تقاسمَت الهند وغرب آسيا نحو خمسة آلاف عام من العلاقات المتجذّرة في التجارة والأعمال والتبادل الثقافي، وتطوّرت هذه الروابط مع مرور الزمن، متأثرةً بتحولات على المستويين الثنائي والدولي، وبينما حافظت الهند على مصالحها الوطنية وسط هذه الديناميكيات المتغيّرة، انتقلت مقاربتها تدريجياً من الموازنة إلى السعي نحو الاستقلال الاستراتيجي، مدفوعةً بتنامي مكانتها وتبدّل معادلات المنطقة.
ومع اكتشاف النفط والغاز وتدخّل القوى الكبرى، أصبحت علاقات الهند مع المنطقة أكثر أهمية وتعقيداً في آنٍ واحد، ما جعلها تميل إلى الطابع المعاملي أكثر من كونها فكرية أو استراتيجية.
ولا تزال غرب آسيا من أكثر المناطق حيوية بالنسبة للهند؛ إذ توفّر أكبر حجم من التحويلات المالية، وتشكل سوقاً تجارية مستقرة، وتلبّي احتياجاتها من الطاقة بتكاليف منخفضة، فضلًا عن كونها أقصر المسارات البحرية، وفي المقابل، بادلت الهند ذلك بتوصيف المنطقة على أنها -جوارها البحري-، مشاركةً إياها ثمار نموها.
ومع تولي حزب بهاراتيا جاناتا الحكم بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بدأت مرحلة جديدة من التجريب في سياسة الهند تجاه غرب آسيا. واستهدف هذا التحول بدرجة كبيرة مستويين أساسيين: إعادة تنشيط التبادلات الفكرية، وتوظيف المنطقة لتعزيز علاقات الهند مع إسرائيل والولايات المتحدة، بهدف مواجهة تصاعد التهديدات الإرهابية ومجابهة الصين وحلفائها، وفي مقدمتهم باكستان، في جنوب آسيا وخارجها.
ولا شكّ أن سياسة الهند تجاه غرب آسيا تطوّرت تبعاً للديناميكيات الداخلية والعالمية المتقلبة على مدى نصف القرن الماضي. فقد انتقلت من سياسة الموازنة إلى نهجٍ يقوم على الانخراط والبراغماتية والحزم المرتكز على المصلحة الوطنية. وتحررت من إكراهات الحرب الباردة، وتوقفت عن التعامل مع إسرائيل بوصفها -عشيقة-، وتخلّت عن مبدأ الموازنة المتساوية، كما أعادت موضعة إيران ضمن الإطار الخليجي-الأميركي، ويمكن ملاحظة بعض التحولات التالية بشكل واضح.
التسمية: غرب آسيا مقابل الشرق الأوسط
أولُ تحولٍ ملحوظ هو في تسمية المنطقة؛ إذ بات الأكاديميون ووسائل الإعلام في الهند يستخدمون مصطلح «الشرق الأوسط» بدلًا من «غرب آسيا»، وهو الاسم الذي كان يُفضَّل استخدامه لسببين أساسيين: الأول جغرافي، إذ تقع المنطقة غرب الهند، والثاني لأن مصطلح «الشرق الأوسط» يحمل إرثاً استعمارياً.
وقد عارض المهاتما غاندي، إلى جانب قادة مثل سعد زغلول، هذا الإرث ودعموا حقوق الشعب الفلسطيني، وشكّل قول غاندي الشهير «فلسطين للفلسطينيين بقدر ما فرنسا للفرنسيين» مرتكزًا لسياسة الهند تجاه فلسطين.
اليوم، نادرًا ما يتساءل الجيل الهندي الأصغر سناً عن هذا التحول، بل يزداد تبنّيهم للمصطلحات الغربية، رغم استمرار الحكومة في استخدام مصطلح «غرب آسيا»، ويعكس هذا الاتجاه، الذي ازداد وضوحًا بعد عام 2014، تصاعد النفوذ الغربي، وقد تعزّز بعودة باحثين تلقّوا تعليمهم في جامعات إسرائيلية.
