العلاقـات الروسية الإيــــرانيـــــــة: شراكة لا تخلو من مفارقــــات في ظل عالــم متعدد الأقطاب
كيريل سيمينوف-محلل سياسي وباحث في المجلس الروسي للشـــؤون الدوليــــــة، متخصــــــــــــص في الشــــــــــؤون الإسلامية والصّراعـــــــات في منطقة الشــــــــــــــرق الأوســــــــــــــــــــــــط
في سياق السياسة الدولية المعاصرة، تُعدّ العلاقات الروسية الإيرانية ظاهرة معقدة تتداخل فيها عناصر الشراكة الاستراتيجية مع الخلافات التاريخية والتناقضات الأيديولوجية العميقة.
فخلال مرحلة الدعم العسكري لنظام الأسد في سوريا، شهدت هذه العلاقات تطورًا لافتًا وصل إلى مستوى تحالف غير رسمي، غير أن التفاعل بين الجانبين آنذاك كشف عن وجود تباينات جوهرية في المواقف والأهداف، ومع ذلك، لم يؤدِّ استمرار الصراع السوري أو نتائجه إلى تقويض هذا التقارب، بل أسهم في تعميقه على المستويين السياسي والعسكري.
لكن اللافت أن العلاقات الروسية الإيرانية تتقدم وفق نمط أقرب إلى قاعدة «خطوتان إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف»، إذ غالبًا ما يُرافق التقدم في مجالٍ ما توترٌ في مجالٍ آخر، بينما تظهر التناقضات بشكل أوضح خلال الأزمات الكبرى.
الاختلافات الأيديولوجية كمصدر للتناقضات
يُشكّل الاختلاف الأيديولوجي أحد أبرز مصادر التناقض بين موسكو وطهران، فروسيا تتبنى سياسة خارجية براغماتية تُركّز على تحقيق أهداف اقتصادية وجيوسياسية ملموسة، وتنطلق من رؤية تقوم على بناء عالمٍ متعدد الأقطاب يقوم على توازن القوى، بحيث تحتل الأيديولوجيا موقعًا ثانويًا أمام المصالح الوطنية التي تقف في المقام الأول.
في المقابل، تستند السياسة الخارجية الإيرانية إلى مبادئ العقيدة الإسلامية ذات الطابع الثوري، المستمدة من الفكرين الخميني والمهدوي، والتي تقوم على تصدير الثورة ومواجهة ما تصفه بـ»الاستعمار الغربي»، لذلك، فإن التوجه الأيديولوجي يُشكّل محددًا رئيسيًا في سلوك طهران الخارجي ويجعلها في حالة مواجهة مستمرة مع القوى الغربية.
ويبرز هذا التباين بوضوح في منهجية التعامل مع القضايا الدولية، حتى عندما تتقاطع المصالح بين الجانبين؛ فروسيا، بوصفها دولة علمانية، تتعامل مع النظام الدولي من منظور «الواقعية السياسية»، في حين تتحرك إيران ضمن أطرٍ تحكمها المبادئ الدينية والمعتقدات الثورية.
الجذور التاريخية للتناقضات
تلعب الذاكرة التاريخية دورًا محوريًا في تشكيل صورة روسيا لدى المجتمع الإيراني، إذ ينظر كثير من الإيرانيين إلى روسيا المعاصرة باعتبارها وريثة للاتحاد السوفيتي والإمبراطورية الروسية، اللذين انتهجا في الماضي سياسات توسعية واستعمارية تجاه إيران.
فقد ترك الغزو السوفيتي البريطاني (1941-1945) أثرًا عميقًا في الذاكرة الإيرانية، عندما شنت القوات السوفيتية والبريطانية، هجومًا على إيران من أربعة محاور وسيطرت على البلاد، بذريعة تعاطفها مع هتلر.
وكانت الأزمة الإيرانية (1945-1946) أكثر إيلامًا، إذ أعلن قيام «جمهورية أذربيجان الديمقراطية» بدعمٍ من الاتحاد السوفيتي في تبريز، كما دعم الأكراد في إقامة «جمهورية مهاباد»، وهو ما اعتُبر محاولة لتقسيم إيران، ولم يتمكن الشاه من استعادة السيطرة على هذه المناطق إلا بعد تفاقم الخلاف بين ستالين من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى، في ما عُرف بـ»الأزمة الإيرانية».
