مقالات

مبادرة الحزام والطريق فرصة إيران لإعادة التموضع

د. أحمد ذكرالله- أستاذ الاقتصاد رئيس أكاديمية أمم للبحوث والتدريب

مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق

فرصة‭ ‬إيران‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع‭ ‬

شهدت‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬تزايدًا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬العزلة‭ ‬الدولية،‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬للعقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والدول‭ ‬الغربية،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬مبررات‭ ‬تتعلق‭ ‬ببرنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬وسياساتها‭ ‬الإقليمية‭.‬

شملت‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬قطاع‭ ‬النفط‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬مما‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬التمويل‭ ‬الدولية‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬وأسهم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إبطاء‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وإعاقة‭ ‬المسار‭ ‬التنموي‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭.‬

في‭ ‬ظلّ‭ ‬تصاعد‭ ‬العقوبات‭ ‬وتزايد‭ ‬العزلة‭ ‬الدولية،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬طهران‭ ‬تقييم‭ ‬مسار‭ ‬علاقاتها‭ ‬الخارجية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬تقلّل‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الشركاء‭ ‬الغربيين،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬برز‭ ‬التوجّه‭ ‬شرقًا‭ ‬كخيارٍ‭ ‬استراتيجي،‭ ‬إذ‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الآسيوية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصين‭ ‬والهند،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬وجنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬مجرّد‭ ‬ردّ‭ ‬فعلٍ‭ ‬اقتصادي‭ ‬على‭ ‬العقوبات،‭ ‬بل‭ ‬مثّل‭ ‬إعادة‭ ‬تموضعٍ‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬هدفه‭ ‬الحدّ‭ ‬من‭ ‬العزلة‭ ‬الغربية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬دوائر‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والطاقة،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬لإيران‭ ‬دورها‭ ‬كلاعبٍ‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬المعادلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

وبرزت‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬الصين‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬كفرصةٍ‭ ‬ذهبية‭ ‬لإيران‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬فريد‭ ‬يربط‭ ‬آسيا‭ ‬بأوروبا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ويجعلها‭ ‬نقطة‭ ‬اتصالٍ‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬البرّي‭ ‬والبحري‭ ‬التي‭ ‬تستهدفها‭ ‬المبادرة‭.‬

فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تُتيح‭ ‬المبادرة‭ ‬دمج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬عبر‭ ‬قنواتٍ‭ ‬غير‭ ‬غربية،‭ ‬كما‭ ‬توفّر‭ ‬فرصًا‭ ‬تمويليةً‭ ‬ضخمة‭ ‬لمشروعات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والموانئ‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يُمكّن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬أثر‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬والالتفاف‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬المقررة‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي،‭ ‬فتمثّل‭ ‬المبادرة‭ ‬فرصةً‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬خرائط‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬والدول‭ ‬الفاعلة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬محاولات‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الممرات‭ ‬التجارية‭ ‬والطاقة‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬لتجعل‭ ‬من‭ ‬المبادرة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مشروعٍ‭ ‬اقتصادي‭ ‬واعد،‭ ‬بل‭ ‬منفذًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬لانعتاق‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬العزلة‭ ‬والهيمنة‭ ‬الغربية‭.‬

تشغل‭ ‬إيران‭ ‬موقعًا‭ ‬جغرافيًا‭ ‬متميزًا‭ ‬يجعلها‭ ‬نقطة‭ ‬التقاءٍ‭ ‬طبيعية‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وشرق‭ ‬آسيا،‭ ‬إذ‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬القارة‭ ‬الآسيوية‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬طرقٍ‭ ‬يربط‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬ببحر‭ ‬قزوين‭ ‬والبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬مكانةً‭ ‬استراتيجية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الممرات‭ ‬البرية‭ ‬والبحرية‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬متكاملة‭ ‬للنقل‭ ‬والتجارة‭.‬

ويُكسبها‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬دورًا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬المبادرة،‭ ‬حيث‭ ‬تعبر‭ ‬البضائع‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطي‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬بأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬زمنية‭ ‬ومالية‭ ‬ولوجستية‭.‬

كما‭ ‬تتمتع‭ ‬بوجود‭ ‬ممرات‭ ‬برية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تربطها‭ ‬بجيرانها‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬مثل‭ ‬أذربيجان‭ ‬وتركمنستان،‭ ‬وفي‭ ‬الغرب‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬والعراق،‭ ‬تتيح‭ ‬نقل‭ ‬البضائع‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬سكك‭ ‬حديدية‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭ ‬زمنية‭ ‬ومالية‭ ‬من‭ ‬المسارات‭ ‬البحرية‭ ‬المنافسة‭ ‬مثل‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭.‬

