مبادرة الحزام والطريق فرصة إيران لإعادة التموضع
د. أحمد ذكرالله- أستاذ الاقتصاد رئيس أكاديمية أمم للبحوث والتدريب
مبادرة الحزام والطريق
فرصة إيران لإعادة التموضع
شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العقود الأخيرة تزايدًا في مستوى العزلة الدولية، نتيجة مباشرة للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، استنادًا إلى مبررات تتعلق ببرنامج إيران النووي وسياساتها الإقليمية.
شملت هذه العقوبات مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية، وفي مقدمتها قطاع النفط الذي يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني فضلًا عن القطاع المصرفي، مما حدّ من قدرة إيران على الوصول إلى مصادر التمويل الدولية والاستفادة منها، وأسهم ذلك في إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي وإعاقة المسار التنموي داخل الاقتصاد الإيراني.
في ظلّ تصاعد العقوبات وتزايد العزلة الدولية، كان من الطبيعي أن تعيد طهران تقييم مسار علاقاتها الخارجية، والبحث عن بدائل تقلّل من اعتمادها على الشركاء الغربيين، ومن هنا برز التوجّه شرقًا كخيارٍ استراتيجي، إذ عملت على تعزيز علاقاتها مع القوى الآسيوية الكبرى، وفي مقدمتها الصين والهند، إلى جانب الانفتاح على دول آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى روسيا.
لم يكن هذا التوجه مجرّد ردّ فعلٍ اقتصادي على العقوبات، بل مثّل إعادة تموضعٍ استراتيجيًا هدفه الحدّ من العزلة الغربية، وتوسيع دوائر الحلفاء في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة، بما يعيد لإيران دورها كلاعبٍ مؤثر في المعادلات الإقليمية والدولية.
وبرزت مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013 كفرصةٍ ذهبية لإيران على المستويين الاقتصادي والسياسي، في ظلّ ما تتمتع به من موقع استراتيجي فريد يربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط، ويجعلها نقطة اتصالٍ رئيسية في شبكات النقل البرّي والبحري التي تستهدفها المبادرة.
فعلى الصعيد الاقتصادي، تُتيح المبادرة دمج الاقتصاد الإيراني في منظومة الاقتصاد العالمي عبر قنواتٍ غير غربية، كما توفّر فرصًا تمويليةً ضخمة لمشروعات البنية التحتية والموانئ والسكك الحديدية، الأمر الذي قد يُمكّن الاقتصاد الإيراني من تجاوز أثر العقوبات الغربية والالتفاف عليها في حال تنفيذ المشاريع المقررة.
أما على الصعيد السياسي، فتمثّل المبادرة فرصةً لإعادة هندسة خرائط التعاون الإقليمي وتعزيز الشراكات مع القوى والدول الفاعلة على أساس المصالح المشتركة، بعيدًا عن محاولات الهيمنة الغربية.
كما أن الممرات التجارية والطاقة التي تمرّ عبر الأراضي الإيرانية من شأنها أن تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، لتجعل من المبادرة ليس مجرد مشروعٍ اقتصادي واعد، بل منفذًا استراتيجيًا لانعتاق إيران من العزلة والهيمنة الغربية.
تشغل إيران موقعًا جغرافيًا متميزًا يجعلها نقطة التقاءٍ طبيعية بين أوروبا وشرق آسيا، إذ تقع في قلب القارة الآسيوية على مفترق طرقٍ يربط المحيط الهندي ببحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط، ما يمنحها مكانةً استراتيجية تجمع بين الممرات البرية والبحرية في شبكة متكاملة للنقل والتجارة.
ويُكسبها هذا الموقع دورًا محوريا في مسار المبادرة، حيث تعبر البضائع من الصين وآسيا الوسطي نحو أوروبا بأقل تكلفة زمنية ومالية ولوجستية.
كما تتمتع بوجود ممرات برية استراتيجية تربطها بجيرانها في الشمال مثل أذربيجان وتركمنستان، وفي الغرب مع تركيا والعراق، تتيح نقل البضائع عبر خطوط سكك حديدية تكون أقل تكلفة زمنية ومالية من المسارات البحرية المنافسة مثل قناة السويس.
