مقالات

الاختراق الأمني الإسرائيلي لإيران

د. أحمد حسين بكر - عضو هيئة التدريس بجامعـــــة القاهــــــــــــرة متخصص في شئون الدراسات الإيرانية

يُعَدّ‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬لاختراق‭ ‬دولة‭ ‬معادية‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬التجسس‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬وتنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬الاستخبارية‭ ‬التي‭ ‬تُلحق‭ ‬الضرر‭ ‬بمصالح‭ ‬تلك‭ ‬الدولة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مادية‭ ‬أو‭ ‬معنوية‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الاختراق‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الخصوم‭ ‬فحسب،‭ ‬إذ‭ ‬يحدث‭ ‬أحيانًا‭ ‬بين‭ ‬الحلفاء‭ ‬أيضًا،‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تجاه‭ ‬أقرب‭ ‬حلفائها،‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬حيث‭ ‬كشفت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬نيوزويك‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2014م‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تمارس‭ ‬أنشطة‭ ‬تجسسية‭ ‬واسعة‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولن‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭.‬

أما‭ ‬غير‭ ‬الطبيعي‭ ‬حقًا،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬مستوى‭ ‬الاختراق‭ ‬بين‭ ‬دولتين‭ ‬متعاديتين‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تجعل‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الآخر‭ ‬خطرًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬يهدد‭ ‬كيانه،‭ ‬كما‭ ‬أقرّ‭ ‬الوزير‭ ‬الإيراني‭ ‬السابق‭ ‬علي‭ ‬يونسي‭ ‬عام‭ ‬2021م،‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬‮«‬إن‭ ‬نفوذ‭ ‬جهاز‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الإسرائيلي‭ (‬الموساد‭) ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الماضية‭ ‬بلغ‭ ‬مستوى‭ ‬يستدعي‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإيرانيين‭ ‬القلق‭ ‬على‭ ‬حياتهم‮»‬‭.‬

تاريخ‭ ‬من‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني

بدأت‭ ‬مظاهر‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لإيران‭ ‬تتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬خلال‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأسبق‭ ‬محمود‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد،‭ ‬حين‭ ‬اغتيل‭ ‬العالم‭ ‬النووي‭ ‬أردشير‭ ‬حسين‭ ‬بور‭ ‬عام‭ ‬2007م‭ ‬نتيجة‭ ‬اختناق‭ ‬بالغاز،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬حادثة‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬اغتيالات‭ ‬نُسبت‭ ‬إلى‭ ‬جهاز‭ ‬الموساد‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬

وتتابعت‭ ‬بعدها‭ ‬العمليات،‭ ‬فاغتيل‭ ‬العالم‭ ‬مسعود‭ ‬علي‭ ‬محمدي‭ ‬أمام‭ ‬منزله‭ ‬عام‭ ‬2009م،‭ ‬ثم‭ ‬مجيد‭ ‬شهرياري‭ ‬عام‭ ‬2010م،‭ ‬وداريوش‭ ‬رضائي‭ ‬نجاد‭ ‬عام‭ ‬2011م،‭ ‬واغتيل‭ ‬بعده‭ ‬بأشهر‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬أحمدي‭ ‬روشن‮»‬‭.‬

ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬العمليات‭ ‬على‭ ‬الاغتيالات،‭ ‬إذ‭ ‬زرعت‭ ‬إسرائيل‭ ‬فيروسا‭ ‬إلكترونيًا‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬ستوكس‭ ‬نت‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬أجهزة‭ ‬الحواسيب‭ ‬في‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بهدف‭ ‬تعطيل‭ ‬أجهزة‭ ‬الطرد‭ ‬المركزي‭ ‬الخاصة‭ ‬بتخصيب‭ ‬اليورانيوم‭.‬