كما‭ ‬ستمثل‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬نقاط‭ ‬ارتكاز‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬المبادرة،‭ ‬فميناء‭ ‬تشابهار‭ ‬علي‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭ ‬يوفر‭ ‬منفذا‭ ‬مباشرًا‭ ‬إلى‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬دون‭ ‬المرور‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الربط‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬الهند‭ ‬وأفغانستان‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬فيما‭ ‬يضطلع‭ ‬ميناء‭ ‬بندر‭ ‬عباس‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بدورٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬تجارة‭ ‬البلاد،‭ ‬مع‭ ‬قابليةٍ‭ ‬لتعزيز‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬التجاري‭ ‬المقترح‭.‬

وتسعى‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬موانئها‭ ‬الجنوبية‭ ‬بحدودها‭ ‬الشمالية‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬سككٍ‭ ‬حديديةٍ‭ ‬حديثة،‭ ‬لتقليل‭ ‬زمن‭ ‬وتكلفة‭ ‬النقل،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬مع‭ ‬ممر‭ ‬الشمال‭ ‬الجنوب‭ ‬الروسي‭ ‬الهندي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬ميناء‭ ‬بومباي‭ ‬الهندي‭ ‬بالموانئ‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬البلطيق،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬أوسع‭ ‬للتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

هذا‭ ‬المزيج‭ ‬من‭ ‬الممرات‭ ‬البرية‭ ‬والموانئ‭ ‬البحرية‭ ‬يمنح‭ ‬إيران‭ ‬فرصةً‭ ‬استثنائية‭ ‬لتكون‭ ‬وسيطًا‭ ‬تجاريًا‭ ‬إقليميًا‭ ‬ودوليًا،‭ ‬ومحور‭ ‬ارتكازٍ‭ ‬رئيسيًا‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬الصينية‭ ‬الطموحة‭.‬

لا‭ ‬شكّ‭ ‬أن‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬تفتح‭ ‬أمام‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬آفاقًا‭ ‬واعدة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والطاقة‭ ‬والنقل،‭ ‬إذ‭ ‬تُوفّر‭ ‬فرصًا‭ ‬كبيرة‭ ‬لتطوير‭ ‬شبكات‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬والطرق‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالموانئ‭ ‬والمنافذ‭ ‬الحدودية‭.‬

وقد‭ ‬أُعلن‭ ‬بالفعل‭ ‬عن‭ ‬مشروعاتٍ‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬خط‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬ومشهد،‭ ‬وخط‭ ‬رشت–آستارا‭ ‬شمالًا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خطوط‭ ‬الربط‭ ‬مع‭ ‬باكستان‭ ‬وتركيا،‭ ‬وهي‭ ‬مشاريع‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬وجنوب‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬بما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬وتعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬إيران‭ ‬كممرٍّ‭ ‬تجاريٍّ‭ ‬إقليمي‭.‬

وتُعدّ‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬المستهلك‭ ‬الأكبر‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬الإيراني،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬يتيح‭ ‬لإيران‭ ‬تدشين‭ ‬خطوط‭ ‬أنابيب‭ ‬جديدة،‭ ‬وتطوير‭ ‬منشآت‭ ‬تسييل‭ ‬الغاز،‭ ‬وتوسيع‭ ‬قدراتها‭ ‬التصديرية‭ ‬نحو‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬ودول‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬استدامة‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬واستقرارها‭ ‬رغم‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬عبر‭ ‬المبادرة‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬القواعد‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬كيش‭ ‬وقشم‭ ‬والمناطق‭ ‬الحرة‭ ‬في‭ ‬الموانئ،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬التمويل‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬اللازمة‭ ‬لدعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬ما‭ ‬ينعش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬ويرفع‭ ‬قدراته‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والتنافسية‭ ‬إقليميًا‭ ‬ودوليًا‭.‬

ويشير‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروعات‭ ‬المبادرة‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬وإطلاقه‭ ‬مجددًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬قيود‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬والعقوبات‭ ‬المفروضة‭.‬

شهدت‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإيرانية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬تجسّد‭ ‬في‭ ‬اتفاقية‭ ‬التعاون‭ ‬الشامل‭ ‬التي‭ ‬وُقِّعت‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬وتمتدّ‭ ‬لمدة‭ ‬25‭ ‬عامًا،‭ ‬والتي‭ ‬أرست‭ ‬إطارًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للتعاون‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬واضعةً‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخطط‭ ‬الصينية‭ ‬لتوسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬عبر‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬التجاري،‭ ‬تسعى‭ ‬الدولتان‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بينهما؛‭ ‬إذ‭ ‬تركز‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬وبعض‭ ‬المنتجات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتقنية،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تدفق‭ ‬السلع‭ ‬والمعدات‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الإيرانية‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاستثماري،‭ ‬فتقدّم‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬تمويلًا‭ ‬لمشروعاتٍ‭ ‬متعلقة‭ ‬بالمبادرة‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية،‭ ‬كما‭ ‬يتيح‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬لطهران‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬وتقنيات‭ ‬الاتصالات،‭ ‬والمواصلات،‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬مما‭ ‬يعزّز‭ ‬قدراتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والتصديرية‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الشراكة‭ ‬الثنائية‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬تطوّر‭ ‬إلى‭ ‬شراكةٍ‭ ‬استراتيجيةٍ‭ ‬متكاملة‭ ‬تمكّن‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬موقعها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والجيوسياسي‭ ‬في‭ ‬الإقليم،‭ ‬وتمنح‭ ‬الصين‭ ‬موطئ‭ ‬قدمٍ‭ ‬متينًا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