الحرب الباردة وغرب آسيا
كان أحد العوامل البارزة التي أعادت تشكيل سياسة الهند تجاه غرب آسيا هو الحرب الباردة، فمع تعمّق الرهانات الاقتصادية والاستراتيجية للهند في المنطقة، تطوّر منظورها الإقليمي أيضًا، واكتسبت غرب آسيا أهمية حيوية لأمن الطاقة الهندي، والتحويلات المالية، والتجارة، والاستثمار، وموازنة سياسات جنوب آسيا، إلى جانب مسارات الاتصال البحري مثل ممر البحر الأحمر الذي يربط الهند بأسواق أوروبا بقيمة تتجاوز 200 مليار دولار.
خلال الحرب الباردة، نظرت الهند إلى غرب آسيا من زاويتين رئيسيتين: الأولى من خلال حركة عدم الانحياز والتضامن الاشتراكي، مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع قادة مدعومين من الاتحاد السوفيتي مثل جمال عبد الناصر وصدام حسين وعائلة الأسد في سوريا، أما الثانية، فتمثلت في مواجهة باكستان ومنعها من توحيد الدول العربية ضد الهند.
وبناءً على ديناميكيات المنطقة واعتبارات الهند الخاصة، صاغت نيودلهي سياستها تجاه غرب آسيا ضمن ثلاثة أطر عامة: عدم التدخل، والموازنة المتساوية بين الكتل الثلاث المتصارعة (الكتلة السنية بقيادة السعودية، والكتلة الشيعية بقيادة إيران، وإسرائيل)، وعدم الإملاء، بخلاف ما كانت تمارسه الكتلتان الاشتراكية والرأسمالية في المنطقة، كما استثمرت الهند في التجارة واليد العاملة وسوق الطاقة للحفاظ على نفوذها ومنع تشكّل موقف عربي موحّد ضدها.
واستخدمت أنديرا غاندي «دبلوماسية النفط» لتخفيف التوتر مع الخليج بعد حرب بنغلاديش عام 1971، فحصلت على اتفاق تزويد نفطي لثلاث سنوات مع السعودية عام 1982، وهو ما شكّل محطة بارزة في دبلوماسية الطاقة الهندية.
وكانت سياسة الهند المؤيدة لفلسطين، إلى جانب حُسن تعامل ملوك الخليج ذوي التوجه التجاري، بمثابة درعين حاميين لمصالحها في غرب آسيا خلال الحرب الباردة، ورغم أن الهند اعترفت بإسرائيل عام 1950، فإنها لم تُقِم علاقات دبلوماسية رسمية معها حتى عام 1992، غير أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة نقلت إسرائيل من «الهامش إلى المتن» في السياسة الهندية تجاه غرب آسيا.
العوامل التي غيّرت سياسة الهند تجاه غرب آسيا بعد الحرب الباردة
ثلاثة عوامل رئيسية دفعت الهند إلى تحويل سياستها تجاه غرب آسيا من نهج حقبة الحرب الباردة إلى مقاربة أكثر براغماتية ومرتكزة على المصالح.
أولها خيبة أمل الهند من الموقف العربي خلال الحرب الباردة؛ إذ لم تحظَ بدعم عربي في قضية كشمير، رغم تأييدها المتواصل للقضية الفلسطينية، فقد كان القادة العرب يرون في باكستان -أخًا- وفي الهند مجرد -صديقة-.
أما العامل الثاني فهو تبدّل النظام الدولي بعد الحرب الباردة، حيث برزت دبلوماسية الاصطفاف المتعدد، وسعت الدول إلى تحقيق مصالحها بعيدًا عن الانقسامات الأيديولوجية القديمة.
في حين تمثل العامل الثالث في صعود الهند منذ تسعينيات القرن الماضي بفضل النمو الاقتصادي السريع، وتزايد احتياجات الطاقة، والتقدّم في مجالات التكنولوجيا والدفاع والأمن، ما عزّز مكانتها على الساحة العالمية.
هذا التحوّل لم يبدّل موقف الهند فحسب، بل غيّر أيضًا نظرة العرب إليها؛ إذ باتت الهند شريكًا ملائمًا لسياساتهم القائمة على التنويع والتوجّه شرقًا، وهكذا، أوجد عصر ما بعد الحرب الباردة عوامل «دفع» و «جذب» جديدة أعادت تعريف العلاقات بين الهند وغرب آسيا.