ومع‭ ‬وصول‭ ‬الرئيس‭ ‬الإصلاحي‭ ‬حسن‭ ‬روحاني‭ ‬إلى‭ ‬الحكم،‭ ‬نفّذ‭ ‬جهاز‭ ‬الموساد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أجرأ‭ ‬عملياته‭ ‬داخل‭ ‬إيران،‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬سرقة‭ ‬الأرشيف‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬عام‭ ‬2018م،‭ ‬وقد‭ ‬أعلن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬عملاء‭ ‬الموساد‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬55‭ ‬ألف‭ ‬وثيقة‭ ‬وعشرات‭ ‬الأقراص‭ ‬المدمجة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالبرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬بعد‭ ‬اقتحام‭ ‬مخبأ‭ ‬سري‭ ‬في‭ ‬طهران‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2020م،‭ ‬اغتيل‭ ‬العالم‭ ‬النووي‭ ‬البارز‭ ‬محسن‭ ‬فخري‭ ‬زاده،‭ ‬الملقب‭ ‬بـ«أبو‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‮»‬،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬عملاء‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬حيث‭ ‬أشارت‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قُتل‭ ‬بواسطة‭ ‬روبوت‭ ‬مزود‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬متصل‭ ‬بالأقمار‭ ‬الصناعية‭. ‬ثم‭ ‬شهد‭ ‬عام‭ ‬2021م‭ ‬سلسلة‭ ‬تفجيرات‭ ‬استهدفت‭ ‬منشأة‭ ‬نطنز‭ ‬النووية‭.‬

ومع‭ ‬تولي‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬إبراهيم‭ ‬رئيسي‭ ‬السلطة،‭ ‬برز‭ ‬ملف‭ ‬مكافحة‭ ‬الاختراق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬حكومته،‭ ‬وأُعلن‭ ‬عن‭ ‬تفكيك‭ ‬شبكات‭ ‬تجسس‭ ‬تعمل‭ ‬لصالح‭ ‬الموساد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاختراقات‭ ‬استمرت،‭ ‬فاغتيل‭ ‬القائد‭ ‬في‭ ‬فيلق‭ ‬القدس‭ ‬صياد‭ ‬خدائي‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬عام‭ ‬2022م،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬تتهمه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬خارجية‭.‬

وجاءت‭ ‬ذروة‭ ‬الإحراج‭ ‬الأمني‭ ‬عام‭ ‬2024م،‭ ‬عندما‭ ‬اغتالت‭ ‬إسرائيل‭ ‬إسماعيل‭ ‬هنية،‭ ‬رئيس‭ ‬المكتب‭ ‬السياسي‭ ‬لحركة‭ ‬حماس،‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬نفسها،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬ضيفًا‭ ‬رسميًا‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬تنصيب‭ ‬الرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬مسعود‭ ‬بزشكيان،‭ ‬في‭ ‬حادثة‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬صفعة‭ ‬أمنية‭ ‬قاسية‮»‬‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أمام‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭.‬

أسباب‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني

تهدف‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬وتنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬عدة‭ ‬أهداف‭ ‬إستراتيجية،‭ ‬أمنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬وسياسية،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

‭- ‬كسر‭ ‬هيبة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أمام‭ ‬شعبه‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬وإظهاره‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الدولة‭ ‬الضعيفة‭ ‬العاجزة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬نفسها‭.‬

‭- ‬استباق‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬إيراني‭ ‬محتمل‭ ‬عبر‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخبارية‭ ‬الدقيقة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭.‬

‭- ‬زعزعة‭ ‬ثقة‭ ‬الشعب‭ ‬بالنظام‭ ‬وإضعاف‭ ‬تماسكه‭ ‬الداخلي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التشكيك‭ ‬بقدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭.‬

إرباك‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬نفسيًا‭ ‬ومعنويًا‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬نوعية‭ ‬مدروسة‭ ‬تُحدث‭ ‬أثرًا‭ ‬رمزيًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحساسة‭.‬

‭- ‬عرقلة‭ ‬المشروع‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬إبطاء‭ ‬تقدمه،‭ ‬لمنع‭ ‬طهران‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬إنتاج‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭.‬

‭- ‬بث‭ ‬الشك‭ ‬والريبة‭ ‬داخل‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرسمية‭ ‬وبين‭ ‬القيادات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬بما‭ ‬يعمّق‭ ‬أجواء‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬والانقسام‭ ‬الداخلي‭.‬

‭- ‬تشويه‭ ‬صورة‭ ‬إيران‭ ‬إقليميًا‭ ‬ودوليًا،‭ ‬عبر‭ ‬إظهارها‭ ‬كدولة‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬أراضيها،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬حلفائها‭.‬

