إيران والجنوب العالمي: بين المثاليات الثورية والانخراط البراغماتي
هبة الله نجنديانمش - أستاذ مشارك في القانون الدولي، جامعة العلامـــــــــة الطباطبائي ، طهران، إيران
المقدمة
في المشهد المتغيّر للعلاقات الدولية، عاد الجنوب العالمي ليبرز من جديد كفاعل ملموس ومؤثر، فبعد أن كان في الماضي رمزًا للتضامن ما بعد الاستعمار وحركة عدم الانحياز، أصبح اليوم شبكة من الدول الساعية إلى الاستقلالية الاستراتيجية وتنويع الاقتصاد وإصلاح المؤسسات الدولية خارج الأطر الخاضعة للهيمنة الغربية.
وقد أسهمت عودة التعددية القطبية التي تسارعت بفعل أزمات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا في تعزيز موقع هذه الكتلة، إذ ترفض العديد من دول الجنوب الاصطفاف ضمن محاور القوة التقليدية، مؤكدةً على مبادئ السيادة والتعاون المتبادل.
بالنسبة لإيران، التي واجهت طويلًا العقوبات والعزلة الدبلوماسية، فإن هذا التحوّل يفتح بابًا لفرص جديدة يقابلها عدد من التحديات، فـانضمامها إلى منظمة شنغهاي للتعاون عام 2023، ثم إلى مجموعة بريكس عام 2024، فضلًا عن تعميق الشراكات في الفضاء الأوراسي، كلها مؤشرات على سعي طهران إلى ترسيخ موقعها ضمن التحالفات الصاعدة في الجنوب العالمي.
ومع ذلك، يظل السؤال المحوري قائمًا: هل يُمثّل اصطفاف إيران مع الجنوب العالمي استمرارًا لمثالياتها الثورية القائمة على الاستقلال ومناهضة الهيمنة، أم أنه إعادة معايرة براغماتية نحو دبلوماسية أكثر مرونة وفاعلية؟
من الثورة إلى إعادة الاصطفاف
يتجذّر توجه إيران نحو الجنوب العالمي في الرؤية السياسية والأخلاقية التي أنتجتها ثورة عام 1979، والتي رفضت الهيمنة الغربية والسوفيتية على حد سواء، وقدّمت إيران بوصفها صوت «المستضعفين» في النظام الدولي، وانسجم هذا التوجه مع مبادئ حركة عدم الانحياز القائمة على السيادة وتقرير المصير.
ومع ذلك، دفعت عقود من الحرب والعقوبات طهران إلى البحث عن شراكات بديلة، ما أدى تدريجيًا إلى تحول خطابها من مقاومة أيديولوجية صارمة إلى انخراط براغماتي يقوم على المصالح المتبادلة، فمنذ مطلع الألفية الجديدة، وسّعت إيران تعاونها مع الصين وروسيا والهند، وهي دول تتشارك معها مصلحة الحد من النفوذ الأمريكي في النظام العالمي، وانعكس ذلك في الانخراط في مبادرة «الحزام والطريق»، ومشروعات البنية التحتية الآسيوية، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وأسفر هذا التطور عن هوية خارجية مزدوجة: دولة تحافظ خطابيًا على مبادئ مناهضة الهيمنة، لكنها في الوقت نفسه تنخرط في شبكات الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي المعاصر.
الاندماج الاقتصادي والقيود البنيوية
يمثّل انضمام إيران إلى مؤسسات رئيسية في الجنوب العالمي تطورًا يحمل قيمة رمزية واضحة، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن قيود بنيوية تحدّ من فعاليته، فالتبادل التجاري مع دول بريكس، الذي تهيمن عليه صادرات الطاقة نحو آسيا، ما يزال محدودًا وغير متوازن.
كما تواصل العقوبات المالية، والقيود المفروضة على الوصول إلى الأنظمة المصرفية العالمية، والاستبعاد من آليات تمويلية مثل «البنك الجديد للتنمية»، عرقلة تحقيق اندماج اقتصادي فعلي.