كما ساهمت شواغل مشتركة مثل مكافحة الإرهاب والقرصنة وأمن الملاحة بعد هجمات 11 سبتمبر في تقوية الروابط بين الجانبين، بينما تراجعت باكستان على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي.
سياسة الهند تجاه غرب آسيا في القرن الحادي والعشرين
مع مرور الوقت، بدأت الهند تُكيّف سياستها تجاه غرب آسيا بما يتوافق مع الحقائق الجيوستراتيجية الجديدة، التي أوجدت لنيودلهي مساحة أوسع للمناورة، فلم تعد هناك إكراهات الحرب الباردة أو الحاجة المستمرة إلى موازنة النفوذ الباكستاني أو الالتزام بالحماس نفسه تجاه القضية الفلسطينية، وقد ساهم في ذلك أيضًا تغيّر توجهات أنظمة الخليج التي نسجت، في الخفاء، علاقات مع إسرائيل، أحيانًا على حساب المصلحة الفلسطينية.
ومع ذلك، حرصت حكومات حزب المؤتمر على ألّا تتحول مقاربة الهند لغرب آسيا إلى شعاراتية أو أحادية الجانب، بل سعت إلى الحفاظ على توازن دقيق بين كتل القوى الثلاث المتنافسة في المنطقة.
وقد ارتكز هذا التوازن على ثلاثة مبادئ راسخة شكّلت أساس السياسة الخليجية للهند: الموازنة المتساوية، وعدم التدخل، وعدم الإملاء، وأتاحت هذه المبادئ للهند الانخراط البنّاء مع أطراف متنافسة دون الإضرار بمصالحها الحيوية.
كما حافظ حزب المؤتمر على توازن دقيق بين -أخلاقيات نهرو-التي شددت على التضامن مع حركات التحرر في المنطقة، ومبادئ حركة عدم الانحياز.
وخلال هذه المرحلة، أصبحت الموازنة الاستراتيجية بين القوى الثلاث المتقابلة ضرورة عملية للهند، بينما ظل دعم فلسطين الواجهة العلنية للدبلوماسية العربية لنيودلهي، ومن ثمّ، كان تحوّل سياسة الهند تجاه غرب آسيا تحولًا محسوبًا ودقيقًا، عاكسًا انتقالًا براغماتيًا من المثاليات إلى الانخراط القائم على المصالح.
الهند الجديدة وغرب آسيا: التحول بعد 2014
شكّل عام 2014 نقطة تحوّل في السياسة الخارجية للهند، بفعل التغيير السياسي الداخلي وإعادة الاصطفاف في النظام الدولي، فقد أنهى فوز حزب بهاراتيا جاناتا ذي التوجهات اليمينية، بقيادة ناريندرا مودي، إرث الغاندية-النهروية وحركة عدم الانحياز، معلنًا قطيعة مع سياسات الحرب الباردة التي اتسمت بانخراط وثيق مع الدول العربية لموازنة باكستان، وبعلاقة «غير معلنة» مع إسرائيل كانت توصف مجازًا بأنها علاقة مع عشيقة.
دفعت حكومة مودي بثلاثة اتجاهات استراتيجية جديدة في السياسة الخارجية الهندية:
- إعادة تعريف موقع الصين في الرؤية الاستراتيجية للهند.
- إعادة ضبط سياسة الهند تجاه غرب آسيا.
- إنهاء حالة الغموض في العلاقة مع الولايات المتحدة عبر ميل واضح نحو واشنطن.
وبينما أسفرت الاتجاهات الأول والثالث عن نتائج ملموسة، ظلّت استراتيجية الهند في غرب آسيا في طور التجريب، وتمحورت حول:
- تعميق الروابط مع الكتلة السُّنية بقيادة السعودية، في ظل مساعي ولي العهد نحو التطبيع مع إسرائيل.
- بناء علاقات علنية ومباشرة مع إسرائيل.