‭- ‬تأليب‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬ضدها‭ ‬ودفعها‭ ‬إلى‭ ‬التقارب‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭.‬

تلك‭ ‬الأهداف‭ ‬مجتمعة‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬المواجهة‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬حيث‭ ‬تُوظّف‭ ‬إسرائيل‭ ‬أدوات‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬لتقويض‭ ‬الخصم‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالمواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭.‬

وسائل‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني

تعتمد‭ ‬وسائل‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لإيران‭ ‬وسائل‭ ‬عديدة‭ ‬خليطة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬البشرية‭ ‬والتقنية‭ ‬عبر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬ففي‭ ‬الجانب‭ ‬البشري،‭ ‬يسعى‭ ‬الموساد‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬الظروف‭ ‬الداخلية‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لتجنيد‭ ‬عملاء‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬مواطنين‭ ‬مواطنين‭ ‬ناقمين‭ ‬يمكن‭ ‬شراؤهم‭ ‬وتجنيدهم،‭ ‬نكايةً‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخانقة،‭ ‬هؤلاء‭ ‬يتعاونون‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬عملياتها‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية،‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬معلومات‭ ‬وتنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬اغتيال‭ ‬وتخريب‭.‬

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬تجنيد‭ ‬الموساد‭ ‬للإيرانيّين‭ ‬على‭ ‬مواطنين‭ ‬عاديّين‭ ‬يقومون‭ ‬بتنفيذ‭ ‬بعض‭ ‬المهام،‭ ‬وإنما‭ ‬تمَّ‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬قيادات‭ ‬إيرانية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬صرح‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الأسبق،‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد،‭ ‬في‭ ‬2021م،‭ ‬حينما‭ ‬قال‭ ‬إنهم‭ ‬أنشأوا‭ ‬وحدة‭ ‬لمكافحة‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وإن‭ ‬رئيس‭ ‬الوحدة‭ ‬تبيَّن‭ ‬لاحقًا‭ ‬أنه‭ ‬عميل‭ ‬للموساد‭.‬

ثم‭ ‬خرج‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬النائب‭ ‬والمرشح‭ ‬الإيراني‭ ‬الإصلاحي‭ ‬للرئاسة‭ ‬السابق،‭ ‬مصطفى‭ ‬كواكبيان،‭ ‬في‭ ‬2025م،‭ ‬ليقول‭ ‬إن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الحساسة‭ ‬قد‭ ‬تمَّ‭ ‬اختراقها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬سيدة‭ ‬أوروبية‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬كاثرين‭ ‬شاكدام‮»‬،‭ ‬أقامت‭ ‬علاقات‭ ‬جنسية‭ ‬مع‭ ‬120‭ ‬شخصية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

أما‭ ‬الوسائل‭ ‬التقنية‭ ‬فتعتمد‭ ‬على‭ ‬هجومات‭ ‬إلكترونية‭ ‬وبرمجيات‭ ‬خبيثة‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬الأجهزة‭ ‬والبرمجيات‭ ‬المستوردة؛‭ ‬فقد‭ ‬تكرر‭ ‬ذكر‭ ‬برمجيات‭ ‬ومنصات‭ ‬مصدرها‭ ‬دول‭ ‬ثالثة‭ ‬احتوت‭ ‬بوابات‭ ‬خلفية‭ ‬نقلت‭ ‬بيانات‭ ‬حساسة‭ ‬خارج‭ ‬إيران،‭ ‬بما‭ ‬شمل‭ ‬سجلات‭ ‬مدنية‭ ‬وأنظمة‭ ‬مطارات‭ ‬وحتى‭ ‬معدات‭ ‬عسكرية،‭ ‬وفق‭ ‬تقارير‭ ‬داخلية‭ ‬وإعلامية‭ ‬محلية‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬سوف‭ ‬تظل‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة،‭ ‬وسوف‭ ‬يشاركها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬المتخلفة‭ ‬تكنولوجيًّا،‭ ‬أو‭ ‬المستهلكة‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬الخارجية‭.‬