وعلى الرغم من المزايا الاستراتيجية التي تمتلكها إيران مثل موقعها الجغرافي، ومواردها الكبيرة في مجال الطاقة، وقواها العاملة المؤهلة فإنها ما تزال تواجه صعوبة في تحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ مستدام. فالعضوية الرمزية لا تكفي لضمان المشاركة المؤثرة؛ إذ يتطلب سد هذه الفجوة إصلاحات مؤسسية ورفع مستويات الشفافية والابتكار في الآليات المالية.
وتقدّم منصات التعاون جنوب-جنوب، مثل منظمة التعاون الاقتصادي ومجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية (D-8)، فرصًا حقيقية لتنويع الشراكات، غير أن تأثيرها يبقى محدودًا بفعل التضخم، وضعف البنية التحتية، والبيروقراطية غير الفعالة، وعليه، فإن نجاح إيران في الاندماج ضمن الجنوب العالمي يعتمد بمقدار مماثل على الإصلاح الداخلي كما يعتمد على الانفتاح الدبلوماسي الخارجي.
الأبعاد الأيديولوجية والدبلوماسية
تتأرجح السياسة الخارجية الإيرانية بين المثاليات الثورية والدبلوماسية البراغماتية، فهي تقدّم نفسها مدافعًا عن السيادة والعدالة الدولية، وفي الوقت ذاته تنخرط في تعاون إقليمي ومتعدد الأطراف، هو ما يعكس جانبًا من التوترات داخل الجنوب العالمي ذاته؛ إذ تميل الدول الكبرى فيه مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وإندونيسيا إلى إعطاء الأولوية للنمو والاستقرار والتنمية، بدلًا من المواجهة الأيديولوجية.
ويرتكز نهج هذه الدول على التجارة ونقل التكنولوجيا وتمويل التنمية، الأمر الذي يجعل الخطاب الثوري الإيراني أحيانًا في حالة تنافر مع هذا الاتجاه البراغماتي التوافقي.
وتبرز التطورات الأخيرة هذا التوتر بوضوح، فقد أظهرت الوساطة الصينية التي قادت إلى استئناف العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023 جانبًا من مرونة طهران الدبلوماسية، في حين كشفت ردود الفعل الخافتة من شركاء الجنوب العالمي تجاه الهجمات التي استهدفت مواقع إيرانية عام 2025 عن حدود التضامن القائم على الخطاب الأيديولوجي وحده، وتوضح هذه المعادلة أن المكانة داخل الجنوب العالمي اليوم تُكتسب عبر المشاركة البنّاءة والنتائج العملية، لا عبر الاكتفاء بالتمترس الخطابي الثوري.
الآليات المؤسسية ودبلوماسية القطاع الخاص
اتجهت إيران خلال السنوات الأخيرة إلى توظيف قطاعها الخاص كأداة للدبلوماسية الاقتصادية، إذ تؤدي غرفة التجارة، من خلال شبكاتها التي تربط الغرف المحلية بنظيراتها المشتركة والدولية، دورًا محوريًا في وصل مؤسسات الدولة بالشركاء الاقتصاديين الخارجيين.
ويعكس التعاون المتزايد بين وزارة الخارجية والهيئات الاقتصادية عبر المنتديات التجارية والبعثات الإقليمية مسعى طهران البراغماتي لتحويل التقارب السياسي والخطابي إلى تعاون اقتصادي ملموس.
ويمثل هذا التحول انتقالًا من التضامن المعلن إلى الانخراط العملي، مع الاعتماد على شبكات لامركزية يقودها قطاع الأعمال، قادرة على المناورة في ظل العقوبات والقيود الرسمية، وقد يشكّل هذا النمط من المرونة إحدى الأدوات الأكثر فاعلية بيد إيران لتعزيز حضورها المؤسسي داخل منظومة الجنوب العالمي، بوصفها شريكًا يمكنه العمل ضمن بيئات مركّبة ومتغيرة.