- تراجع مكانة فلسطين كواجهة علنية للدبلوماسية العربية للهند، مع مواءمة التعامل مع إيران ضمن الإطار الأميركي-الخليجي.
وتُعدّ إبراز الهوية الثقافية والأيديولوجية للهند واستخدام القوة الناعمة عبر غرب آسيا سمة محورية في نهج -الهند الجديدة- في عهد مودي – وهي المنطقة التي أسهمت تاريخيًا في تشكيل ملامح الحضارة الهندية من خلال تأثير الإسلام.
أدوات مودي لتحقيق أهدافه في غرب آسيا
لتحقيق هذه الأهداف، اعتمد رئيس الوزراء ناريندرا مودي مجموعة من المقاربات الدبلوماسية المبتكرة، من أبرزها:
دبلوماسية التغريد: ركّز مودي إدارة سياسة الهند تجاه غرب آسيا تحت إشراف مكتبه مباشرة، معتمدًا أسلوب التواصل المباشر وخاصة عبر منصة «تويتر» على غرار الدبلوماسية الشخصية التي اشتهر بها البيت الأبيض في عهد هنري كيسنجر.
الدبلوماسية الثقافية: عزّز مودي حضور الهند الثقافي عبر الترويج لليوغا، والمشاركة في ترميم مواقع التراث ما قبل الإسلامي (مثل بعض المواقع في مصر)، ودعم بناء المعابد الهندوسية في الإمارات، وافتتاح المراكز الثقافية، وتوسيع برامج التبادل بين الشعوب، وغالبًا ما كان مودي يحرص خلال جولاته الخليجية على زيارة هذه المعالم لإبراز الهوية الحضارية للهند.
انخراط سياسي عالي الزخم: أصبح مودي أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل، كما زار جميع الدول الكبرى في الخليج وغرب آسيا، مع ميل واضح نحو إسرائيل بدلًا من التركيز التقليدي على فلسطين.
أولوية للسعودية والإمارات: منذ عام 2014، زار مودي السعودية ثلاث مرات والإمارات سبع مرات، في إشارة إلى مركزيتهما في استراتيجية الهند للتجارة والتحويلات والاستثمار، ويُعدّ أكثر من 10 ملايين مغترب هندي في دول مجلس التعاون الخليجي جسرًا ثقافيًا واقتصاديًا حيويًا بين الجانبين.
الروابط الاقتصادية والاستثمارية: برزت الهند في العام الماضي كأكبر مستثمر في غرب آسيا، متجاوزةً الصين. وتُعدّ الإمارات ثالث أكبر شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة والصين، وقد وقّع الجانبان اتفاقية تجارة حرة عام 2021. كما استؤنفت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ومجلس التعاون الخليجي، وتقدّمت المحادثات مع عُمان وقطر، وتعهدت السعودية والإمارات باستثمارات قدرها 75 و100 مليار دولار على التوالي، رغم بطء تنفيذ بعض المشاريع. وتعمّق التعاون مع مصر مع زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي كضيف شرف في احتفالات يوم الجمهورية لعام 2023، تلتها زيارة مودي إلى القاهرة.
تحوّل في أذرع الطاقة: عملت حكومة مودي على خفض اعتماد الهند على واردات الطاقة من دول مجلس التعاون، فاتجهت أولًا إلى العراق ودول غرب أفريقيا، ثم بعد حرب أوكرانيا فضّلت خام الأورال الروسي الأرخص، لترتفع حصته من أقل من 1% إلى نحو 40% من واردات النفط الهندية، والآن تلوّح الهند بالتوجّه نحو الولايات المتحدة تحت ضغط إدارة الرئيس ترامب.
شراكات استراتيجية: وقّعت الهند اتفاقيات شراكة استراتيجية مع عدد من الدول الخليجية الرئيسية، منحت كل منها مودي أعلى أوسمتها المدنية، في إشارة رمزية إلى عمق الاصطفاف الجديد بين الجانبين.