فقد‭ ‬كشف‭ ‬تقرير‭ ‬لصحيفة‭ ‬‮«‬كيهان‮»‬‭ ‬الإيرانية‭ ‬المقربة‭ ‬من‭ ‬دوائر‭ ‬الحكم،‭ ‬عن‭ ‬اختراق‭ ‬أمني‭ ‬واسع‭ ‬النطاق،‭ ‬استهدف‭ ‬إيران‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬مصدرها‭ ‬الهند،‭ ‬تبيَّن‭ ‬لاحقًا‭ ‬أنها‭ ‬إسرائيلية‭ ‬الصنع‭ ‬وتحتوي‭ ‬على‭ ‬برمجيات‭ ‬خلفية‭ ‬تنقل‭ ‬بيانات‭ ‬حساسة‭ ‬مباشرةً‭ ‬لإسرائيل‭. ‬

هذه‭ ‬البرامج،‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬المكاتب‭ ‬الحكومية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬شملت‭ ‬سجلات‭ ‬مدنية‭ ‬وجوازات‭ ‬سفر‭ ‬وأنظمة‭ ‬مطارات،‭ ‬بل‭ ‬وعطلت‭ ‬أحيانًا‭ ‬معدات‭ ‬عسكرية‭ ‬وأتاحت‭ ‬تحكمًا‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬مما‭ ‬هدد‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬لإيران‭.‬

هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني،‭ ‬البشري‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬ظِل‭ ‬وجود‭ ‬صدام‭ ‬بين‭ ‬النظام‭ ‬وقطاعات‭ ‬من‭ ‬الشعب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستنفذ‭ ‬جهود‭ ‬أجهزة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستخبارات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬توجّه‭ ‬جُلَّ‭ ‬جهدها‭ ‬إلى‭ ‬الخطر‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وهو‭ ‬إسرائيل‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬ينجح‭ ‬أيضًا‭ ‬بفضل‭ ‬التعاون‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬بين‭ ‬الموساد‭ ‬وأجهزة‭ ‬مخابرات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تعتبره‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬خطرًا‭ ‬مشتركًا،‭ ‬وهو‭ ‬إيران‭ ‬وبرنامجها‭ ‬النووي‭.‬

سياسة‭ ‬الإنكار‭ ‬وتضخيم‭ ‬الإنجاز

لعل‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬وصول‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لإيران‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬وَصَل‭ ‬فيه‭ ‬التهديد‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وصار‭ ‬فيه‭ ‬مستقبل‭ ‬النظام‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المحك،‭ ‬هو‭ ‬سياسة‭ ‬الإنكار‭ ‬وتضخيم‭ ‬الإنجاز،‭ ‬التي‭ ‬غلبت‭ ‬سياسة‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬تعاطيها‭ ‬مع‭ ‬عمليات‭ ‬الاغتيال‭ ‬والتخريب‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬الموساد‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية‭.‬

فبعد‭ ‬أول‭ ‬حادث‭ ‬اغتيال،‭ ‬حاولت‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬التعتيم‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬وبعد‭ ‬زرع‭ ‬الفيروس‭ ‬الحاسوبي‭ ‬في‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية،‭ ‬أنكر‭ ‬المسؤولون،‭ ‬واعتبروا‭ ‬الأمر‭ ‬‮«‬حربًا‭ ‬ناعمة‮»‬،‭ ‬وأكد‭ ‬وزير‭ ‬الاستخبارات‭ ‬حينها،‭ ‬حيدر‭ ‬مصلحي،‭ ‬أن‭ ‬الأجهزة‭ ‬الإيرانية‭ ‬منعت‭ ‬العدو‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الاختراق،‭ ‬لكنه‭ ‬أقر‭ ‬لاحقًا‭ ‬بالأمر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬محللون‭ ‬هزيمة‭ ‬أمنية‭ ‬خطيرة‭.‬

وحينما‭ ‬أعلنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬سرقتها‭ ‬للأرشيف‭ ‬النووي،‭ ‬وَصَف‭ ‬المفاوض‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬النووي،‭ ‬عبّاس‭ ‬عراقجي‭ (‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الحالي‭) ‬الأمرَ‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬مسرحية‭ ‬صبيانية‭ ‬وسخيفة‮»‬،‭ ‬وتمسَّكت‭ ‬طهران‭ ‬بالإنكار‭ ‬طيلة‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬ثم‭ ‬اعترف‭ ‬الرئس‭ ‬روحاني‭ ‬بالسرقة‭ ‬قبل‭ ‬رحيله‭ ‬عن‭ ‬منصبه‭.‬