تفرض‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والارتباطات‭ ‬اللوجستية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تتيحها‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬واقعًا‭ ‬مغايرًا‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬إيران‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬إذ‭ ‬تُسهم‭ ‬الممرات‭ ‬البرية‭ ‬وخطوط‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الترابط‭ ‬التجاري‭.‬

فعلى‭ ‬صعيد‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬وأذربيجان،‭ ‬يُتوقّع‭ ‬أن‭ ‬تُسهم‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬وتطوير‭ ‬مشاريع‭ ‬النقل‭ ‬المشترك،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الشرقي،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مكاسب‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬المبادرة‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بفرص‭ ‬تحسين‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬باكستان‭ ‬ودول‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬حيث‭ ‬يتيح‭ ‬تطوير‭ ‬وربط‭ ‬ميناء‭ ‬تشابهار‭ ‬مع‭ ‬باكستان‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شبكات‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬الممتدة‭ ‬إلى‭ ‬تركمانستان‭ ‬وكازاخستان،‭ ‬بناء‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادية‭ ‬متبادلة‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭.‬

وتُسهم‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬صورة‭ ‬إيران‭ ‬كـجسرٍ‭ ‬استراتيجي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬وكمحورٍ‭ ‬رئيسيٍّ‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التجارة‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬وزنًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬في‭ ‬تفاعلات‭ ‬الاقتصادين‭ ‬الآسيوي‭ ‬والشرق‭ ‬أوسطي‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‭.‬

يمتلئ‭ ‬طريق‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬جني‭ ‬ثمار‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬بعددٍ‭ ‬من‭ ‬العقبات‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُقيد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أقصى‭ ‬استفادة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬المبادرة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المستمرة،‭ ‬التي‭ ‬تُعرقل‭ ‬مسار‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬خشيةَ‭ ‬تعرّضها‭ ‬للعقوبات‭ ‬الثانوية‭. ‬

كما‭ ‬تُعدّ‭ ‬صعوبة‭ ‬التمويل‭ ‬الدولي‭ ‬للمشروعات‭ ‬الكبرى‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬ضعف‭ ‬التصنيف‭ ‬الائتماني‭ ‬لإيران،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجةٍ‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الصيني‭ ‬المشروط‭ ‬أو‭ ‬المحدود،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تُقيَّم‭ ‬بأنها‭ ‬مرتفعة‭ ‬المخاطر‭ ‬أو‭ ‬ضعيفة‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تواجه‭ ‬إيران‭ ‬منافسةً‭ ‬حادةً‭ ‬من‭ ‬الموانئ‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬ميناء‭ ‬جبل‭ ‬علي‭ ‬وميناء‭ ‬صحار،‭ ‬اللذين‭ ‬يستقطبان‭ ‬نسبةً‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ويُعدّ‭ ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬أحد‭ ‬العوائق‭ ‬أمام‭ ‬توسّع‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬مثل‭ ‬بندر‭ ‬عباس‭ ‬وتشابهار،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تنامي‭ ‬النفوذ‭ ‬التجاري‭ ‬واللوجستي‭ ‬الإماراتي‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬سواء‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التوتر‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬من‭ ‬بؤر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تُثير‭ ‬قلق‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتؤثر‭ ‬سلبًا‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يُبطئ‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬أو‭ ‬يُهدد‭ ‬استدامتها‭.‬

وتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬يتطلّب‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬إدارةً‭ ‬ابتكارية‭ ‬ومرنة‭ ‬للأزمة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ابتكار‭ ‬حلولٍ‭ ‬تمويليةٍ‭ ‬بديلة،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تصفير‭ ‬المشكلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان،‭ ‬بما‭ ‬يُتيح‭ ‬بيئةً‭ ‬أكثر‭ ‬جذبًا‭ ‬للاستثمار‭ ‬ويُعزّز‭ ‬فرص‭ ‬نجاح‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭.‬