إسرائيل والتحوّل الهندي-الإبراهيمي
كان التحوّل الأبرز في سياسة الهند تجاه غرب آسيا هو الانفتاح العلني على إسرائيل بعد عقود من الحذر. فقد شهدت العلاقات الثنائية توسعًا كبيرًا في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات ومكافحة الإرهاب. وقدّمت إسرائيل دعمًا حاسمًا للهند خلال حرب كارغيل عام 1999 وفي العمليات العسكرية الأخيرة ضد باكستان، بينما ردّت الهند بالمثل عبر دعم سياسي ودبلوماسي لإسرائيل خلال صراعات غزة.
يتناغم التوجّه الهندي المؤيد لإسرائيل مع شراكتها المتنامية مع الولايات المتحدة، إذ ترى نيودلهي أن «الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب».
وتشمل مجالات التعاون الحالية الزراعة والمياه والصحة والدفاع والروبوتات وتبادل المعلومات الاستخباراتية الفورية، كما تنظر الهند إلى إسرائيل، بحكم علاقاتها القوية مع السعودية والإمارات، باعتبارها جسرًا استراتيجيًا ضمن رؤيتها الإقليمية الجديدة.
وقد تجسّد هذا التحالف في مبادرتين محوريتين: تحالفI2U2 (الهند-إسرائيل-الولايات المتحدة-الإمارات) وممر IMEC (الهند-الشرق الأوسط-أوروبا) اللذان أُعلنا خلال قمة مجموعة العشرين عام 2023.
يُنظر إلى I2U2 بوصفه نسخة مصغّرة من تحالف «كواد»، بينما يُعدّ ممر IMEC مبادرة موازية أو مضادة لمشروع “الحزام والطريق” الصيني.
ومع اقتران هذه المبادرات بـتحالف كواد للمحيطين الهندي والهادئ، بدأت نيودلهي تتبنى رؤية جيوسياسية شاملة تقوم على ما يمكن تسميته “سياسة الأرجل الثنائية”، التي تغطي الشرق والغرب معًا، لتجعل من الهند شريكًا لا غنى عنه لإسرائيل، ولواشنطن بدرجة أكبر، في النظام العالمي الآخذ في التشكل.
التحديات في الولاية الثالثة لمودي
رغم النجاحات الدبلوماسية التي حققتها الهند في العقد الماضي، فإن التطورات الأخيرة أربكت مسارها في غرب آسيا، فقد أسفر التقارب السعودي-الإيراني، الذي توسطت فيه الصين، عن توسيع نفوذ بكين الإقليمي على حساب النفوذ الهندي، كما أدت الرسوم الجمركية المرتفعة، وتداعيات حرب أوكرانيا، والضغوط الأميركية لخفض واردات النفط الروسي، إلى توترٍ نسبي في العلاقات الهندية-الأميركية.
وزادت حرب الإبادة على غزة المشهد تعقيدًا بالنسبة لنيودلهي، إذ وجدت نفسها مضطرة إلى موازنة دقيقة بين إسرائيل والكتلة العربية، وفي الوقت ذاته، أسهمت عودة التوتر في الصراع الهندي-الباكستاني عبر عملية «سندور»، والهجوم الإسرائيلي على قطر، ومعاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، في إعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية.
كما زادت ردود الفعل الإيرانية تجاه محور إسرائيل-الولايات المتحدة من حالة الاضطراب، ما جعل سياسة الهند في غرب آسيا أقرب إلى مرحلة التخبّط والتجريب.
ومن اللافت أن رئيس الوزراء مودي تغيب عن اجتماع شرم الشيخ للسلام بشأن حرب غزة، الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الصراع، مكتفيًا بتغريدة دعمٍ بدل المشاركة المباشرة، ويعكس هذا الموقف حالة من عدم اليقين الاستراتيجي التي تمر بها الهند حاليًا في تعاملها مع أزمات المنطقة.
وخلاصة القول، تبدو الهند في ولايتها الثالثة تحت حكم مودي غير واثقة تمامًا من موقعها الجديد في معادلة غرب آسيا، فـالأيديولوجيا والثقافة والقوة الناعمة تظل أدوات لبناء السياسة الخارجية، لا غايات في حد ذاتها، ويُجسّد ذلك بوضوح التقارب المثير بين الهند وحكومة طالبان، الذي يعكس براغماتية مفرطة تتجاوز الأطر التقليدية للسياسة الهندية.