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬سياسة‭ ‬الإنكار،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬تضخيم‭ ‬الإنجاز‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الاختراق‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وادعاء‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهته‭.‬

فبعد‭ ‬حوادث‭ ‬الاغتيالات‭ ‬والتخريب،‭ ‬تلاحق‭ ‬السلطات‭ ‬المشتبه‭ ‬فيهم،‭ ‬وتعدم‭ ‬بعضهم،‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ ‬اعترافاتهم‭ ‬على‭ ‬الجمهور،‭ ‬معتبرةً‭ ‬ذلك‭ ‬إنجازًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬حينما‭ ‬أعدمت‭ ‬أحد‭ ‬المتهمين‭ ‬بالتجسس‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬اغتيالات،‭ ‬ثم‭ ‬عرض‭ ‬الإعلام‭ ‬الإيراني‭ ‬فيلمًا‭ ‬وثائقيًّا،‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬نادي‭ ‬الجواسيس‮»‬،‭ ‬يروي‭ ‬إنجازات‭ ‬المخابرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬تعقب‭ ‬منفذي‭ ‬الاغتيالات،‭ ‬واعترافاتهم‭.‬

هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإيرانيّين‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬اختراق‭ ‬متبادل،‭ ‬وأن‭ ‬إيران‭ ‬تخترق‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬أخبار‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬عملاء‭ ‬إسرائيليّين‭ ‬لإيران‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬خطر‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الإيراني،‭ ‬ولكن‭ ‬الأخطر‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬إنكاره،‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬لا‭ ‬تكافئ‭ ‬هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬واعتبارها‭ ‬إنجازًا،‭ ‬كالاعتقالات‭ ‬والإعدامات‭ ‬والاعترافات‭ ‬العلنية‭. ‬فالإنجاز‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬نفس‭ ‬إمكانيات‭ ‬العدو‭ ‬البشرية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬وترد‭ ‬عليه‭ ‬بالمثل،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تمتعه‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬بأمنك‭ ‬القومي،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬المواجهات‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭.‬

الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬وأثره‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬المباشرة‭ ‬

أظهرت‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬شنَّتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬13‭ ‬يونيو‭ ‬2025م‭ ‬أن‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يعتقده‭ ‬الجميع،‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وخارجها‭.‬

فالخسائر‭ ‬التي‭ ‬تعرَّضت‭ ‬لها‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نتيجة‭ ‬تفوق‭ ‬عسكري‭ ‬إسرائيلي‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬أيضًا‭ ‬نتيجة‭ ‬دعم‭ ‬استخباري‭ ‬ميداني‭ ‬مباشر‭ ‬لإسرائيل‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬نفسها‭.‬

فالحرب‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الإيرانية،‭ ‬عندما‭ ‬قام‭ ‬عملاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬بتفعل‭ ‬الطائرات‭ ‬المُسيَّرة‭ ‬والصواريخ‭ ‬والمتفجرات‭ ‬المُهربَّة‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬المُصنَّعة‭ ‬داخلها‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية،‭ ‬مستهدفين‭ ‬الأهداف‭ ‬البشرية‭ ‬والحيوية‭.‬

وجود‭ ‬هؤلاء‭ ‬العملاء‭ – ‬الذين‭ ‬نشطوا‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب،‭ ‬وتحركوا‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وقدموا‭ ‬المعلومات‭ ‬والإحداثيات‭ ‬الدقيقة‭ ‬لإسرائيل‭ – ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬كبار‭ ‬القيادات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية،‭ ‬وكبار‭ ‬العلماء‭ ‬النوويّين،‭ ‬ووَصَل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬استهداف‭ ‬اجتماع‭ ‬كان‭ ‬يحضره‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭.‬

كما‭ ‬قام‭ ‬هؤلاء‭ ‬العملاء‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التخريب‭ ‬السرية‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬إيران‭ ‬والتي‭ ‬أدَّت‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية‭ ‬وقاذفات‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية،‭ ‬وفتحت‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬الإيراني‭ ‬للطيران‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