كما ستمثل الموانئ الإيرانية نقاط ارتكاز محورية في المبادرة، فميناء تشابهار علي بحر العرب يوفر منفذا مباشرًا إلى المحيط الهندي دون المرور بمضيق هرمز، ما يفتح المجال أمام الربط التجاري مع الهند وأفغانستان وآسيا الوسطى، فيما يضطلع ميناء بندر عباس على الخليج العربي بدورٍ كبيرٍ في استقبال تجارة البلاد، مع قابليةٍ لتعزيز دوره في المسار التجاري المقترح.
وتسعى طهران إلى ربط موانئها الجنوبية بحدودها الشمالية عبر شبكات سككٍ حديديةٍ حديثة، لتقليل زمن وتكلفة النقل، وتحقيق التكامل مع ممر الشمال الجنوب الروسي الهندي الذي يربط ميناء بومباي الهندي بالموانئ الروسية على بحر البلطيق، ما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي مع القوى الإقليمية والدولية.
هذا المزيج من الممرات البرية والموانئ البحرية يمنح إيران فرصةً استثنائية لتكون وسيطًا تجاريًا إقليميًا ودوليًا، ومحور ارتكازٍ رئيسيًا في المبادرة الصينية الطموحة.
لا شكّ أن مبادرة الحزام والطريق تفتح أمام الاقتصاد الإيراني آفاقًا واعدة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل، إذ تُوفّر فرصًا كبيرة لتطوير شبكات السكك الحديدية والطرق السريعة التي تربط المدن الإيرانية بالموانئ والمنافذ الحدودية.
وقد أُعلن بالفعل عن مشروعاتٍ حيوية مثل خط السكك الحديدية بين طهران ومشهد، وخط رشت–آستارا شمالًا، إلى جانب خطوط الربط مع باكستان وتركيا، وهي مشاريع من شأنها تعزيز التواصل التجاري بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا وأوروبا، بما يُسهم في خفض تكاليف النقل وتعزيز مكانة إيران كممرٍّ تجاريٍّ إقليمي.
وتُعدّ الأسواق الآسيوية المستهلك الأكبر للنفط والغاز الإيراني، لذا فإن الانخراط في المبادرة يتيح لإيران تدشين خطوط أنابيب جديدة، وتطوير منشآت تسييل الغاز، وتوسيع قدراتها التصديرية نحو الصين والهند ودول شرق آسيا، الأمر الذي يضمن استدامة التدفقات المالية واستقرارها رغم العقوبات الغربية.
كما أن التكامل الاقتصادي مع الصين عبر المبادرة سيؤدي إلى توسيع القواعد الصناعية في مناطق مثل كيش وقشم والمناطق الحرة في الموانئ، مع توفير التمويل والتكنولوجيا اللازمة لدعم الإنتاج المحلي، ما ينعش الاقتصاد الإيراني ويرفع قدراته الإنتاجية والتنافسية إقليميًا ودوليًا.
ويشير ذلك بوضوح إلى أن تنفيذ مشروعات المبادرة يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني وإطلاقه مجددًا بعيدًا عن قيود الهيمنة الغربية والعقوبات المفروضة.
شهدت العلاقات الصينية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا عميقًا، تجسّد في اتفاقية التعاون الشامل التي وُقِّعت عام 2021 وتمتدّ لمدة 25 عامًا، والتي أرست إطارًا واسعًا للتعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والتكنولوجيا، واضعةً إيران في قلب الخطط الصينية لتوسيع نفوذها عبر مبادرة الحزام والطريق.
على الصعيد التجاري، تسعى الدولتان إلى زيادة حجم التبادل التجاري بينهما؛ إذ تركز إيران على تصدير النفط والغاز وبعض المنتجات الصناعية والتقنية، في مقابل تدفق السلع والمعدات والاستثمارات الصينية إلى السوق الإيرانية.
أما على المستوى الاستثماري، فتقدّم الشركات الصينية تمويلًا لمشروعاتٍ متعلقة بالمبادرة على الأراضي الإيرانية، كما يتيح التعاون بين البلدين لطهران الاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات الصناعات الثقيلة، وتقنيات الاتصالات، والمواصلات، والطاقة المتجددة، مما يعزّز قدراتها الإنتاجية والتصديرية.