مبادرة الحوكمة العالمية للصين: اختبار للبراغماتية
يمثل إطلاق الصين لمبادرة الحوكمة العالمية (GGI) عام 2025 إطارًا جديدًا للتنسيق والتكامل بين دول الجنوب، فمن خلال ربط آليات مثل مجموعة بريكس، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون، تُعطي المبادرة الأولوية للأداء والموثوقية والنتائج القابلة للقياس، على حساب الشعارات الأيديولوجية، وضمن هذا التصور، تنظر المبادرة إلى إيران بوصفها ممرًا جغرافيًا استراتيجيًا يصل شرق آسيا بغرب آسيا (الشرق الأوسط).
غير أن المشاركة الفاعلة في GGI تتطلب مساهمات عملية لا مجرد اصطفاف سياسي، فرغم تقديم إيران مقترحات تتعلق بمنصات تجارة الطاقة وممرات النقل، تبقى قدرتها على التنفيذ محدودة، ومن دون إدارة فعّالة للمشاريع، وشفافية مؤسسية، وآليات متابعة دقيقة، تخاطر طهران بأن تبقى جزءًا رمزيًا من المبادرة دون تأثير وظيفي ملموس.
وتؤكد الدبلوماسية الصينية المتعددة المسارات، التي توازن بين علاقاتها مع إيران ودول الخليج في آن واحد، أن النجاح ضمن GGI مرهون بالمصداقية والنتائج العملية والانضباط المؤسسي، فالجنوب العالمي الصاعد يكافئ القدرة على الإنجاز، لا الاكتفاء بالخطاب.
بريكس ومنظمة شنغهاي ومنطق التأثير الوظيفي
يشكّل انضمام إيران إلى مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون محطة بارزة في مسارها نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، غير أنّ هذين الإطارين يقومان أساسًا على التعاون البراغماتي لا على وحدة أيديولوجية؛ فمجموعة بريكس تركز على إصلاح النظام المالي العالمي وتمويل التنمية، بينما تهتم منظمة شنغهاي بقضايا الأمن والربط الإقليمي، ويُستمدّ التأثير داخل هاتين المؤسستين من القدرة على تقديم مساهمة ملموسة ومنتظمة، لا من مجرد الحصول على عضوية رمزية.
وللانتقال من الحضور الشكلي إلى الفاعلية، يتعيّن على إيران إثبات قيمة مضافة رغم استمرار العقوبات وصعوبة الوصول إلى مصادر التمويل الدولية، كما يتطلب العمل ضمن منظمة شنغهاي إدارة دقيقة للعلاقات مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند، التي قد تتباين أولوياتها الإستراتيجية بدرجات كبيرة، وستتحدد مكانة إيران داخل هذه الأطر بناءً على مصداقيتها المؤسسية وقدرتها على تحويل الإدماج السياسي إلى نتائج تنموية وأمنية قابلة للقياس.
عدم الانحياز مُجدّدًا: من الاستقلال الأيديولوجي إلى الاصطفاف المتعدد الاستراتيجي
جسّدت حركة عدم الانحياز في صيغتها الكلاسيكية موقفًا أخلاقيًا مقاومًا للثنائية القطبية خلال الحرب الباردة، أما اليوم، فقد تطور مفهوم عدم الانحياز إلى ما يمكن تسميته “الاصطفاف المتعدد الاستراتيجي”؛ أي فنّ الانخراط المتوازي مع مراكز قوى مختلفة، من دون الوقوع ضمن محور واحد أو تبنّي عداء أيديولوجي شامل. وتتبنّى دول مثل الهند وإندونيسيا وعدد من دول الخليج هذا النهج، من خلال توسيع شراكاتها عبر خطوطٍ سياسية واقتصادية متباينة، سعيًا إلى تعزيز استقلالها من خلال تنويع علاقاتها.