وقامت‭ ‬وحدات‭ ‬كوماندوز‭ ‬تابعة‭ ‬للموساد‭ ‬بنشر‭ ‬أنظمة‭ ‬أسلحة‭ ‬موجهة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مفتوحة‭ ‬قرب‭ ‬منصات‭ ‬إطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وأنظمة‭ ‬أسلحة‭ ‬وتقنيات‭ ‬متطورة‭ ‬مُخبّأة‭ ‬في‭ ‬مركبات،‭ ‬وعندما‭ ‬بدأ‭ ‬الهجوم،‭ ‬أُطلقت‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬ودمرت‭ ‬أهدافًا‭ ‬للدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الإيراني‭.‬

إجراءات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب

شنت‭ ‬إيران‭ ‬حملة‭ ‬اعتقالات‭ ‬واسعة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬حربها‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬شملت‭ ‬المئات‭ ‬ممن‭ ‬اتهموا‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الموساد،‭ ‬وأُعدم‭ ‬البعض‭ ‬منهم،‭ ‬ولكن‭ ‬الاعتقالات‭ ‬والإعدامات‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬المسار‭ ‬الوحيد‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاختراق‭ ‬الإسرائيلي؛‭ ‬لأنها‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬العَرَض‭ ‬وليس‭ ‬المَرَض،‭ ‬ولن‭ ‬تطال‭ ‬جميع‭ ‬الجواسيس،‭ ‬ولن‭ ‬تردم‭ ‬الفجوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مسارات‭ ‬أخرى‭ ‬يجب‭ ‬السير‭ ‬فيها،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬داخلي،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إقليمي‭ ‬ودولي‭. ‬

فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المنظومة‭ ‬الأمنية‭ ‬والأجهزة‭ ‬المخابراتية،‭ ‬خاصَّة‭ ‬أن‭ ‬أداء‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة‭ ‬تعرض‭ ‬لانتقادات‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬أجهزة‭ ‬موازية،‭ ‬انشغلت‭ – ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ – ‬بالتنافس‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬عن‭ ‬محاربة‭ ‬الاختراق‭ ‬الأمني‭ ‬والاستخباراتي‭. ‬

ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الهيكلة‭ ‬الأمنية‭ ‬لن‭ ‬تجدي‭ ‬نفعًا‭ ‬في‭ ‬ظِل‭ ‬وجود‭ ‬مفرخة‭ ‬للجواسيس،‭ ‬وهي‭ ‬البيئة‭ ‬الساخطة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للمخابرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أن‭ ‬تجند‭ ‬منها‭ ‬عملاء‭ ‬جدد،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستوجب‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬الشعب‭ ‬الإيراني‭ ‬وتلبية‭ ‬احتياجاته‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تزيل‭ ‬إيران‭ ‬أسباب‭ ‬التوتر‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تتعاون‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتتعاون‭ ‬معها‭ ‬استخباريًّا،‭ ‬مثل‭ ‬أذربيجان‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬قاعدة‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬الموساد،‭ ‬والتي‭ ‬ذكرت‭ ‬التقارير‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬ممرَا‭ ‬لتهريب‭ ‬المعدات‭ ‬التي‭ ‬استخدمها‭ ‬الجواسيس‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭. ‬

وعلى‭ ‬طهران‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سياستها‭ ‬تجاه‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬ومنها‭ ‬العراق،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ممرًا‭ ‬للطائرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬هاجمت‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقد‭ ‬جيشه‭ ‬الوطني‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬بسبب‭ ‬إضعافه‭ ‬لمصلحة‭ ‬الميليشيات‭ ‬الطائفية‭. 

ولو‭ ‬أحسن‭ ‬الإيرانيون‭ ‬صنعًا‭ ‬لرجعوا‭ ‬إلى‭ ‬تقرير‭ ‬الاستخبارات‭ ‬التركية‭ ‬عن‭ ‬حربهم‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والذي‭ ‬أوصى‭ ‬بالاهتمام‭ ‬بالحرب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إغلاق‭ ‬نوافذ‭ ‬التسلل‭ ‬داخليًّا،‭ ‬فأكد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬إعطاء‭ ‬عناية‭ ‬خاصَّة‭ ‬للعوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي،‭ ‬مثل‭ ‬الصعوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمشاكل‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬لإغلاق‭ ‬باب‭ ‬تجنيد‭ ‬العملاء‭.‬

Leave a Reply

Back to top button