ويمكن القول إنّ هذا التعاون لم يعد يقتصر على مستوى الشراكة الثنائية التقليدية، بل تطوّر إلى شراكةٍ استراتيجيةٍ متكاملة تمكّن إيران من تعزيز موقعها الاقتصادي والجيوسياسي في الإقليم، وتمنح الصين موطئ قدمٍ متينًا في قلب الشرق الأوسط.
تفرض المصالح الاقتصادية والارتباطات اللوجستية الجديدة التي تتيحها مبادرة الحزام والطريق واقعًا مغايرًا في علاقات إيران مع دول الجوار، إذ تُسهم الممرات البرية وخطوط السكك الحديدية العابرة للحدود في تعميق التعاون الإقليمي وتعزيز الترابط التجاري.
فعلى صعيد التعاون مع تركيا وأذربيجان، يُتوقّع أن تُسهم شبكات النقل والسكك الحديدية التي تربط بين الدول الثلاث في زيادة حركة التجارة وتطوير مشاريع النقل المشترك، بما يعزز التكامل الاقتصادي في المنطقة.
أما على الجانب الشرقي، فإن من أبرز مكاسب إيران من المبادرة ما يتعلق بفرص تحسين العلاقات مع باكستان ودول آسيا الوسطى، حيث يتيح تطوير وربط ميناء تشابهار مع باكستان وأفغانستان، إلى جانب شبكات السكك الحديدية الممتدة إلى تركمانستان وكازاخستان، بناء مصالح اقتصادية متبادلة تدفع نحو تعزيز التعاون في مختلف المجالات.
وتُسهم هذه التطورات في ترسيخ صورة إيران كـجسرٍ استراتيجي يربط بين الشرق والغرب، وكمحورٍ رئيسيٍّ في منظومة التجارة الإقليمية، ما يمنحها وزنًا متزايدًا في تفاعلات الاقتصادين الآسيوي والشرق أوسطي على حدٍّ سواء.
يمتلئ طريق إيران نحو جني ثمار مبادرة الحزام والطريق بعددٍ من العقبات والتحديات التي قد تُقيد قدرتها على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المبادرة، في مقدمتها العقوبات الأمريكية المستمرة، التي تُعرقل مسار التعاون الاقتصادي مع الدول المشاركة في المبادرة خشيةَ تعرّضها للعقوبات الثانوية.
كما تُعدّ صعوبة التمويل الدولي للمشروعات الكبرى أحد أبرز التحديات، في ظلّ ضعف التصنيف الائتماني لإيران، وهو ما يجعلها تعتمد بدرجةٍ كبيرة على التمويل الصيني المشروط أو المحدود، خاصة في المشاريع التي تُقيَّم بأنها مرتفعة المخاطر أو ضعيفة الجدوى الاقتصادية.
إلى جانب ذلك، تواجه إيران منافسةً حادةً من الموانئ الإقليمية في الإمارات وسلطنة عُمان، ولا سيّما ميناء جبل علي وميناء صحار، اللذين يستقطبان نسبةً كبيرة من حركة الشحن والتجارة في المنطقة. ويُعدّ هذا التنافس أحد العوائق أمام توسّع الموانئ الإيرانية مثل بندر عباس وتشابهار، خصوصًا في ظلّ تنامي النفوذ التجاري واللوجستي الإماراتي على الصعيدين الإقليمي والدولي.
كما لا يمكن تجاهل الاضطرابات الأمنية الإقليمية، سواء الناتجة عن التوتر مع إسرائيل، أو القرب الجغرافي من بؤر الصراع في أفغانستان والعراق، وهي عوامل تُثير قلق المستثمرين وتؤثر سلبًا في بيئة الأعمال، بما قد يُبطئ من وتيرة تنفيذ المشاريع أو يُهدد استدامتها.
وتجاوز هذه التحديات يتطلّب من الحكومة الإيرانية إدارةً ابتكارية ومرنة للأزمة، من خلال ابتكار حلولٍ تمويليةٍ بديلة، والعمل على تصفير المشكلات الإقليمية قدر الإمكان، بما يُتيح بيئةً أكثر جذبًا للاستثمار ويُعزّز فرص نجاح إيران في المبادرة.