وإذا ما عدنا إلى مراحل أقدم من التاريخ، نجد أن العلاقات بين الطرفين حفلت بمحطات مؤلمة أخرى؛ فخلال الحرب العالمية الأولى دخلت القوات الروسية الأراضي الإيرانية عام 1915 دون دعوة، وبقيت هناك حتى 1917، كما قمعت روسيا ما سُمّي بـ»الثورة الدستورية» (1907-1911)، في حين شنّ البلاشفة غارات على شمال إيران عام 1920 في انتهاكٍ صارخٍ لسيادتها.
أما الحروب الروسية-الفارسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فقد خلّفت جراحًا عميقة في الذاكرة الإيرانية، إذ خسرت بلاد فارس خلالها مساحات شاسعة من أراضيها، من بينها مناطق أذرية شكّلت لاحقًا أساس أراضي أرمينيا الحالية.
التحديات والتناقضات المعاصرة
تسهم التحديات الراهنة أيضًا في تعقيد العلاقات الروسية الإيرانية، فالحملة العسكرية التي أطلقتها موسكو في أوكرانيا عام 2022 لم تحظَ بترحيب واسع داخل إيران، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية روسيا بين الإيرانيين بعد اندلاع الحرب، وهو ما يرتبط جزئيًا بإرث الصراعات التاريخية التي فقدت إيران خلالها أراضيها وسيادتها لصالح القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، أثارت قضية تزويد روسيا بطائرات مسيّرة إيرانية جدلًا داخليًا واسعًا، بعدما أنكرت طهران في البداية توريدها ثم أقرت لاحقًا بتسليم عدد محدود منها قبل الحرب، وقد انعكس هذا الجدل في وسائل الإعلام الإيرانية، حيث وُجهت انتقادات للسياسة الروسية، ما يعكس وجود نقاشات أعمق داخل النخبة الإيرانية حول مخاطر توطيد العلاقة مع موسكو.
ومؤخرًا، كادت العلاقات بين البلدين أن تدخل مرحلة أزمة حادة إثر تصريحات محمد صدر، عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي قال في مقابلة تلفزيونية إن روسيا زوّدت إسرائيل بمعلومات استخباراتية عن مواقع أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية خلال الحرب التي اندلعت في يونيو الماضي بين إيران وإسرائيل واستمرت 12 يومًا.
بحسب الصدر، هذا الصراع أظهر أن التحالف الاستراتيجي مع موسكو عديم الجدوى، وانتقد رد الفعل الروسي الذي اقتصر على بيانات الاستنكار للهجوم الإسرائيلي، ولفت إلى أن روسيا باعت أنظمة الدفاع الجوي المتطورة إس-400 لتركيا العضوة في حلف الناتو، لكن الصدر في الوقت نفسه أكد على ضرورة الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا كدولة جارة، معتبراً في الوقت نفسه أن الوثوق بها غير ممكن.
وقد ردّت الخارجية الروسية بلهجة حادة، ووصفت الاتهامات بأنها «شنيعة وسخيفة على نحوٍ صارخ»، معتبرة تصريحات صدر جزءًا من «حملة تضليل منسقة» من قبل قوى معادية للبلدين.
وفي المقابل، سارعت الخارجية الإيرانية إلى النأي بنفسها عن تلك التصريحات، مؤكدة أنها تعبّر عن «رأي شخصي»، وهو ما لم يمنع عقد لقاء بين الرئيسين فلاديمير بوتين ومسعود بيزشكيان في مدينة تيانجين، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي استضافتها الصين مطلع سبتمبر.
وما حدث في ديسمبر 2023 كان مثالًا واضحاً على التناقضات الراهنة، عندما استدعت الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال الروسي في طهران وسلمته مذكرة احتجاج على البيان الختامي على صدر عن الدورة السادسة للمنتدى الروسي العربي للتعاون، الذي عقد في مراكش.
وذلك لأن تطرق لمسألة الانتماء السيادي لثلاث جزر متنازع عليها في الخليج العربي (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) والتي تطالب بها كل من إيران والإمارات العربية المتحدة، حيث أكد وزراء خارجية روسيا والدول العربية دعمهم للجهود السلمية، الهادفة للتوصل لحل سلمي لقضية الجزر في حين أبلغت الخارجية الإيرانية الدبلوماسي الروسي بأن من الضروري احترام السيادة ووحدة الأراضي، باعتبارهما مبدأ أساسي في نظام العلاقات بين الدول.
بالنسبة لإيران، تعد قضية الجزر الثلاث من القضايا الحساسة المرتبطة بالكرامة الوطنية والعدالة التاريخية، وهذا الحدث كشف إلى أي مدى تصبح الشراكة الروسية الإيرانية هشة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تخص السيادة الوطنية ووحدة الأراضي.
