلومات والإحداثيات الدقيقة لإسرائيل – أدَّى إلى استهداف كبار القيادات العسكرية والأمنية، وكبار العلماء النوويّين، ووَصَل الأمر إلى حد استهداف اجتماع كان يحضره الرئيس الإيراني.
كما قام هؤلاء العملاء بسلسلة من عمليات التخريب السرية في عمق إيران والتي أدَّت إلى تدمير الدفاعات الجوية وقاذفات الصواريخ الباليستية، وفتحت المجال الجوي الإيراني للطيران الإسرائيلي.
وقامت وحدات كوماندوز تابعة للموساد بنشر أنظمة أسلحة موجهة في مناطق مفتوحة قرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وأنظمة أسلحة وتقنيات متطورة مُخبّأة في مركبات، وعندما بدأ الهجوم، أُطلقت هذه الأسلحة ودمرت أهدافًا للدفاع الجوي الإيراني.
إجراءات ما بعد الحرب
شنت إيران حملة اعتقالات واسعة بعد انتهاء حربها مع إسرائيل، شملت المئات ممن اتهموا بالتعاون مع الموساد، وأُعدم البعض منهم، ولكن الاعتقالات والإعدامات ليست هي المسار الوحيد لمواجهة الاختراق الإسرائيلي؛ لأنها تتعامل مع العَرَض وليس المَرَض، ولن تطال جميع الجواسيس، ولن تردم الفجوة التكنولوجية بين إيران وإسرائيل. كما أن هناك مسارات أخرى يجب السير فيها، منها ما هو داخلي، ومنها ما هو إقليمي ودولي.
فعلى المستوى الداخلي، لابد من إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والأجهزة المخابراتية، خاصَّة أن أداء هذه الأجهزة تعرض لانتقادات بسبب وجود أجهزة موازية، انشغلت – إلى حد ما – بالتنافس فيما بينها عن محاربة الاختراق الأمني والاستخباراتي.
ولكن هذه الهيكلة الأمنية لن تجدي نفعًا في ظِل وجود مفرخة للجواسيس، وهي البيئة الساخطة التي يمكن للمخابرات الإسرائيلية أن تجند منها عملاء جدد، الأمر الذي يستوجب الاستماع إلى صوت الشعب الإيراني وتلبية احتياجاته.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، لابد من أن تزيل إيران أسباب التوتر التي جعلت قوى إقليمية ودولية تتعاون مع إسرائيل وتتعاون معها استخباريًّا، مثل أذربيجان التي تعد قاعدة من قواعد الموساد، والتي ذكرت التقارير أنها كانت ممرَا لتهريب المعدات التي استخدمها الجواسيس من داخل إيران.
وعلى طهران أن تعيد النظر في سياستها تجاه بعض الدول، ومنها العراق، الذي كان ممرًا للطائرات الإسرائيلية التي هاجمت إيران بعد أن فقد جيشه الوطني القدرة على المواجهة بسبب إضعافه لمصلحة الميليشيات الطائفية.
ولو أحسن الإيرانيون صنعًا لرجعوا إلى تقرير الاستخبارات التركية عن حربهم مع إسرائيل، والذي أوصى بالاهتمام بالحرب الإلكترونية، والعمل على إغلاق نوافذ التسلل داخليًّا، فأكد على أهمية إعطاء عناية خاصَّة للعوامل المؤثرة على الأمن الداخلي، مثل الصعوبات الاقتصادية والمشاكل السياسية والاجتماعية، لإغلاق باب تجنيد العملاء.