تُشير‭ ‬الآفاق‭ ‬المستقبلية‭ ‬لمبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬قادرة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نُفذت‭ ‬بفاعلية،‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دورٍ‭ ‬محوريٍّ‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتعزيز‭ ‬النفوذ‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬أولًا،‭ ‬ثم‭ ‬مع‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬لاحقًا‭.‬

فبفضل‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬المتميّز‭ ‬ومشاركتها‭ ‬النشطة‭ ‬في‭ ‬المبادرة،‭ ‬يُمكن‭ ‬لإيران‭ ‬أن‭ ‬تُخفّف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬العزلة‭ ‬الغربية‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها‭ ‬عبر‭ ‬فتح‭ ‬قنوات‭ ‬جديدة‭ ‬للتجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتعاون‭ ‬التكنولوجي‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬ودول‭ ‬آسيوية‭ ‬أخرى‭. ‬

من‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬وبناء‭ ‬مواقف‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬تجاهها،‭ ‬حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬للدول‭ ‬المتحفظة‭ ‬منها،‭ ‬إذ‭ ‬سيجبرها‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني‭ ‬المتنامي‭ ‬كمركزٍ‭ ‬رئيسيٍّ‭ ‬للعبور‭ ‬والتجارة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بمنظورٍ‭ ‬مختلف‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬الأفاق‭ ‬المستقبلية‭ ‬فتوجد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السيناريوهات‭ ‬المحتملة‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬تعويض‭ ‬المبادرة‭ ‬لإيران‭ ‬عن‭ ‬عزلتها‭ ‬الغربية‭ ‬عبر‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

  ‬السيناريو‭ ‬المتفائل‭:‬‭ ‬ترجّح‭ ‬رؤيته‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬استثمار‭ ‬المبادرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬انفتاحٍ‭ ‬اقتصادي‭ ‬واسع،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استقطاب‭ ‬استثماراتٍ‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬وسيؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬وتحسين‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬المواطنين،‭ ‬ورفع‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكلي‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مستدام،‭ ‬بما‭ ‬يُعزّز‭ ‬فرص‭ ‬تفكيك‭ ‬العزلة‭ ‬الغربية‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها‭.‬

‭ ‬السيناريو‭ ‬الحذر‭:‬‭ ‬يحذر‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية،‭ ‬والتنافس‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الإقليم،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬والقلاقل‭ ‬الإقليمية‭ ‬والضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والديبلوماسية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعرقل‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروعات،‭ ‬ويقيد‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬التنموية‭.‬

‭ ‬السيناريو‭ ‬السلبي‭:‬‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬احتمالية‭ ‬تعرض‭ ‬شركاء‭ ‬إيران‭ ‬الآسيويين‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬متصاعدة‭ ‬تضطرهم‭ ‬للتراجع‭ ‬عن‭ ‬التزاماتهم‭ ‬معها‭ ‬كنتيجة‭ ‬للتهديد‭ ‬بفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬أو‭ ‬ممارسة‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والديبلوماسية،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عرقلة‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬وافتقاد‭ ‬طهران‭ ‬لمكانتها‭ ‬كمركز‭ ‬عبور‭ ‬استراتيجي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬تقويض‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الانفلات‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬العزلة‭.‬

تمثّل‭ ‬مبادرة‭ ‬الحزام‭ ‬والطريق‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لقدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬التحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬إقليمي‭ ‬مؤثر‭ ‬قادرٍ‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬سيُعيد‭ ‬رسم‭ ‬خرائط‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ويُرسّخ‭ ‬دورها‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعالمي‭.‬

ولتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬النجاح،‭ ‬تحتاج‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬موازنة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬المكاسب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمخاطر‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنويع‭ ‬شراكاتها‭ ‬وعدم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬وحدها،‭ ‬كما‭ ‬يُوصى‭ ‬بتحسين‭ ‬البيئة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬الداخلية‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬ومكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬بالتعاون‭ ‬الفعّال‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يتعيّن‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬تفعيل‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬لفتح‭ ‬قنوات‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬أو‭ ‬تخفيف‭ ‬بعض‭ ‬العقوبات‭ ‬بما‭ ‬يوسّع‭ ‬فرص‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

النجاح‭ ‬يتطلب‭ ‬إدارة‭ ‬حذرة‭ ‬واعية‭ ‬بالتحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬تتبني‭ ‬رؤية‭ ‬وطنية‭ ‬واضحة،‭ ‬وتبني‭ ‬تحالفات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مدروسة،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬الحصار‭ ‬والعزلة‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬تأسيس‭ ‬مستقبل‭ ‬اقتصادي‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬واستقلالًا‭..‬

د. احمد ذكر الله

أستاذ الاقتصاد رئيس أكاديمية أمم للبحوث والتدريب More »

Leave a Reply

Back to top button