تُشير الآفاق المستقبلية لمبادرة الحزام والطريق إلى أنها قادرة، إذا ما نُفذت بفاعلية، على لعب دورٍ محوريٍّ في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وتعزيز النفوذ الصيني في المنطقة من خلال التعاون مع إيران أولًا، ثم مع عددٍ من الدول المشاركة لاحقًا.
فبفضل موقعها الجغرافي المتميّز ومشاركتها النشطة في المبادرة، يُمكن لإيران أن تُخفّف من حدة العزلة الغربية المفروضة عليها عبر فتح قنوات جديدة للتجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي مع الصين ودول آسيوية أخرى.
من شأن هذا الانفتاح أن يدفع بعض دول المنطقة إلى إعادة تقييم علاقاتها مع طهران وبناء مواقف أكثر توازنًا تجاهها، حتى بالنسبة للدول المتحفظة منها، إذ سيجبرها الدور الإيراني المتنامي كمركزٍ رئيسيٍّ للعبور والتجارة على التعامل مع إيران بمنظورٍ مختلف.
أما عن الأفاق المستقبلية فتوجد العديد من السيناريوهات المحتملة في إمكانية تعويض المبادرة لإيران عن عزلتها الغربية عبر مبادرة الحزام والطريق، ومن بينها ما يلي:
السيناريو المتفائل: ترجّح رؤيته أن تنجح إيران في استثمار المبادرة لتحقيق انفتاحٍ اقتصادي واسع، من خلال استقطاب استثماراتٍ ضخمة في مجالات البنية التحتية والنقل والاتصالات، والانخراط في الأسواق الإقليمية والدولية. وسيؤدي ذلك إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، ورفع مؤشرات الأداء الاقتصادي الكلي بشكلٍ مستدام، بما يُعزّز فرص تفكيك العزلة الغربية المفروضة عليها.
السيناريو الحذر: يحذر هذا السيناريو من استمرار العقوبات الغربية، والتنافس مع بعض دول الإقليم، علاوة على التهديدات الأمنية والقلاقل الإقليمية والضغوط السياسية والديبلوماسية، الأمر الذي يعرقل تنفيذ المشروعات، ويقيد تدفق الاستثمارات الأجنبية، ويحد من قدرة طهران على تحقيق أهدافها التنموية.
السيناريو السلبي: يشير إلى احتمالية تعرض شركاء إيران الآسيويين إلى ضغوط متصاعدة تضطرهم للتراجع عن التزاماتهم معها كنتيجة للتهديد بفرض عقوبات أو ممارسة الضغوط السياسية والديبلوماسية، ولا شك أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى عرقلة المشاريع الكبرى وافتقاد طهران لمكانتها كمركز عبور استراتيجي، الأمر الذي يعني تقويض قدرتها على الانفلات من حالة العزلة.
تمثّل مبادرة الحزام والطريق اختبارًا حقيقيًا لقدرة إيران على التحوّل إلى مركز إقليمي مؤثر قادرٍ على مواجهة تحديات الجغرافيا السياسية والاقتصادية، ولا شك أن نجاحها في ذلك سيُعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، ويُرسّخ دورها السياسي والاقتصادي على المستويين الإقليمي والعالمي.
ولتحقيق هذا النجاح، تحتاج طهران إلى موازنة دقيقة بين المكاسب الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية، من خلال تنويع شراكاتها وعدم الاعتماد على الصين وحدها، كما يُوصى بتحسين البيئة الاستثمارية الداخلية عبر تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وتطوير القدرات اللوجستية والبنية التحتية بالتعاون الفعّال مع دول الجوار.
إلى جانب ذلك، يتعيّن على إيران تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية لفتح قنوات حوار مع القوى الدولية، والعمل على إزالة أو تخفيف بعض العقوبات بما يوسّع فرص التعاون الإقليمي والدولي.
النجاح يتطلب إدارة حذرة واعية بالتحديات والعقبات الداخلية والخارجية، تتبني رؤية وطنية واضحة، وتبني تحالفات استراتيجية مدروسة، بما يسهم ليس فقط في كسر الحصار والعزلة بل أيضًا تأسيس مستقبل اقتصادي أكثر استقرارًا واستقلالًا..