كما أن طهران ليست في عجلة من أمرها للاعتراف بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم والأقاليم «الجديدة» الأربع التي ضمتها، وهذا ليس الموقف الوحيد الذي تتخذه طهران تجاه موسكو، فعلى سبيل المثال، هناك ضجة أثيرت حول استخدام القاذفات الروسية في عام 2016 لقاعدة همدان الجوية في إيران، لتوجيه ضربات ضد داعش في سوريا.
حينها، أدى إعلان موسكو عن استخدامها لإثارة الرأي العام الإيراني، لأن الوجود الروسي في القاعدة العسكرية أثار انطباعات مرتبطة بالتدخل السوفيتي في البلاد (1941-1945)، ونتيجة لذلك قررت طهران التراجع عن السماح للطيران العسكري الروسي باستخدام القاعدة، كما انتقد وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان موسكو بشدة لنشرها معلومات عن استخدامها للقاعدة، والتي فضلت طهران عدم إشاعتها بسبب الردة العامة المحتملة.
قيود وآفاق التعاون
يظلّ التقارب بين روسيا وإيران محكومًا بجملة من القيود البنيوية والسياسية، وهو ما أكّدته أحداث وتصريحات عديدة، مثل قضية الجزر الثلاث وتصريحات محمد صدر، التي كشفت عن استمرار حالة عدم الثقة العميقة داخل المجتمع والنخبة السياسية الإيرانية تجاه موسكو، المستندة إلى إرثٍ تاريخي ثقيل.
وإلى جانب ذلك، تُفاقم تضارب المصالح في الشرق الأوسط والانقسامات الداخلية في إيران حيث توجد قوى سياسية مؤثرة تُعارض التوجه نحو روسيا من صعوبة بناء شراكة استراتيجية متماسكة.
كما تؤثر العوامل الخارجية بقدرٍ كبير على مسار هذه العلاقة، فالعقوبات الأمريكية الصارمة، والضغوط الأوروبية لإعادة فرض القيود على إيران، إلى جانب ضرورة التنسيق مع الصين، جميعها عوامل تدفع موسكو وطهران إلى البحث عن سُبلٍ للتقارب، لكنها في الوقت ذاته تُحدّ من عمق هذا التقارب وتحوله إلى علاقة اضطرارية أكثر منها استراتيجية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ما زال التعاون بين الجانبين يشكل الحلقة الأضعف في منظومة العلاقات الثنائية، إذ لا يتجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 3 إلى 4 مليارات دولار سنويًا، مقارنة بـ 11 مليار دولار بين إيران والإمارات، و10 مليارات بين روسيا والإمارات.
ومع ذلك، شهد عام 2024 تطورًا لافتًا تمثّل في تجاوز نسبة التعاملات بالروبل والريال حاجز 95٪ من إجمالي المعاملات التجارية، ما يشير إلى رغبة مشتركة في تقليص الاعتماد على الدولار وتوسيع مجالات التعاون المالي المباشر.
في النهاية، سيعتمد مستقبل العلاقات الثنائية على قدرة الجانبين على إيجاد توازن بين البراغماتية والأيديولوجيا، وبين الإرث التاريخي والتحديات الراهنة، مع ضرورة التخلص من عقدة عدم الثقة المتبادل خاصة فيما يتعلق بعلاقاتهما مع الغرب أي دفء في علاقات أحد الشركاء، سواء موسكو أو طهران.
فكل دفءٍ في علاقة أحد الطرفين مع الولايات المتحدة أو حلفائها يُنظر إليه من قِبل الطرف الآخر كتهديد محتمل للتحالف القائم، أو على الأقل كدليل على استعداد لتجاهل مصالح الشريك من أجل كسب رضا الغرب.
وبالتالي، سيعتمد مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية على مجموعة معقدة من العوامل، أبرزها تطورات الحرب في أوكرانيا، ومسار الاتفاق النووي الإيراني، والسياسات الأمريكية تجاه البلدين، إلى جانب الديناميكيات السياسية الداخلية في إيران.
ومع ذلك، ستظل هذه العلاقات عنصرًا مهمًا في معادلات السياسة الدولية في الشرق الأوسط والعالم، إذ من المرجّح أن يواصل الطرفان، في المدى المنظور، البحث عن سُبلٍ لتعزيز التعاون، خصوصًا في ظل استمرار الضغوط والعقوبات الغربية، وتلاقي رؤيتيهما حول إقامة نظامٍ عالميٍّ متعدد الأقطاب يُقلّص من الهيمنة الغربية.