وبالنسبة لإيران، فإن تبنّي هذه المقاربة يعني إعادة تعريف مفهوم الاستقلال بحيث لا يرتبط بالعزلة أو المواجهة الدائمة، بل بالانخراط الانتقائي المبني على تقدير المصالح والفرص، ويمكن للتعاون مع دول الجنوب العالمي أن يتعايش مع علاقات مدروسة مع اقتصادات الشمال، من دون أن يفقد هويته أو منطقه، ويتيح هذا التعدد البراغماتي، القائم على الواقعية بدلاً من الخطابة، مسارًا أكثر استدامة لمشاركة إيران في النظام الدولي المتعدد الأقطاب.
الفرص والقيود
يوفّر الانخراط مع الجنوب العالمي لإيران مكاسب ملموسة، من بينها الوصول إلى قنوات مالية بديلة، وعقد شراكات تكنولوجية، والاستفادة من منصات تنموية أقل عرضة لتأثير العقوبات الغربية/ كما يمنحها الانضمام إلى أطر مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ومبادرة الحوكمة العالمية (GGI) قدرًا من الشرعية الدبلوماسية وإمكانات أوسع لتنويع الاقتصاد.
ومع ذلك، لا تزال عقبات كبيرة قائمة بنيوية وسياسية، فضعف الكفاءة المؤسسية، ومحدودية الشفافية، وارتفاع مستوى تسييس صُنْع القرار في السياسة الخارجية، كلها عوامل تقوّض صورة إيران كشريك يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل.
وغالبًا ما تطغى النزعة الأيديولوجية على ضرورات الدبلوماسية الفنية، بما يقيّد انخراط القطاع الخاص ويثبط تدفق الاستثمار، وفي المقابل، تحافظ قوى محورية في الجنوب العالمي ولا سيما الصين على علاقات متوازنة مع منافسي إيران الإقليميين، ما يخلق بيئة دبلوماسية تنافسية لا يمكن التعامل معها بالخطاب وحده.
وبذلك، يصبح التحدي الرئيسي أمام إيران هو الانتقال من المشاركة الرمزية إلى تحقيق إنجازات قابلة للقياس، فالتأثير داخل الجنوب العالمي لا تحدده الشعارات الثورية، بل القدرة على تصميم المشاريع وتنفيذها واستدامتها بما يحقق منافع مشتركة.
الخلاصة: موازنة المثاليات والعقلانية
يعكس تطوّر انخراط إيران مع الجنوب العالمي سعيها للتوفيق بين هويتها الثورية ومتطلبات البراغماتية السياسية، فقد دفعت العقوبات والمواجهة المستمرة طهران إلى التوجّه نحو منظومات متعددة الأقطاب تتسق مع تطلعها إلى السيادة والعدالة في النظام الدولي. غير أن الاندماج الفعلي لا يتحقق عبر العضوية الشكلية وحدها، بل يستلزم إصلاحًا مؤسسيًا، وكفاءة في الإدارة، وشفافية في الحوكمة.
إن منطق الجنوب العالمي المعاصر يقوم على النتائج لا الشعارات: الأداء، والقدرة التشغيلية، وفعالية التنسيق هي التي تحدد موقع الدول داخل هذا الفضاء المتعدد، وبالنسبة لإيران، فإن التحدي يكمن في تحويل شرعيتها الخطابية وموقعها الجيوسياسي إلى قدرة تنفيذية ملموسة، يمكن للمثاليات الثورية أن تستمر بوصفها مصدر إلهام وتوجيه، لكن فاعليتها ترتبط بمدى إعادة صياغتها ضمن إطار إداري منضبط وتعاون دولي بنّاء.
وبذلك، فإن مسار إيران يعكس مسار الجنوب العالمي نفسه: ائتلاف يسعى إلى الاستقلال ضمن شروط الاعتماد المتبادل. وستتحدد مكانة إيران المستقبلية وفق قدرتها على الجمع بين قناعة الموقف وفاعلية الأداء، بحيث لا تُكتفى بالرمزية، بل تُسهم بصورة ملموسة في تشكيل نظام عالمي أكثر توازنًا وعدالة.


